تابعت، كما تابع الملايين غيري، قصة الشاب المصري النابه مصطفى مبارك، الذي تخرج في جامعة كنتاكي بالولايات المتحدة الأميركية، حاصلا على ثلاث درجات علمية (بكالوريوس) في تخصصات الهندسة، إلا أن ما لفت الأنظار وأثار الإعجاب لم يكن تفوقه الأكاديمي فحسب، بل ذلك الوشاح الذي تزين به فوق منصة التخرج، وشاح يحمل علم بلاده الأم مصر، وعلم بلاده التي عاش فيها الكويت.
إن هذا الصنيع لا ينم إلا عن نفس شريفة جبلت على خلق عظيم، وهو خلق الوفاء، تلك القيمة التي استقيناها من معين ديننا الإسلامي الحنيف.
ولنا في النبي صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة والقدوة العظمى في تجسيد هذا الخلق، إذ نجد وفاءه يتجلى في أبهى صوره مع أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فلم يكدر صفوها طيلة حياتها، ولم يتزوج عليها قط، بل ظل حافظا لودها ومكرما لصديقاتها حتى بعد رحيلها، كما لم ينس صلى الله عليه وسلم وقفة عمه أبي طالب معه، فذهب إليه في لحظات احتضاره وفاء له، داعيا إياه للإسلام رغم عدم إيمانه.
وفي عصرنا، ورغم أن بريق الوفاء قد يخفت أحيانا، فإن الخير يظل باقيا في أمتنا، والتاريخ يشهد على ذلك، فعندما واجهت مصر تحديات حربي 1967 و1973، هب الأشقاء العرب لمساندتها، وكانت الكويت في طليعة هؤلاء، حيث روى أبناؤها بدمائهم تراب مصر واستشهدوا دفاعا عن الحق العربي.
إن ما قام به الطالب مصطفى يبعث للعالم برسائل ودروس عديدة، نوجزها في الآتي:
٭ أولا: أن الخير في أمة الإسلام باق كالغيث، لا ينقطع أثره إلى يوم القيامة.
٭ ثانيا: أن التربية في الصغر كالنقش على الحجر، فمن المؤكد أن والديه وعائلته هم من غرسوا في وجدانه هذه القيمة، ونشأ في كنف أسرة تتخذ الوفاء منهجا وسلوكا.
٭ ثالثا: أن تلك المعارك والمناوشات الحامية التي نراها على منصات التواصل بين الشعوب العربية، لا تعبر عن الحقيقة، بل هي صنيعة فئة من المرضى النفسيين، أو الحاقدين، أو أصحاب الأقلام المأجورة التي تسعى للتفريق بين الإخوة، لكن موقف الطالب مبارك وما صاحبه من تأييد ملايين العرب والمسلمين، أثبت أننا أمة واحدة، وستظل دائما «خير أمة أخرجت للناس».
٭ رابعا: إن الوفاء، وإن كان خلقا إنسانيا عاما، فإنه في الإسلام يمثل صلب الدين وجوهر العقيدة، وبمثل هذه التصرفات، يدرك غير المسلمين حقيقة ديننا العظيم، بعيدا عن التشويه الإعلامي أو التصرفات الجاهلة لمن يسيئون للإسلام بجهلهم.
٭ خامسا: في شأننا المحلي الكويتي، فإن ثناء الطالب مبارك على نظام التعليم في الكويت شهادة استحقاق تثبت أن الخلل ليس في جوهر النظام التعليمي، بل في قصور التطبيق لدى البعض أحيانا.
شكرا لابننا الشاب العبقري مصطفى مبارك على هذا الموقف النبيل، ونسأل الله تعالى أن يوفقه في مسيرته القادمة، وأن يمنح الفرصة الكاملة للإبداع والنجاح، سواء كان ذلك في وطنه مصر أو في بلده الثاني الكويت، فلك في قلوبنا مكانة ومودة دائمة.