- الجاحظ ذائع الذكر بين المهتمين بالتاريخ والأدب ولا يزال حجة في هذا الباب
- ابن الجوزي أبدع في التأليف المتنوع بين علوم المعرفة والتسلية والظرافة
- كتاب «الظراف والمتماجنين» احتوى أحاديث مستطابة من سير الفضلاء وغيرهم
- ثلاثة أبيات للنابغة الذبياني قدمت صورة مذهلة لحالة فقد رجل مهم معروف بالجود والشجاعة
- الخال داود الجراح صاحب القصائد الجادة له مقطوعات يغلب عليها الظرف بعيداً عن المنغصات
- الخال إبراهيم الجراح له شعر طريف يجسد فيه رحلة قام بها إلى حولي أيام كانت قرية للتنزه
&cropxunits=354&cropyunits=450)
&cropxunits=450&cropyunits=321)
&cropxunits=275&cropyunits=450)
&cropxunits=352&cropyunits=450)
هذا نوع من أنواع الكتابة التي تميز بها بعض أدباء العرب القدماء، وهو نوع يجمع بين الجد والهزل، والعلم والطرافة، يحرص كاتبه على أن يجعله قريبا إلى العقول والقلوب معا. ولقد تميز بمثل هذا النوع عدد من الأدباء والعلماء الذين تركوا لنا تراثا ممتعا ونافعا يتمثل في المؤلفات ذات النمط المفيد والمؤنس في الوقت نفسه.
لقد ألّف هؤلاء كتبا ضمت وصف أحداث متنوعة بعضها جاد يذكر فيه المؤلف أحداثا مرت يجدر بنا أن نعرفها، وأحداثا نستمتع بالقراءة عما ورد عنها في هذه الكتب: ولقد قرأنا لهم ما يتميز بالطرفة، ويثير الإعجاب، بالقدر الذي يضيف إلى معلوماتنا أمورا نحن في حاجة إلى معرفتها.
هذا، وإن ما تم تأليفه في هذا المجال كثير حيث يصعب الإلمام به، ولكننا لابد أن نشير هنا إلى شيء من ذلك بصورة موجزة تفي بالغرض. على أنه مما تنبغي الإشارة إليه فيما يتصل بالقديم من هذه الكتب كتاب مهم في بابه هو كتاب «البخلاء»، الذي ألفه عمرو بن بحر الجاحظ، وهو من أوائل المهتمين بهذا الفن من فنون الكتابة، وقد ذاع ذكره بين المهتمين بالتاريخ والأدب ولا يزال مذكورا، يتداول قراءته كثير من الناس.
تحدث الجاحظ في كتابه هذا عن البخلاء فأورد كثيرا من أخبارهم مستفيضا في الحديث عن حالات كثيرة من حالاتهم ذاكرا ما ورد في ذلك من النوادر والأشعار، وما جرى لكثير من أبناء هذه الفئة من الناس من أحداث.
ولقد فتح الجاحظ بذلك بابا لعدد كبير من أبناء عصره أو ممن لحق بهم، فألفوا في هذا الفن من فنون الكتابة كتبا لاتزال تقرأ بعد أن حققها بعض المحققين الذين أخذوا على عواتقهم الاهتمام بالتراث العربي بكل أنواعه، ومن هذه الكتب:
1 ـ زهر الآداب وثمر الألباب لإبراهيم بن علي القيرواني.
2 ـ جمع الجواهر في الملح والنوادر للقيرواني أيضا.
3 ـ الأمالي لأبي علي القالي.
4 ـ التمثيل والمحاضرة للثعالبي.
5 ـ خاص الخالص للثعالبي، أيضا.
6 ـ العقد الفريد لابن عبد ربه.
7 ـ المستظراف للأبهيشي.
وغيرها كثير بحيث يصعب حصره.
٭ ٭ ٭
وأسهم في هذا المجال المهم عالم موسوعي له شهرة ذائعة ومؤلفات متنوعة مفيدة هو أبو الفرج جمال الدين عبدالرحمن بن الجوزي، الذي قيل إنه من مواليد سنة 516هـ (1125م)، وهو رجل غزير العلم في عدة اتجاهات، أنجز مؤلفات كثيرة في موضوعات مختلفة وله اهتمام بالتدريس، فقد كانت له مجالس يحضرها طلاب العلم لكي يستمعوا إليه وهو يحدثهم في جميع الموضوعات التي يجيدها ويرغبون في نقلها عنه.
ونذكر من مؤلفاته التي تتصف بالتنوع في الموضوعات وتحتوي على فنون من المعرفة والتسلية معا:
٭ كتاب الحمقى والمغفلين.
٭ كتاب أخبار النساء.
٭ كتاب الأذكياء.
٭ كتاب صيد الخاطر.
وألّف إضافة إلى ما تقدم ذكره كتبا أخرى نجد منها كتابا ممتعا جعل عنوانه «الظراف والمتماجنين» وعلى الرغم مما يوحي به عنوان هذا الكتاب فإن المؤلف لم يخرج - نهائيا - عن نطاق الدراسات الجادة. فقد ألف في تفسير القرآن الكريم، وعلوم القرآن، والحديث وعلومه، والوعظ والأخلاق، والتاريخ والتراجم والفقه وعلم الكلام، واللغة والشعر والأدب.
وقد بلغ عدد مؤلفاته مبلغا من الكثرة، حيث صار العلماء يجدون أن من الصعوبة بمكان أن تحصى، علما بأنه عاش تسعين سنة أمضاها في طلب العلم والتدريس والتأليف.
٭ ٭ ٭
بدأ ابن الجوزي كتابه المشار إليه أخيرا وهو كتاب «الظراف والمتماجنين» بمقدمة، ألحق بها فصلا بعنوان: معنى الظرف والمجون، حتى يبين لقارئه غرضه من تأليف هذا الكتاب.
ثم قسم فحوى الكتاب إلى أقسام، كان القسم الأول منها عما روي عن الأنبياء، عليهم السلام، وكان الثاني فيما روي عن الصحابة، رضى الله عنهم، أما القسم الثالث، فكان يحتوي على ما روي عن العلماء، ويليه القسم الرابع الذي يشتمل على ما روي عن العرب الأوائل، وكان القسم الخامس خاصا بما يروى عن العوام من الناس.
وجعل كل هذه الأقسام بابا واحدا أطلق عليه اسم: الباب الأول وهو الذي ذكر فيه ما روي عن الرجال، وجاء بعده الباب الثاني الذي يحتوي على ما ذكر عن النساء. أما الباب الثالث فكان خاصا بما ذُكر عن الصبيان.
ومما تقدم يتبين لنا المحور الذي يدور حوله هذا الكتاب، فهو يضم أحاديث مستطابة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعض ما حدث في أثناء وجوده بين الرعيل الأول من المسلمين وكان مما جاء في هذا الشأن ما رواه المؤلف عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال:
«قال رجل: يا رسول الله، إن لي جارا يؤذيني. فقال: انطلق فأخرج متاعك إلى الطريق، فانطلق (الرجل) فأخرج متاعه، فاجتمع الناس عليه، فقالوا: ما شأنك؟ فقال: لي جار يؤذيني، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: انطلق فأخرج متاعك إلى الطريق. فجعلوا يقولون: اللهم العنه، اللهم أخزه. فبلغه (ذلك) فأتاه فقال: ارجع إلى منزلك، فوالله لا أؤذيك».
وروى ابن الجوزي من جانب آخر حكاية خلاصتها أن سيدنا عمر بن الخطاب جعل المغيرة بن شعبة أميرا على البحرين، فكرهوه، فعزله عنهم، فخافوا أن يرده. فقال دهقانهم (زعيمهم) اجمعوا مائة ألف درهم حتى أذهب بها إلى عمر، وأقول له إن المغيرة اختان هذا (أي خان بأخذ هذا المال مما هو تحت يديه) ودفعه إلي، فدعا عمر المغيرة، فقال: ما يقول هذا؟ فقال: كذب، إنما كانت مائتي ألف، قال: فما حملك على ذلك؟ قال: العيال والحاجة. فقال عمر للمدعي: ما تقول؟ قال: والله لأصدقنك، والله ما دفع إلي قليلا ولا كثيرا، فقال عمر للمغيرة: ما أردت إلى هذا؟ قال: الخبيث كذب علي، فأحببت أن أخزيه.
ومضى مؤلف الكتاب في ضرب الأمثلة لكل ما أوجزنا ذكره من أبواب وأقسام كتابه، مقدما طرائف ونوادر كثيرة صدرت عن أولئك الذين نقل عنهم ما نقل.
ولا ينتهي القول عند هذا الحد، فهناك أمور أخرى يراها المؤلف لافتة للنظر من ناحيتي المضمون وسياق الحديث، ذلك أن من الملاحظ في بعض ما أورده من مختارات ـ وكلها من النوع الطريف الدال على سلوك بعض الأشخاص في مجتمعات مترادفة زمنيا ـ إضافة إلى طرافتها أنها تحتوي في بعض جوانبها على بعض ألفاظ اللهجة الكويتية. ولعل من المستحسن أن نقدم هنا نماذج لبعض ما ورد من ذلك:
1 ـ ما روي عن أبي بكر بن عياش الأسدي المتوفى سنة 808، وهو محدث مشهود له بالصدق والصلاح، يقول: «كنا نجيء إلى الأعمش وهو سليمان بن مهران المتوفى سنة 765، وكان يخرج إلينا شيئا نأكله عنده، فأخرج إلينا يوما طعاما فأكلناه، وانتظرنا، فأحضر غيره إلى أن أكمل ثلاثة أنواع، ونحن نشعره بأننا لم نشبع بعد، فدخل منزله ثم أحضر إناء مما يوضع به علف الماشية وشيئا من القت. وقال: فعل الله بكم وفعل، أكلتم قوتي وقوت امرأتي. وهذا علف الشاة.. كلوا».
ولفظ القت المذكور فيما تقدم هو ما نطلق عليه في لهجتنا: الجت، بالجيم بدلا من القاف، وهو ـ أيضا ـ البرسيم في اللغة.
2 ـ وروى ابن الجوزي عن الربيع بن نافع، وهو من كبار العلماء، أنه قال «كنا نجلس إلى الأعمش، فنقول: في السماء غيم، يعني: ههنا من نكره. وقوله: في السما غيم دارج في اللهجة الكويتية بصفته مثلا من الأمثال المعروفة عندنا.
3 ـ وروي ـ أيضا ـ عن أحدهم قوله: «دخلت حماما، وخرجت وقد سرق مداسي».
والمداس بلفظه هذا يدل على ما يلبس في القدم، وهو معروف في اللهجة قديما. ولكنه يطلق عندنا على نوع خاص مما تلبسه النساء، وهو من نوع النعال.
4 ـ وذكر حكاية رواها أحد الأشخاص عن شخص ادعى أنه طبيب قادر على شفاء جميع الأمراض وقد اجتمع الناس حوله من أجل أن يسخروا منه، ولكنه رد عليهم - آخر الأمر - ردا أفحمهم وأخزاهم. يقول راوي الحكاية:
«فارتفع ضحك العامة الذين أحاطوا بنا لسماع ما يجري بيننا وبين هذا المدعي. وانقلب الطنز الذي أردناه به فصار طنزا علينا، فهربنا من المكان».
ولفظ تطنز في اللهجة معناها: سخر، ولفظ: اطنازه معناها: سخرية.
5 ـ كان أبو علقمة النحوي يتقعر في كلامه حتى وهو يتحدث إلى أبسط الناس وأبعدهم عن طريقته في الحديث. وقف ـ يوما ـ على قصاب وقد أخرج بطنين سمينين، فعلقهما، فقال له: بكم البطنان؟ فرد عليه: بمصفعان. يقول ابو علقمة؟ فغطيت رأسي، ومررت حتى لا يسمع الناس فيضحكوا مني.
ولفظ: قصاب، هو اللفظ الدارج في لهجتنا لمن يمتهن تقطيع اللحم وبيعه.
6 ـ ومن رواياته: ادعى رجل أنه صار نبيا، وأن اسمه هو: نوح، فصلبه الحاكم على خشبة طويلة تم إعدادها لمثل هذه الحالة، ولما كان نبي الله سيدنا نوح مشهوراً بسفينته التي أمره الله تعالى بصنعها والانتقال بها عبر مياه الطوفان كما هو وارد في القرآن الكريم، فقد مر أحد الناس بتلك الخشبة ورأى المصلوب عليها. فقال: يا نوح! ما حصلت من سفينتك إلا على الدقل.
والدقل كما هو معروف لدينا هو صاري السفينة الذي يشد عليه شراعها، وهو عمود طويل موضعه في وسطها.
7 ـ ومن ذلك أن رجلا بات عند آخر، وقد أسكنه صاحبه الدار ونام، وفي الليل استيقظ الرجل على صوت ضحك ضيفه الذي لم يكن في الدار بل كان في الغرفة في أعلى البيت. فصاح به: يا فلان! قال: نعم. قال كنت نائما في الدار، فما الذي رقاك إلى الغرفة؟ قال: قد تدحرجت قال: الناس يتدحرجون من فوق إلى أسفل، فكيف تدحرجت أنت إلى فوق؟ قال من هذه أضحك.
وهذه النادرة تدل على صحة استعمال لهجتنا للفظي الدار والغرفة.
٭ ٭ ٭
والنوادر في الشعر العربي كثيرة ومتنوعة، نرى منها على سبيل المثال ثلاثة أبيات قالها شاعر جاهلي مرموق هو النابغة الذبياني، يرثي بها أحد رجال العرب البارزين في عصره وهو حصين بن حذيفة الفزاري، فيقول في هذه الأبيات الثلاثة ما يغني عن قصيدة كاملة متعددة الأغراض والتشبيهات وهي:
يقولون: حصن، ثم تأبي نفوسهم
وكيف بحصن والجبال جنوح
ولم تلفظ الأرض القبور ولم تزل
نجوم السماء، والأديم صحيح
فعما قليل، ثم جاش نعيه
فبات ندى القوم وهو ينوح
ينادي القوم قائلين: حصن. ثم تأبى نفوسهم أن تنطق بما حدث له. فقد مات الرجل الكبير المعروف بجوده وبشجاعته، لأن الأمر الذي بدا لهم كان أمرا مهولا أفزعهم. وأراهم العجب ـ فيما خطر ببالهم ـ وتساءلوا: كيف تحل المنية به ونحن نرى الجبال على حالتها لم تتغير، والأرض ممسكة بأهل القبور لم تلفظهم من قعرها، ونجوم السماء لاتزال لامعة، وأديم الأرض سليم لم يتصدع؟
يقول النابغة: ولكن هذا الأمر لم يلبث أن انتشر خبره في الآفاق حين انتشر نعي الفقيد بين الناس، وصار منتدى القوم ضاجّاً بالرجال الذين كانوا ينوحون أسفا على فراقه، وتذكرا لمآثره.
إنها ثلاثة أبيات لا غير، ولكنها قدمت صورة مذهلة لحالة فقد رجل مهم. وبَيَّنت لكل من يستمع إليها مقدرة الشاعر الجاهلي الذي قدم بها نموذجا رائعا لشعره وشعر معاصريه.
وجاءنا في العصر الإسلامي شعر جميل مماثل لهذا الذي ذكرناه وهو في موضوع الرثاء أيضا، وهذا الذي نشير إليه هو ما قال الشاعر عروة بن أذينة في رثاء أخيه، فإن له بضعة أبيات صار لها ذكر ذائع عند رواة الشعر العربي والمهتمين به.
وكان عروة شاعرا مشهورا في زمنه، وكانت له نفس أبية تمنعه من تقبل المذلة، وله ديوان مطبوع، وكانت وفاته في سنة 130هـ (747م). والأبيات التي نود أن نعرضها هنا هي قوله:
سرى همي وهم المرء يسري
وغاب النجم إلا قَيْدَ فتر
أراقب في المجرة كل نجم
تعرض للمجرة كيف يسري
لهم لا أزال له مديما
كأن القلب أشعر حر جمر
على بكر أخي ولي حميدا
وأي العيش يصفو بعد بكر
وهذا الشاعر الباكي هنا هو الذي يقول في الغزل:
قالت - وابثثتها وجدي - فبحت به
قد كنت عندي تحب الستر فاستتر
ألست تبصر من حولي؟ فقلت لها
غطى هواك وما ألقى على بصري
ومع هذا الغزل فقد كان معروفا عنه أنه حريص على التمسك بدينه زاهدا في أمر الدنيا. وله في هذا الشأن حكاية رواها الأصفهاني في كتابه الأغاني فقال: «أتي وجماعة من الشعراء (الخليفة) هشام بن عبد الملك، فنسبهم (أي سألهم عن أنسابهم) فلما عرف عروة قال له: أنت القائل:
لقد علمتُ وما الإسراف من خُلُقي
أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
اسعى له فُيُعنِّيني تَطَلُّبُهُ
ولو جلست اتاني لا يُعنيِني
فقال له ابن أذينة: «نعم أنا قائلها، قال: أفلا قعدت في بيتك حتى يأتيك رزقك؟ وغفل عنه هشام فخرج من وقته وركب راحلته ومضى منصرفا، ثم افتقده هشام فعرف خبره، فأتبعه بجائزة وقال للرسول: قل له: أردت أن تكذبنا وتصدق نفسك، فمضى الرسول فلحقه وقد نزل على ماء يتغدى عليه، فأبلغه رسالته ودفع إليه الجائزة، فقال: قل له: قد صدقني ربي وكذبك».
٭ ٭ ٭
وفي الكويت شعراء يقولون الشعر الجاد عندما يريدون أن يعبروا عن أنفسهم تجاه حدث يمر بهم أو بوطنهم، ويقولون في ساعة الخلود إلى الراحة، أو عند مخالطة الأصفياء من أصدقائهم شعرا له اتجاه آخر يكون من النوع الظريف الذي يلقونه في مجالسهم الحميمة فيسر به السامعون.
من هؤلاء الخال المرحوم داود سليمان الجراح، وهو شاعر له قصائد جادة تمثل الحقبة التي عاش فيها. وله مقطوعات من الشعر الذى يغلب عليه الظرف إذا أراد أن يبتعد عن منغصات الحياة، وأراد أن يشعل حماس المخالطين له في المجلس الذي يغشاه.
يتحدث الخال في ثلاثة أبيات إلى أصحاب له يسكنون حي المرقاب، فيقول لهم إنه قد آثر أن يأتي إليهم زائرا حريصا على عدم الانقطاع عنهم على الرغم من أن الظرف المناخي لم يكن ملائما ولا مواتيا لذلك، فقد كانت السماء تمطر بغزارة شديدة، وكانت الأرض قد امتلأت بالوحول مما كان له أثر سيئ عليه عند سيره آنذاك، ومن آثار ذلك تقطع نعاله أثناء ذلك، ويقول: إنه على الرغم مما حدث فإن تقطيع النعال لم يكن عائقا عن الوصول إليهم، ولا مانعا لزيارته لهم، وبخاصة أنه يعلم أن من حاضري مجلسهم رجل (نعال) يصلح النعال إذا فسدت، وفي هذا يقول:
يا جيرة كان في المرقاب منزلهم
وقد دعونا، وسحب المزن هطال
لم يثننا الوصل يوما عن زيارتهم
ولو تراكم فوق الوحل أوحال
وإن تقطع نعل في المسير لهم
فعندهم لدواء النعل (نعال)
ولما كان هذا الشاعر من هواة صيد السمك، وله أصدقاء يشاركونه في هذه الهواية، ويخرجون معه إلى ساحل البحر في منطقة الوطية المعروفة في القبلة، فإنه أبى إلا أن يذكر رحلة من رحلاته إلى هناك، يصف زملاءه فيها ويذكر اهتمامه بهوايته هذه، ويرد على أولئك الذين قد يلومونه بسبب كثرة خروجه إلى صيد السمك.
وكان قد قال قصيدة في هذا الشأن تتكون من ثلاثة عشر بيتا نختار من بينها ما يلي:
يا صاح سل فتية بالرمل قد باتوا
أهاجهم من طيور الأيك أصوات؟
لو كابدوا الشوق مثلي في الغرام لما
ذاقوا المنام، فإن القوم أموات
ويقول:
إني امرؤ كلف مشتاق ذو شغف
إلى الحداق، فما قولي خرافات
أشتاق للصخرة الصما ووطيتها
ياليت كل صخور البحر وطيات
إلى أن يختم قصيدته بقوله:
فيا عذولي كفا عن ملامكما
لا تعذلاني فإن العذل مقات
إن تعذلاني في حب الحداق أقل
ما في الحداق لدى العذال حاجات
فيا نديمي (كدي) قم فغن لنا
يا صاح كم فتية بالرمل قد باتوا
رحم الله الخال داود سليمان الجراح، فقد كان له شعر كثير في موضوعات متنوعة، ولكننا لم نحصل من ذلك الشعر إلا على القليل الذي يجده من يبحث عنه في كتابنا: «داود سليمان الجراح، حياته وشعره».
هذا وكان شقيقه الخال إبراهيم سليمان الجراح شاعرا له شعر متنوع الأغراض، ومن أغراضه ما ينحو به نحو الطرافة، وهذا مثال لشعره نجده في قصيدة قالها بمناسبة رحلة قام بها إلى حولي، حينما كانت هذه المنطقة قرية يسعى إلى النزهة فيها بعض أهل الكويت، وقد تمت رحلته في اليوم الثامن عشر من شهر أبريل لسنة 1947. يقول:
ياليلة بحولي بتها، عودي
بوركت يا ليل إذ حققت موعودي
فكم لمثلك عندي من يد سلفت
لم يوفها حقها بالشكر مجهودي
قد نمت فيك قرير العين لا ملل
ألم بي لا ولم أشعر بتسهيد
إذ لا سبيل لبرغوث علي وما
كان الذباب ليؤذيني بتغريد
كلا ولا البق ما امتدت مراشفها
إلى دمي أو أهاجتني بتهديد
ولا الغطيط الذي حولي يؤرقني
ولم تثر فزعي أحلام (محمود)
لم أنس قول أخ مازال يوسعنا
بلطفه ويبذل الفضل والجود
بيتوا على الخير، قد بتنا كذلك في
أمن وفي دعة من غير تنكيد
وشعر الخال إبراهيم شأنه شأن شعر أخيه لم يبق بين أيدينا منه إلا القليل، وقد أعانني الله عز وجل على جمع ما استطعت جمعه، ووضعته في كتابي: «إبراهيم سليمان الجراح، حياته وشعره».
كان لابد من تقديم هذا العرض الذي يظهر جانبا من جوانب الحياة الأدبية. وهذا الجانب، وهو جانب الطرافة.
٭ ٭ ٭
من الناس من يهوى قراءة الشعر الطريف وحفظه، بقدر ماله من شعراء يقولونه في ساعات صفائهم، وليس في ذلك أي مساس بمستوى الشاعر بدليل اهتمام كبار العلماء في الماضي بجمع هذا النوع من الشعر، وادراجه ضمن كتب لهم ومن هذا كتاب «الظراف والمتماجنين» وهو من تأليف جمال الدين عبدالرحمن الجوزي الذي بدأنا حديثا عن كتابه هذا وقدمنا نماذج لما ورد فيه.