واستقبلنا شهر رمضان المبارك فرحين بقدومه سعداء بالنظر إلى هلاله، ولا عجب في ذلك فهو شهر العبادة، وهو شهر اللقاءات الأسرية والإنسانية بشكل عام، إذ إن من المعروف أن لهذا الشهر الكريم وقعا في نفوس المسلمين كلهم وأن العالم الإسلامي كله يترقب هذا الشهر لكي يؤدي ما أمرنا الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم بصيامه وقيامه، وهو في الوقت نفسه من أسباب تقوية الصلات بين أبناء الأمة الإسلامية، ففيه يكثر التزاور، ويكثر اللقاء في دور العبادة ولاسيما في أوقات صلاة التراويح، وصلاة قيام الليل.
حتى إذا هلّ هلال شوال، وقدم إلينا عيد الفطر استقبلناه ـ أيضا ـ بفرح وانشراح، وتبادل الناس فيه التحيات والتبريكات فصار ـ أيضا ـ من أسباب تقوية أواصر المحبة بين المسلمين جميعا وسببا من أسباب دوام الألفة بينهم، فكأن الله عز شأنه قد أراد أن يجعل مناسبة الصيام في رمضان والعيد لكي تبقى المودة بين أبناء أمة الإسلام، وبقاؤها سبب من أسباب القوة لهذه الأمة بحيث تختفي الفوارق، فيعيشون في وئام، وتسد الثغرات أمام أعدائهم، فلا يستطيع أن يتسللها من يريد أن يضربهم ويدينهم، وهذا أمر يدلنا على فضل هذا الشهر المبارك.
وفي رمضان نتذكر كثيرا من الأحداث المهمة التي جرت خلاله منذ أنزل الله عز وجل الوحي على رسوله، وأمره بإعلان الدعوة إلى الإسلام، ومن المظاهر الدالة على مكانة هذا الشهر الكريم نزول القرآن الكريم، وفيه تكليفه صلى الله عليه وسلم بحمل الرسالة والدعوة إليها. وفي ذلك جاءت سورة كاملة، هي قوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر)(1 سورة القدر).
وتأكد ذلك مرة أخرى في كتاب الله ضمن سورة البقرة، الآية رقم 185، وفيها تفصيل فريضة الصيام، أما نصها فهو: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) (185).
وقبلها قوله تعالي: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (183) أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون) (184).
وكان أول ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات القرآنية الكريمة قوله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق (2) اقرأ وربك الأكرم (3) الذي علم بالقلم (4) علم الإنسان ما لم يعلم)(5).
وكان الرسول الكريم يذهب إلى غار حراء شهرا من كل سنة يتعبد فيه بعيدا عن الناس، وهذا الغار بالقرب من مكة وهو معروف إلى اليوم.
يقول ابن هشام في كتابه «السيرة النبوية»: «حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله تعالى به كرامته من السنة التي بعثه تعالى فيها، وذلك الشهر هو شهر رمضان!! خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حراء كما كان يخرج، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته جاءه جبريل عليه السلام بأمر الله تعالى».
وهنا نزلت السورة الكريمة الأولى وهي سورة العلق كما ذكرنا آنفا.
ولقد شهد هذا الشهر الكريم حدثين مهمين كانا من أشد الأحداث تأثيرا في مسيرة الإسلام، وانتشاره وتثبيت الدولة الإسلامية.
أما الحدث الأول فكان: غزوة بدر الكبرى، التي انتصر فيها المسلمون انتصارا ساحقا على الرغم من قلة عددهم وعددهم بالقياس على عدوهم الذي جاء بأعداد بشرية كبيرة وبأسلحة وفيرة، وكان يضم عددا كبيرا من الفرسان. ولقد كانت غزوة بدر هذه هي أول حرب من نوعها، وبهذا الحجم اللافت للنظر بين تنشب بين أهل الحق، وأهل الباطل، وفي شأنها نزلت آيات من القرآن الكريم تصف حال المسلمين في مقابل عدوهم كثيف العدد والعدة، وتذكر نصر الله عز وجل لهم، وكان ذلك في قوله تعالى: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون) (123) (سورة آل عمران، الآية رقم 123).
كانت المفارقة في الحشد عند الطرفين كبيرة، فقد كان المسلمون في عدد يزيد قليلا على الثلاثمائة محارب، وكان اعداؤهم في عدد يزيد قليلا على ألف محارب، ومع ذلك فقد نصر الله نبيه وعباده الذين هبوا للدفاع عن دينهم، ولم يمنعهم من التقدم أنها كانت حربا مفاجئة لم يحسب لها حساب، فقد كانوا عند خروجهم بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قصدوا الاستيلاء على القافلة التجارية التي كان أبو سفيان بن حرب يقودها، وكانت مكونة من عدد كبير من الابل التي تحمل بضائع عظيمة، وكانت هذه القافلة قادمة من الشام، وكان اهتمام المسلمين بمصادره هذه القافلة وما تحمل من بضائع ردا على أعمال قريش الذين صادروا أموال المسلمين المهاجرين وحرموهم منها. فمصادرة ما تحمله القافلة إنما هو رد على أولئك الذين استباحوا أموال المسلمين المهاجرين، فما تحمله القافلة إنما هو بضائع تعود ملكيتها إلى قريش التي استولت قهرا وغدرا على أموال كل من هاجر إلى المدينة من أصحاب الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام.
ولقد علم أبو سفيان ـ بطريقته الخاصة ـ بخروج المسلمين بقيادة الرسول الكريم إليه بقصد الاستيلاء على الإبل وما تحمله من بضاعة، فتفادى الخطر الذي أوشك أن يقع فيه وسار بقافلته في طريق محاذ للبحر، فنفذ إلى حيث أراد. وكان قد أرسل إلى قريش يبلغهم بالخطر، ويدعوهم إلى نجده هذه القافلة، وعندما قرب من مكة أرسل من يبلغ أهلها بأن قافلته قد نجت، وأنه بالقرب منهم.
ولكن كبار القوم أبوا إلا أن يمضوا فيما أعدوا أنفسهم له، فقد كانوا قد تجهزوا لمعركة أرادوها أن تكون حاسمة، وأعدوا جيشا ذا عدد وعدة، فقد أخذتهم العزة بالاثم وأصروا على الحرب لأنهم رأوا فيها فرصة للقضاء على الإسلام قبل أن ينتشر أكثر مما انتشر إليه من الأماكن على الرغم مما بذلوه من جهود في سبيل إطفاء نوره، ومن أجل ذلك فإنهم عندما سمعوا رسالة أبي سفيان إليهم، ونصها:
«إنكم إنما خرجتم لتمنعوا إبلكم، ورجالكم، وأموالكم، فقد نجاها الله، فارجعوا».
ولكن أبا جهل، وهو زعيم الجانب المعادي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أبى أن يستمع لقول أبي سفيان، وقال:
«والله لا نرجع حتى نرد بدرا، فنقيم فيها ثلاثا، فننحر الجزور (الابل)، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان (الجواري)، وتسمع بنا العرب، وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهايوننا، ويعرفون قدرنا».
وكانت هذه العنجهية، هي التي أشعلت الحرب في بدر، وهي التي أودت بأبي جهل وكبار قومه إلى المهالك، علما بأن عددا من هؤلاء قد أبدى رغبته بعدم الخروج من مكة لزوال السبب في ذلك ولكنهم جميعا خضعوا لسطوة أبي جهل. فكانت نتيجة موقفه أن هلك هو ومن معه من كبار القوم. وكان حصيلة المعركة مقتل سبعين محاربا من جيش قريش وأسر سبعين آخرين، ولم يستشهد من جيش المسلمين إلا أربعة عشر مجاهدا. بفضل من الله تعالى القائل: (إنا لننصر رسلنا).
ولقد كانت هذه المعركة أول معركة حقيقية وحاسمة في تاريخ الإسلام، انتصر فيها الحق على الباطل على الرغم من الفارق الكبير في عدد المقاتلين من الطرفين، وعدم التوازن في عدة الحرب.
وقد جعل الله عز وجل لمن حارب في هذه الغزوة من المسلمين مكانة لم يحظ بها غيرهم، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لواحد من أصحابه: «وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال لهم: افعلوا ما شئتم فقد عفوت عنكم».
وكانت هذه الغزوة قد وقعت في اليوم السابع عشر من شهر رمضان المبارك للسنة الثانية من الهجرة النبوية الشريفة.
وفي شهر رمضان للسنة الثامنة لهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، اتجه الرسول الكريم إلى مكة فافتتحها، وحطم أصنام قريش التي كانوا يعبدونها من دون الله عز وجل، ودخلت أمة الإسلام في طور جديد، وكان السبب فيما حدث هو نقض قريش لما تم عليه الاتفاق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقد الذي جرى في الحادث المعروف باسم صلح الحديبية، وكان مما قيل في هذا الشأن:
«فلما كان صلح الحديبية بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش، كان فيما شرطوا لرسول الله وشرط لهم أنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله وعهده (من القبائل) فليدخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فليدخل فيه. فدخلت بنو بكر في عهد قريش وعهدهم، وخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده.
وعلى الرغم من ذلك فقد هجم بنو بكر على خزاعة، واشتد الصراع بينهم، وكانت قريش تمد بني بكر بالسلاح خلافا للاتفاق الذي ابرمته مع رسول الله في صلح الحديبية.
وفي نص تاريخي ورد ما يلي:
«فلما تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة (تظاهرت أي تعاونت)، وأصابوا منهم ما أصابوا، ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، من العهد والميثاق، بما صنعوا مع خزاعة وهم في عهده وعقده».
وقد جاء نفر من المعتدى عليهم إلى المدينة وأبلغ الرسول الكريم بما حدث، وقدم في الوقت نفسه أبو سفيان بن حرب محاولا تمديد مدة العقد وتثبيته، وقد رفض ذلك الطلب لأن قريشا نقضت العهد، وتسببت فيما حدث بين الفريقين بدعمها للمعتدين مخالفة بذلك لما نص عليه العهد المكتوب.
ولم ينتظر الرسول الكريم كثيرا فأمر قومه بالاستعداد للحرب ردا على ناقضي الاتفاق، وأخبرهم – صراحة – بأنه متجه إلى مكة. واحتشد لذلك جيش كبير بمقاييس تلك الأيام، فقد كان عدد المحاربين يزيد على عشرة آلاف كان منهم رجال من عدة قبائل، وكان منهم المهاجرون والأنصار لم يتخلف واحد منهم يومذاك.
وعندما تكامل الجيش واقترب من هدفه، قال العباس بن عبدالمطلب: «واصباح قريش، والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة، قبل أن يأتوه فيستأمنوه، إنه هلاك قريش إلى آخر الدهر».
وركب العباس رضي الله عنه بغلة بيضاء كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج بها مستطلعا لعله يجد أحدا من أهل مكة هناك فيبلغه برسالة إلى أهل مكة تتضمن إخبارهم بقرب دخول هذا الجيش الكبير عليهم، وأن الأولى بهم هو أن يأتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستأمنوه قبل أن يدخل مكة عليهم عنوة.
وكان العباس يسير في تلك الأنحاء متلفتا يضيج سمعه لكل صوت، فسمع ـ آنذاك ـ صوت أبي سفيان وبديل بن ورقاء، وكانا قد خرجا يستطلعان، وقد أحسا بضجيج حركة الجيش المسلم، وسمع العباس ـ آنذاك ـ أبا سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا كهذا. وسمع بديلا وهو يقول لصاحبه: «هذه والله خزاعة حمشتها الحرب (احرقها وصليت بنارها) فيرد عليه أبو سفيان: «خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها وهذا عسكرها».
وعرف العباس صوت أبي سفيان فهو لا يخفى عليه فقال له: يا أبا حنظلة: يقول العباس: فعرف صوتي، فقال: أبو الفضل؟ قلت نعم. قال: مالك فداك أبي وأمي، قلت: ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، واصباح قريش والله!!
قال: فما الحيلة؟ فداك أبي وأمي، قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتى بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك.
وباقي حديث العباس بن عبدالمطلب فيه دلالات كثيرة على رأفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، وعلى المحبة السائدة بين اصحابه رضي الله عنهم أجمعين، فقد كان الرسول الكريم يأسر القلوب بتسامحه، وكان أصحابه مثالا للاخوة الذين لا يفرق بينهم أمر مهما كان.
يقول سيدنا العباس:
«فركب خلفي ورجع صاحباه، فجئت به كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عليها قالوا: عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بلغته.
حتى مررت بنار عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: من هذا؟ وقام إلي. فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: أبو سفيان عدو الله! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد.
ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء. فاقتحمت عن البلغة فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل عليه عمر فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد، فدعني فلأضرب عنقه.
قلت: يا رسول الله، اني قد أجرته! ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه، فقلت: والله لا يناجيه الليلة دوني رجل!
فلما أكثر عمر في شأنه، قلت: مهلا يا عمر!! والله أن لو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا، ولكنك عرفت انه من رجال بني عبد مناف.
فقال: مهلا يا عباس، فلإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به».
وفي الغد كان الموقف الذي وقفه
أبو سفيان امام رسول الله غريبا، وكان قد بات عند العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه، وما كادا يصبحان حتى بادر العباس باحضاره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بدأه بقوله:
- ويحك يا أبا سفيان، أما آن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟
قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وما أكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره، لقد أغنى عنى شيئا بعد، قال: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئا.
فقال له العباس:
«ويحك أسلم واشهد أن لا إله الا الله، وأن محمدا رسول الله، قبل أن تضرب عنقك».
وهنا شهد شهادة الحق وأسلم.
ثم أراد سيدنا العباس أن يحصل أبو سفيان على ميزة يمتاز بها عن قومه، فقد أسلم قبلهم، وسوف يكون له شأن في إسلامهم، لأنه كان ذا مكانة عالية عندهم جميعا فقال:
يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئا.
ولم يبخل الرسول صلى الله عليه وسلم على أبي سفيان بذلك فقال: «نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن».
والحق بذلك قوله للعباس:
يا عباس احبسه (أي قف به) بمضيق الوادي عند خطم الجبل (أنف الجبل، وهو مكان ضيق فيه) حتى تمر به جنود الله فيراها.
وقام العباس بما أمره الرسول الكريم به، وهذا هو وصف المشهد الذي شهده أبو سفيان:
«ومرت القبائل على راياتها، وكلما مرت قبيلة قال: يا عباس، من هذه؟ فقال: سليم. فيقول: مالي ولسليم. ثم نفدت القبيلة فيقول: يا عباس، من هؤلاء؟ فأقول: مزينة. فيقول: مالي ولمزينة. حتى نفذت القبائل، ما تمر به قبيلة إلا يسألني عنها، فإذا أخبرته بهم قال: مالي ولبني فلان، حتى مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته «الخضراء»، فيها المهاجرون والأنصار رضي الله عنهم، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله يا عباس، من هؤلاء؟ قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار. قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة! والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما!! قلت: يا أبا سفيان، إنها النبوة. قال فنعم إذن. قلت: النجاة إلى قومك!».
وأقبل أبو سفيان ـ بعد ذلك ـ على قومه في مكة المكرمة ولم يلبث أن صرخ فيهم بأعلى صوته:
«يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن».
ولقد كان رد فعل زوجته هند بنت عتبة سيئا فقد صرخت بالناس قائلة لهم: اقتلوه، وقالت له: قبحت من طليعة قوم: ولكنه عاد صارخا:
«ويلكم، لا تغركم هذه عن أنفسكم، فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به».
ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت الحرام وطاف بالكعبة المشرفة، وأزال الأصنام، وقال لأهل مكة:
«يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، وتعظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب»، ثم تلا قوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) (13) سورة الحجرات الآية رقم 13.
أما أبو سفيان بن حرب فقد تمكن الايمان في قلبه، وصار بعد ذلك علما من أعلام الإسلام يؤدي ما عليه في سبيل الله مجاهدا بماله وبنفسه، وقد شارك المسلمين في غزوة حنين (في السنة الثامنة للهجرة) وغزوة الطائف في السنة ذاتها، وولاه الرسول صلى الله عليه وسلم على نجران، ثم شارك في حروب الردة في أيام الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، كما شارك في فتوح الشام فكان من المحاربين في معركة اليرموك سنة 15هـ وفي هذه المعركة فقد عينه.
توفي في زمن الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه في سنة 31هـ (652م).
وحدثت في الكويت أحداث عدة على مر الزمان خلال شهر رمضان المبارك، ومنها نوجز ما يلي:
1 ـ في شهر رمضان لسنة 1338هـ الموافق لشهر يونيو لسنة 1920م، وجدت الكويت نفسها بحاجة إلى إنشاء سور يحيط بعاصمتها من أجل حمايتها من الطامعين، وقد قام الناس بهذه المهمة في جو حار فقد كان ذلك في فصل الصيف وصرفت الحكومة الكويتية ـ آنذاك ـ كافة المصروفات المادية التي اقتضاها هذا العمل المهم ونشأ السور، وأدى مهمته ثم أزيل في سنة 1956م، ولكن بواباته لم تمس بل بقيت شاهدة عليه، يراها الأهالي الآن فيعجبون لإصرار أجدادهم على القيام بهذا العمل الوطني المهم في وقت الصيف أثناء شهر الصيام.
2 ـ مر شهر رمضان لسنة 1371هـ على الكويت، في وقت الناس فيه يعانون وطأة غلاء المعيشة، وفي هذا الشأن قال الشاعر الكويتي صقر الشبيب قصيدة منها:
غلاء أهلك الفقراء جوعا
وعريا أهلك الله الغلاء
وزاد الأغنياء غنى ويبسا
كما زدت الحصى المنقوع ماء
فلست ترى غنيا عن فقير
يخفف ـ محسنا ـ هذا البلاء
ولا شك في أن القصيدة قد احتوت على مبالغة ملحوظة، لأن الأمر لم يصل إلى هذه المرحلة، ولكن الشاعر يقول ما يحس به.
3 ـ في سنة 1952م، نشأت في الكويت دائرة الكهرباء الحكومية بعد أن كانت البلاد تتزود بالقوة الكهربائية عن طريق شركة أنشأها عدد من الكويتيين، وفور نشأة هذه الدائرة صار رئيسها الشيخ جابر العلي الصباح، وكان مهتما بهذا المرفق، حريصا على أن يرى الناس آثار هذه الدائرة، ولذا فقد بادر بأمر الجهات المختصة في الدائرة التي يرأسها أن تقوم بإضاءة بعض المواقع في العاصمة، وكان أول موقع تمت إنارته هو ميدان الصفاة وذلك في اليوم الأول من شهر رمضان لسنة 1371هـ، وهذا يوافق 1951 و1952م.
وأخيرا فإن من أفضل ما يمكن أن نقدمه من وصف لشهر رمضان في الكويت قديما، هو ما كتبه المرحوم الأستاذ يعقوب يوسف الحمد، وذلك في مقال نشرته مجلة البعثة التي كان يصدرها بيت الكويت في القاهرة للتعبير عن أفكار طلاب الكويت هناك.
والأستاذ يعقوب يوسف الحمد من مواليد سنة 1924م، وقد توفي سنة 2020م. وكان من طلاب بعثة الكويت في مصر وتخرج في كلية التجارة بالجامعة هناك. وله مقالات كثيرة في مجلة البعثة، كما له كتاب مهم عنوانه: ماذا نريد من حكومة الكويت؟ صدر في سنة 1952م، وهو صاحب نظرة مستقبلية، اعتاد أن يطرح الحلول للقضايا الاجتماعية والاقتصادية فهو اقتصادي ماهر.
ومما قاله في المقال المشار إليه هنا:
«وشهر رمضان هو موسم الخيرات والصدقات ففيه يتذكر الموسرون إخوانهم الفقراء والمعوزين، فتكثر الصدقات وتفتح البيوتات، وتوزع الأطعمة للمحتاجين فيشارك الفقراء الأغنياء في طعامهم وكثيرا ما يشارك بعض أفراد الحي أصحاب البيوت الكبيرة في إفطارهم مع أسرهم وأقربائهم فيجتمع الجميع حول مائدة واحدة وكأنهم عائلة متحدة وهذه فضيلة من فضائل رمضان، حيث يجتمع القريب مع القريب والجار مع الصديق.
والليل في رمضان له رونقه وجوه الخاص تفتح فيه المحلات التجارية والمقاهي والدواوين وتكثر الاجتماعات والتزاور بين أهل البلاد ويرفه الناس عن أنفسهم، من شدة العطش والجوع بأطعمة رمضان وحلوياته المشهورة.
وأما لياليه العشر الأخيرة فتستمر فيها الصلاة والوعظ إلى ما قبل موعد السحور بقليل.
وفي دخول رمضان يهنئ الكويتيون بعضهم بعضا ويتزاورون في مجالسهم وفي عيد الفطر يتبادلون التهاني والزيارة في يوميه الأولين جميعا كأنهم أسرة واحدة لا فرق بين أمير ووضيع أو بين فقير وغني، وهذا لعمري هي ديموقراطية الدين الإسلامي القويمة وهذه هي خصال الإسلام السمحة وتعاليمه الصادقة. فلنجعل من شهر رمضان شهر دنيا كما جعلنا منه شهر دين، ولنتذكر الأسر الفقيرة والمعوزة واليتامى والمنكوبين ولنعمل ما في صالحهم ومنفعتهم لا في شهر رمضان فقط بل في جميع الشهور والأعوام بإنشاء الملاجئ والمطاعم لهم ففي ذلك خير للجميع».
وفي الختام: كل عام وأنتم خير.