إسطنبول وبورصة عاطف غزال
ربيع غائم تعيشه إسطنبول هذه الأيام.. غائم سياسياً مع اقتراب موعد التصويت على التعديلات الدستورية التي تشيع جوا من المنافسة تلحظها في شوارع وميادين ومناطق المدينة المترامية، عبر لافتات متفاوتة الأحجام بعضها يؤيد والبعض يعارض.
اسطنبول غائمة «طقسيا» مع استمرار الموجة الباردة، والأمطار الموسمية، التي لا تمنع الشمس أحيانا كثيرة من السطوع وانعكاسها على البوسفور فتحيله أزرق لامعا، زيارة الساعات الـ 96 كانت كافية لمعايشة ربيع إسطنبول البهيج والتجول في ساحاتها وزيارة معالمها وتشكيل انطباع حول المرحلة التي تمر بها.
زخات من المطر المنهمر كانت بانتظار «التركية» على أرض مطار أتاتورك تبدو الأجواء ملبدة بطقس شتوي متراجع رغم الاقتراب من الربيع، في الممرات المؤدية الى «كاونترات الجوازات» تداخلت الصفوف المسرعة لتتجمع في طابور طويل ملتوٍ أنسى من فيه الأجواء الباردة في الخارج.
لم يستمر الترقب طويلا، فقد عملت «الكاونترات» التي تزيد على الـ 20 في صباح اليوم بكامل همتها، ووجدنا أنفسنا بسرعة على أبواب المطار تحت زخات المطر ثانية.نعم.. هذه هي إسطنبول، دائما ما تستقبلك في خريفها وشتائها وربيعها ايضا بهذه الأجواء الرائعة، لكن كل شيء يعمل، المترو أعلى ناظريك والطريق المزدحم أمامك والباصات المتراصة تتحرك ببطء.
قادنا مرافقنا النشط سليمان إلى حيث سيارته المرسيدس الكبيرة لنبدأ رحلة الربيع في هذه المدينة الجميلة، سليمان الذي جاء الى اسطنبول من مدينة بأنطاكية قبل اكثر من ربع قرن خبير بكل شارع وزقاق ومنطقة في المدينة المزدحمة، على طريق البوسفور كانت الانطلاقة «الطريق أقل ازدحاما وبعيدا عن نقاط الاختناق المروري»، هكذا تحدث سليمان بلغة عربية واضحة يتقنها.
المطر لا يتوقف، وان كان اصبح أقل انهمارا، معالم المدينة القديمة في الجانب الأوروبي تأخذ الأبصار.. مساجد وقلاع وأسوار، وفي المقابل تدهشك روعة الشاطئ الآخر، قصور وفنادق وحدائق، وبينهما المضيق البوسفوري الذي تتحرك على مياهه قوارب وسفن وعبّارات في نشاط ملحوظ.
عبر احد الجسور الممتدة على البوسفور، عبرنا الى قلب إسطنبول الأوروبية وسط الزحام المتصاعد.. والصخب المتعالي وسليمان يخوض بالسيارة غمار هذا الزحام وصولا الى منطقة بشيكتاش، حيث احد اجمل فنادق العاصمة والواقع مباشرة على مضيق البوسفور وعلى استاد بشيكتاش ويطل على قصر دولما بهجه التاريخي والقريب جدا من ميدان تقسيم، ومراكز الترفيه والتسوق في المدينة.
يقول مدير التسويق اوزج كوليج ان الفندق يحتوي على 566 غرفة بـ 18 طابقا، وهو يعد إحدى الوجهات المفضلة لدى الخليجيين عموما نظرا لموقعه على المضيق وقربه من المعالم الأساسية في اسطنبول.
حفلة شواء
وفي أجواء ربيع اسطنبول، كانت تجربة الشواء على المائدة التي أهدانا اياها المبدع النشط حسين عارف كرك في المطعم الرائع «سفرة السلطان» الذي يحتل واجهة مميزة في شارع الوطن الرئيسي بالمدينة.
يوسف الشاب الفلسطيني الأصل أحيا مهنة آبائه وأجداده في تأسيس مطعم متميز، عبرّ يوسف عن ثقته بالنجاح، مشيدا بإقبال كبير لأبناء دول مجلس التعاون الخليجي والكويت خصوصا على زيارة اسطنبول والاستثمار فيها وتحدث عن طريقته الفريدة في الشواء على «المائدة»، حيث يمكن للزائر ان يقوم بنفسه بعملية شواء اللحوم المختلفة وهو على المائدة، وتعد تجربة جديدة في عالم الإطعام.
منطقة الفاتح
لا تزال شمس اسطنبول «غائبة».. ولا يزال مطر سمائها يهطل وان لم يكن بغزارة الصباح، ولم يمنع هذا من زحام ملحوظ في ساعات الظهيرة خصوصا في شوارع المنطقة القديمة، منطقة الفاتح التي تعد أقدم المناطق المأهولة سكانيا في اسطنبول منطقة تسحر الأعين بعبقها وعراقتها وشهودها على حضارات امتدت لآلاف السنين، الشوارع الضيقة.. والملتوية، والمرتفعة باطراد، والأزقة والحوانيت وحتى الأزياء، كلها تشعر الزائر بأنه يعود ألف سنة للوراء.
هناك في منطقة الفاتح، حيث احد اهم المولات التجارية «هبستوريا مول» وخط القطار الواصل بمطار اتاتورك ومركز المعارض ويمر امام احد اشهر الفنادق في المنطقة وهو فندق دوسو دوسي في موقع استراتيجي وغني بالمواصلات العامة والحركة، وبجوار اهم المعالم السياحية مسجد السلطان أحمد ومتحف ايا صوفيا ومتحف طوب كابي وجراند بازار والسوق المصري.
لا تهدأ المنطقة القديمة ولا تنام، مئات من الزوار يتجولون ما بين مسجد الفاتح ومتحف ايا صوفيا ومطاعم ومحلات، بينما يخترق «التورماي» الشوارع محدثا صوتا يضيف للزخم زخما آخر.
الفلكلور العثماني
على متن احدى السفن الراسية على شاطئ البوسفور يشتهر نشاط سياحي في اسطنبول، حيث تقام انشطة فلكلورية تحاكي التاريخ العثماني وقيامة ارطغرل وتأسيس الامبراطورية العثمانية على يد عثمان الأول، وأسرار القصور في تلك الفترة، في مشاهد تمثيلية بديعة وتحت اضواء البوسفور، ويحضرها ما يقرب من 1500 شخص.
لم ينته مساء إسطنبول بعد، فجولة في منطقة بشيكتاش على الاقدام تمتد الى ساعات الصباح الأولى كفيلة بتعريف الزائر على إحدى المناطق المزدحمة في اسطنبول، حيث يتجمع الشباب فتيانا وفتيات خصوصا في «الويك إند» ويتجولون بين المقاهي أو على شاطئ البوسفور.
الجلود والفر
وكان جديدا ان نطلع على إحدى اهم الصناعات في تركيا عموما، وهي صناعة الجلود والفرو.. مصنع ومعرض لبوينسيون يوفر للزائر فرصة التعرف على مراحل هذه الصناعة من بدايتها، حيث يتم استجلاب افضل المواد الخام من مزارع أميركا وأوروبا وروسيا وكندا ثم تصنع عبر تصاميم أصيلة ويتم إخضاعها للأعمال اللازمة.
ويتضمن الفرو المستجلب، فرو الثعالب والسمورو والحيوانات البرية وايضا الراكون وغيرها.
رحلة بحرية
وعلى مدى ساعتين في مضيق البوسفور كانت الرحلة الساحرة التي يطلع خلالها الزائر على معالم المدينة المهمة ويشاهد بنفسه الدلافين المتقافزة وسط السفن الضخمة التي تشكل قرية تجارية هائلة.
وتتضمن الجولة زيارة قصر البنت، وقصور السلاطين القدامى، اضافة الى «بيت مهند» الشهير، ولا تكتمل الجولة البحرية إلا بوجبة اسماك من المطاعم المنتشرة على الجسور التي تربط المنطقة القديمة بالجانب الآخر من إسطنبول... وأخيرا ظهرت شمس إسطنبول بعد طول غياب، وسطعت أنوارها مؤذنة بربيع زاخر في هذه المدينة العريقة.
إسطنبول الآسيوية
إسطنبول في جانبها الآسيوي قطعة من الجمال الحي، تنبض كل قطعة منها بالعبق، ويزيدها الشتاء والربيع جمالا وألقا، في فندق Suadiya المطل على البوسفور والمواجه لعدد من الجزر الجميلة، كان المشهد رائعا، اللون الأخضر يغطي المنطقة المحيطة بالفندق الذي يلاصق شارع بغداد احد اشهر شوارع المنطقة ويعج بالمولات الحديثة والمحال التجارية والمطاعم الشهيرة والماركات العالمية، الى جانب موقعه بالقرب من المعالم الرئيسية في الجانب الآسيوي قريب جدا من موقع «برج البنت»، او ما يطلق عليه الأتراك برج كيز كوليز، وقامت الحكومة التركية بتحويل البرج الى مطعم يرتاده الزوار ويتمتعون بأجمل المشاهد.
ومن المعالم الجميلة في إسطنبول الآسيوية محطة حيدر باشا للسكك الحديدية، لكن أجملها على الإطلاق مسجد السلطان أيوب والواقع بالقرب من منطقة القرن الذهبي ويحتوي على ضريح الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري.
وعودة إلى شارع بغداد أحد أهم شوارع إسطنبول وأعرقها على الإطلاق، والذي يمتد على مسافة 6 كيلومترات وتنتشر على جوانبه السواقي والمساجد التي يعود تاريخها الى العصر العثماني.
والى جانب هذا المعلم المهم قادنا الرفيق سليمان الى قصر بيربي وزرنا تل العرائس.
بورصة.. الشتوية
يتأخر الربيع عادة في بورصة.. والسبب جبل اولدغ، ذلك المرتفع الهائل الذي تشتهر به بورصة ويعد قبلة الزائرين في كل فصول السنة خصوصا الشتاء والربيع.
الوصول الى بورصة اصبح ميسرا وبعدة طرق، لكن اجملها واقربها للمتعة الرحلة في العبارة.
بعد ساعة تقريبا من السير في الطريق السريع بين اسطنبول وبورصة، دخلنا الى مدينة يالوا، وهي مدينة صغيرة يحيطها البحر وتعد وجهة سياحية مفضلة للخليجيين والكويتيين خصوصا، والتجوال في المدينة التي يصل عدد سكانها الى 15 الفا يرتفع في الصيف الى 500 الف تقريبا، جالب للمتعة والسعادة خصوصا ان المزارع والجبال الخضراء تحيط بها من الجوانب الثلاثة والبحر من الجانب الرابع.
رحلة العبارة سهلة وميسرة، وعلى مدار الساعة تصل العبارات والبواخر والمجهزة لتبحر بك وسيارتك نحو 40 دقيقة في اجواء بديعة، كان المطر يتساقط على استحياء ونحن نطالع طيور السمان التي تتكاثر طلبا للطعام.. والاسماك ايضا.
لا تمل العيون وهي تطالع السيمفونية الطبيعية من جبال شاهقة يعلوها الثلج ويغطيها اللون الاخضر.
وبعد نحو ساعة اخرى، وصلنا الى بورصة الشبيهة بالريف، اخترقنا المدينة في اتجاه جبل اولغ، تلك القمة الساحرة، والتي ترتفع نحو 2543 مترا فوق سطح الارض، ما يجعلها إطلالة بديعة على المدينة.
كان مخططا ان نستقل التلفريك، لكن، ولشدة الامطار، تعذر علينا الوصول للمحطة، فكان القرار صعود الجبل بالسيارة، وهو مغامرة بكل معنى الكلمة، اذ سيستغرق الصعود نحو الساعتين في طريق ملتو بين منحنيات الجبل الشاهق، وان كانت المحطات العديدة على جانبه تيسر المهمة الى حد كبير.
بعد نحو نصف ساعة اكتسى الجبل كله بالثلج، اشجاره، طرقه ومنحنياته، واصبحنا نغوص في اللون الابيض، وشيئا فشيئا اصبحت درجة الحرارة 8 تحت الصفر، وكانت مغامرة.
في اعلي قمة الجبل كان مقصدنا فندق كارينا المجهز بكل مستلزمات الأسرة في هذه الاجواء الغريبة، ويتبع الفندق عدد من الفلل الخشبية وسط الثلوج والأشجار في أجواء مثيرة.
أطفال يتزحلقون، وكبار يتزلجون، ودراجات نارية تقطع الطرق جيئة وذهابا، الى ان اطبق الليل سدوله، فسكن كل شيء الا من أصوات بعيدة لذئاب في قلب الجبل.
رحلة العودة صباحا كانت أقل إثارة، لكن الثلوج مازالت تصبغ كل شيء حولنا، وكان لابد من استقلال التلفريك، حيث استقبلنا مدير المحطة وشرح لنا آلية العمل في هذا المرفق الذي يقصده الآن السياح يوميا في الصيف، واكد ان الرحلة الى الجبل عبر محطتين ذهابا 40 دقيقة ومثلها إيابا، الى جانب عدد من المحال والاسواق في المحطتين.
بورصة في الشتاء، والربيع آية في الجمال والمتعة، لكن زيارتها تحتاج الى اكثر من يوم أو يومين.