أرسل إليَّ أحد الأصدقاء مشكورا قصة رائعة عبر الواتساب عن بائعة اللحوح، وبمناسبة العام الدراسي الجديد 2025/2026م. أحببتُ أن أشارك زملاء المهنة في التعليم فرحتهم ببدء الدوام بمشيئة الله تعالى يوم الأحد 7/9/2025م.
وأُقدم لهم هذه القصة المفيدة ففيها العبرة والعظة لمن جعل التعليم رسالة وليس مهنة فقط، وإليكم القصة:
يقول المعلم فاروق الظرافي: قبل 38 عاما كنت أدرس مادة اللغة الانجليزية في احدى مدارس صنعاء في اليمن.. لفت انتباهي في الصف طالب ذكي جدا، لكنه يغيب عن المدرسة كثيرا، سألت الطلبة عن سبب غيابه، فأخبرني أحدهم وهو جاره، ان والدة الطالب تبيع «اللحوح» نوع من الخبز على الرصيف، وأن زملاءه في الصف والمدرسة يعايرونه بذلك، وأحيانا لا يملك أجرة المواصلات.
طلبت من جاره أن يدلني على مكان والدته، تقربت من الطالب حتى شعر بالأمان، ثم اصطحبته بسيارتي القديمة، ذهبنا معا ووقفنا قرب والدته في الشارع، تظاهرت بأني لا أعرفها، نزلت واشتريت لحوحا منها، وتجاذبت معها أطراف الحديث، سألتها عن زوجها فقالت انه توفي، وعن ابنائها قالت: ابنتان وولد يدرس في الصف الأول الثانوي، لكنه دائم الغياب عن المدرسة بسبب معايرة زملائه له في المدرسة، قلت لها: أنا أستاذه وهو معي في السيارة عازمه اليوم على الغداء، وطلبت منها أن تتصرف كأنها لا تعرفه ولا تعلم بوجوده.
ركبت سيارتي والولد يراقبنا من الداخل فسألني: تعرف هذه المرأة؟ قلت: له لا لكنها ذكرتني بأمي الله يرحمها.. أمي كانت تبيع الخبز علشان تصرف علينا، وصرنا مدرسين ومهندسين، هؤلاء الأمهات العظيمات ما في مثلهن.
بدأ وجهه يتغير ثم قال لي: هذه أمي.. قلت له: مش معقول! ليش ما نزلت تسلم عليها؟ قال: أستحيي من الناس يعايرونني.
قلت له: لماذا تستحيي؟! أمك تشتغل بشرف لتصرف عليكم. نزل من السيارة وركض نحوها وضمها إلى صدره وبكى وقال لها: هذا أستاذي عازمني اليوم على الغداء، وفعلا تغدينا، وكان يوما لا يُنسى.
في اليوم التالي دخلت الفصل وبعد السلام، بدأت أحكي للطلاب قصة أمي التي كانت تبيع خبزا لتعيلنا، فرفع الطالب إصبعه وقال: أنا مثل أستاذي أمي تبيع «لحوح» عشان تصرف علينا، قلت له:
بعد الحصة نذهب أنا وأنت وبقية الطلبة إلى أمك نُقبل رأسها، وفعلا ذهبنا وقمنا بذلك أكثر من مرة، وفي أحد الأيام قرر الطلاب شراء هدية وقدموها لها.
مرت السنوات، وواصلت التدريس ونسيت القصة، لكن بعد 30 عاما طلب مني أحد رجال الأعمال أن أرافقه في رحلة علاج إلى لندن، وضمن الفحوصات نصحني أحد اليمنيين هناك بالتسجيل لدى طبيب يمني ممتاز يعمل في مستشفى لندن الجامعي.
سجلنا وانتظرنا دورنا، حتى دخلنا عليه، وفوجئت به يقوم من مكتبه يحتضنني ويقبل رأسي ويقول: «أنت أستاذ فاروق ما تغيرتش»! أنت يا أستاذ من غير حياتي!
وإذ بي أستعيد كل الذكريات، هذا الطالب الذي كان يخجل من أمه بائعة للحوح، أصبح اليوم طبيبا استشاريا في القلب في أشهر مستشفيات لندن، ويحمل الجنسية البريطانية ومتزوج ووالدته تعيش معه في سعادة وهناء بعد الشقاء. رجل الأعمال الذي كنت أرافقه مازال حتى اليوم يذكر القصة أينما جلس.
٭ العبرة: العمل وإن كان بسيطا، فإنه لا يقلل من قيمة الشخص ما دام يأكل من عرق جبينه وبشرف.
٭ المعلم صاحب رسالة عظيمة ودوره لا يقتصر على التعليم، إنما التعليم جزء من التربية، والمعلم يجب أن يكون مربيا ومخلصا وأمينا وقدوة صالحة لطلابه.
٭ الأرزاق بيد الله سبحانه وتعالى، (وفي السماء رزقكم وما توعدون) «الذاريات:22».