كثرت الإصدارات المطبوعة والمقروءة والمسموعة في هذا الزمن لدرجة أن العمر لو يفنى في المطالعة، والوقت لو ينقضي في المراجعة، والزمن لو امتد بك دهورا في المتابعة لن تنتهي من جزء يسير من الموجود حولك، فكيف بالموجود حول العالم؟!
***
يبحث القارئ النهم عما يشبع نهمه المعرفي بالبحث عن كاتب ضليع بفنون الأدب، مطلع على بحور العلم، لديه من المعرفة الشيء الكثير لكي يطفئ نار الرغبة لديه، ولكي يشبع جوعه المعرفي، ولكي يروي ظمأه الثقافي، فيبحث عن عنوان بين الكتب الكثيرة، وعن اسم كاتب بين الكتاب العديدين فيختلط عليه الحابل بالنابل والغث بالسمين والجيد بالرديء، فيقف حائرا بين تتمة ما قرأ وبين سؤال من قرأ لمن قرأ، أو بالبحث الذاتي لكاتب هو موجود ولكن يحتاج منك الى إجهاد فكر وإعمال عقل وطول نظر لإيجاده.
***
إصدار كتاب في زمن أصبح الكاتب موجودا، والمكتوب حسب الطلب، أمر ليس بعسير، زمن أصبح فيه التنافس في الإخراج لا المونتاج، زمن أصبح الكاتب لا يدري لم كتب والمكتوب لا يدري لمن كتب، زمن أصبح فيه الرخيص غاليا ويوضع بالأرفف الأمامية والغالي رخيصا ويباع على الأرصفة البنية، لا يزال البحث جاريا عن كاتب حذق متميز حصيف أريب فطن يقدم المفيد النافع على الضار المسيء.
مهنة الكتابة لا تختلف عن غيرها من المهن بل هي أصعب وأقسى، فالكاتب يفني عمره بالبحث والمطالعة، ويتعب جسده بالجمع والمناظرة، الكاتب لا يتوقف عن إعمال الفكر في صياغة الكلمات والعبارات حتى في أوقات فراغه، فالفراغ في قاموسه وقت عمل وإنتاج، مهنة الكاتب لا تقاعد معها فهي معك في حلك وترحالك، وفي إقامتك وسفرك، وفي نومك ويقظتك، فكم فكرة أيقظت كاتبا من نومه، وكم من معلومة مفقودة أجهدت كاتبا في وقت سكونه، وكم من جملة ممنوعة كتبت أدخلت صاحبها السجن فأودع في ظلمته!.
المهن الشاقة في العالم يعطى من يمتهنها راتبا زائدا ترغيبا فيها، حيث الخطر المحدق مقرون بها، لذلك تجد بعضهم يخاطر بحياته ويدخلها رغبة في زيادة مدخوله، لا رغبة في الوظيفة، أما ممارسة الكتابة فلا خير يرجى منها بالغالب، فالكاتب المتميز يولد فقيرا ويعيش فقيرا ويموت في الغالب معدما.
لا أعلم لم بدأت بكتابة هذا المقال، ولا أعرف كيف أنهيه، فالحديث عن الكتابة والكتب أشبه بحاجتي للماء والهواء، فالماء ينعشني والهواء يبقيني.
حديث ذو شجون أخرجته من عقلي وفكري ليكون على ورقة بيضاء ناصعة نقية لعله أن يصل الى عقلك وقلبك فيكون المراد قد تحقق والفكرة قد وصلت والمأمول قد نيل.
[email protected]