إن الطبيب في وقت الأزمات والحروب لا يعود مجرد موظف، بل يتحول إلى جندي في خط الدفاع الأول عن الحياة، يحمل بدلا من البندقية مشرطه الجراحي أو سماعته التشخيصية أو أوامره للطاقم الطبي المساعد له كأدوات للنصر والبقاء.
علينا أن نعرف أن الطب وممارسته هو حالة إنسانية روحية تتعدى مسألة الوظيفة والراتب الروتيني، لأن بها التزاما وطنيا في الظروف الصعبة التي قد تواجه بلدنا الغالي، وهنا كذلك يمكن اعتبار ذلك أيضا هو وقت رد الجميل للوطن الذي رعى هذا الطبيب من المهد وقدم له الرعاية والاحتضان والذي تكفل به إنسانيا وتعليميا إلى أن وصل إلى موقعه كـ «طبيب».
حاليا يعمل القطاع الطبي الحكومي كـ «جزء» أساسي من الصفوف الأولى في ظل الاعتداءات الآثمة خلال الفترة الماضية ضد بلدنا الغالي، حالهم حال العسكريين من قوات الجيش والداخلية والحرس والإطفاء، حيث نسبة وجود الكوادر الطبية 100%، فيعمل الجميع بكل الأحوال والظروف الموجودة وحسب صعوبات المرحلة، التي جاء بها العدوان.
إن العمل الطبي ليس فقط مهنة إنسانية أو وظيفة اختصاصية ذات «برستيج» عال ومكانة اجتماعية مرموقة، إذا صح التعبير، بل إن لها جانبا مهما له علاقة بالحفاظ على الحياة ومواصلة المحاولة لإنقاذ الأرواح، وهنا استمرار الطبيب في واجبه المهني رغم الضغوط الاجتماعية أو القصور الإداري المساند له أو قلة الحافز المادي أو تطاول أفراد مستهترين من هنا وهناك أو تعرضه لإهانات شخصية مسيئة أو ضرر جسدي.. إلخ من مصاعب الوظيفة، وهذا ما يعيشه الأطباء بشكل يومي، وهو كذلك ما يميز «الحالة الإنسانية» عن «الوظيفة التقليدية».
رغم كل هذه الصعوبات والمتاعب والضغوط، فإن الاستمرار والمواصلة في العمل وأداء الواجب «لا» يتوقف ويتواصل، لأن هناك أرواحا على المحك وحياة بشر يجب الحفاظ عليها ضمن تحديات التصدي للأمراض مع تشعباتها وتعقيداتها الباثولوجية.
وأيضا هناك جانب وطني مهم يرتبط بالعمل الطبي يشتركون فيه مع العسكريين، حيث إن ثاني أكبر حالة نظامية وترتيب إداري والتزام في الأوامر بعد المؤسسات العسكرية هي المؤسسات الطبية وهذا معروف للجميع وكذلك في زمن الحروب يتم التعامل مع الأطباء نفس التعامل مع العسكريين، حيث الدوام المتواصل والحجز، حتى العمل دون انتظار مكافآت أو رواتب، لأن هناك عدوانا على الوطن وحربا على الدولة.
وهذا الجانب ناقشته سابقا أثناء فترة تدريبي القديمة في المملكة المتحدة بمستشفى كينجز كولج مع رائد علاجات الغدد الصماء والهرمونات البروفيسور آلن ماكريجر، حيث دار النقاش حول ما قام به الأطباء البريطانيون في الحربين العالميتين الأولى والثانية من دور وتضحيات من دون التفكير في الحوافز المادية.
حفظ الله الكويت وأميرها وشعبها، وتحية تقدير لكل طبيب في مهنته «رسالة وطن» قبل أن تكون مصدرا للرزق.