Note: English translation is not 100% accurate
إشكالية الرمز الشعري في النص
20 نوفمبر 2008
المصدر : الأنباء
الشعر جوهر الحياة، فهو نابع من الشعور ويصدر من الوجدان، والقلب الخالي من الشعر، خال من الروح، الروح بمعناها الإنساني الفلسفي لا بمعناها التأطيري العام. والشعر الإنساني أرقى بكثير من الشعر الرومانسي، وأرقى منهما الشعر الوجودي الفلسفي الذي يقل إلى درجة الاختفاء في كتابات شعرائنا في الساحة الشعبية. هذا التوجه الإبداعي يدفعنا إلى طرح هذا السؤال العابر، لماذا تميز شعر سليمان المانع السابق عن شعره الحالي؟ على سبيل المثال، ومن أجل تقريب الصورة، خاصة بعد حصوله على الهوية التي كان ينشدها في نصوصه الأولى «وفرحة ربوعي في خبر تابعية»، والجواب بسيط وواضح لفهم هذه الإشكالية، لأنه كان يبحث في تلك النصوص عن حقيقة وجوده الإنساني ويرغب في رسم مصيره الذاتي الضبابي، وهذا الوضع يتناغم مع زميله في هذا الميدان، وهو الشاعر فهد عافت، غير أن فهد عافت تفوق على صاحبه في تناول هذه الإشكالية، حيث كان لسان حال المانع «وفرحة ربوعي في خبر تابعية»، بينما تمرد عافت على الوضع ككل، خاصة في بواكير نصوصه الشعرية، عندما كان يحمد ربه بأن جعله «بدون» ولا يشرفه أن يكون من العرب، ومن هذه الجدلية نفهم أن اغتراب المانع كان ناتجا عن غربة هوية واغتراب وطن، بينما اغتراب عافت نابع من غربة ذات واغتراب روح.
هذا التميز الذي جعلنا نعرف الأفضلية الشعرية لهذا الشاعر عن ذاك، نابع من قوة استخدام كل شاعر لرموزه الشعرية، أي أن ورود الرمز الشعري في سياقات متعددة كفيل بتغيير الرمز من حالة إلى حالة أخرى حسب السياق المطروح، وهذا واضح في العديد من النصوص التي كتبت عنها، كما هو الحال عند الشاعر عبدالله عطية الحارثي في نص «الضال»، أو الشاعر سعد معيوف في نص «رحلة التكوين»، إذ أن انتقال الشاعر من سياق إلى سياق آخر حور الرمز الشعري لديه.
هذا الكلام يقودنا إلى حقيقة شعرية أخرى، من أن تكرار بعض المفردات أو بعض المقاطع، كما هو الحال عند عيضة السفياني في نص «طلع الغرب علينا»، إنما هو عبارة عن رغبة هذا الشاعر أو أي شاعر يحسن التعامل بمهارة مع هذه الإشكالية أقول، رغبة هذا الشاعر بتكثيف حضوره في النص، وتسليط الضوء على هذا الجانب الشعري في داخل النص، من أجل خلق حالة من التوازن الإيجابي في النص بالدرجة الأولى، ومد القصيدة بالروح الشعرية التي تمنحها قوة الاستمرار.
إننا نبحث في النصوص الشعرية قراءة وتمحيصا ومن ثم كتابة عنها، لا من أجل تزجية الفراغ، بل من أجل تعميم ثقافة الجمال، والمساهمة في تشكيل حركة نقدية في الساحة، بدأت ملامحها تظهر على السطح، لهذا، ومن خلال هذا السياق العام الذي نتحدث عنه، لابد من تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة، التي لابد من توجيه دفة الصراع الأدبي حولها، والحديث عن الخير والشر في هذه الزاوية من الأدب، أي الحديث عن الأدب الرفيع والأدب الوضيع، فالرقي والتدني في تناول المشروع الأدبي ككل، والمشروع الشعري على وجه الخصوص، لا ينتميان لزمن معين، فكل جنس من أجناس الأدب له قيمه الفنية الرفيعة، وله رجاله القادرون على إظهاره في ثوب جديد، قادر على كسب احترام الآخرين، ولفت أنظارهم إليه، والشعر الجميل لا يقع عليه إلا الجميل من الناس، فليس كل من يقرأ أو يتابع الساحة الشعرية يملك هذه الخاصية، فخاصية الجمال نادرة في كل مكان وزمان.
أثار الشاعر الأميركي أدغار ألان بو في مقال له بعنوان «فلسفة الأشياء» هذا السؤال: متى يكون الحزن الأشد هو الموضوع الأكثر شاعرية؟ ثم أجاب عن هذا التساؤل: «حين يتحالف مع الجمال على نحو وثيق: فالموت إذن، أو موت امرأة جميلة هو دون ريب أكثر الموضوعات شاعرية في هذه الدنيا «لهذا كان الشاعر يخاطب أطياف النساء الجميلات وهن في اللحود، كتجسيد جميل ورائع لهذا الفكر الذي يتبناه. هذا الكلام يقودنا إلى التسليم بهذه الحقيقة الوجدانية الإنسانية، من أن الإحساس لن يكون مؤثرا مالم يكن هناك ضمير حي قادر على توجيه ذلك الإحساس الوجهة السليمة، لأن الضمير أنبل مقومات الروح، وهذا يمكن تخيله مع نص «أغاني للقرى» للشاعر بندر المحيا، الذي امتزج فيه الإحساس بالروح وبالضمير، وهو بطريقة ليست ببعيدة عن فهم الشاعر الأميركي للعلاقة مع الإنسان في حالة العدم، حيث أنسن الجمادات من حوله، ومنح المكان خاصية الروح، من خلال الاتكاء على مشهد الباب في هذا النص:
أتمسك بسارية بيتك والأرض بوجهي تدور
واقـبل الـبـاب كــن الـبـاب متغرب وانـا بــلاد
دخلت نصفي هدوء ونصفي الباقي بدا يثور
وخرجت فلساني الثلج وضلوعي جمر وقاد
فحينما نظر الشاعر إلى الباب، كانت هناك علاقة حميمية بينه وبين ذلك الجماد الذي جعله يستحضر جده والزمن الماضي المغروس في ذاكرته، وكانت هناك علاقة حميمية بينه وبين الجدران التي كانت تريد التعرف عليه، وقد جاء ليبحث من خلالها عن ذاته، ولما التفت إلى الباب من الداخل حصل التحول في المشهد الشعري في النص.
لهذا، وكما قلنا في بداية هذا المقال، من أن الشعر جوهر الحياة، وهو الخيط الرفيع الذي يحفظ لنا التوازن النفسي، سواء في تعاطينا مع الحب أو الروح أو في تعاطينا مع أي قضية إنسانية أخرى كالاغتراب مثلا، لأن الشعر فضاء ممتد وعوالم تنبثق منها عوالم، والقراءة الجادة للشعر والفهم العميق للنصوص لا تقوم على تفسير معاني المفردات، بقدر ما هي قائمة على طرح التساؤلات المعتمدة على كيفية تفهم هذه المفردات، واكتشاف مدى الانسجام فيما بينها، والتعرف على دلالاتها الرمزية، أو كما يقول د.عزالدين إسماعيل: «فالقوة في أي استخدام خاص للرمز لا تعتمد على الرمز نفسه بمقدار ما تعتمد على السياق «لأن السياق هو القالب الفني، وهو المحتوى والإناء الذي يحدد مدى صلاحية هذا الرمز في هذا المكان من عدمه، وعن طريقه نكتشف مدى تميز هذا الشاعر عمن سواه من الشعراء.
محمد مهاويش الظفيري
صفحة الواحة في ملف ( PDF )