رغم استمرار قصة اللجوء بالأردن، لاتزال أحلام اللاجئين السوريين الذين فروا من بلادهم طلبا للأمن تفتح فصولها كل يوم.
ورغم قساوة ترك الوطن قسرا، لم يستسلم اللاجئون السوريون الذين وجدوا بالأردن ملاذا آمنا، لواقع العوز والاعتماد على المساعدات الدولية، بل أعادوا ابتكار أدوات بقائهم عبر تأسيس أعمال صغيرة والانخراط في سوق العمل، مستفيدين من مناخ الأمان والاستقرار الذي وفرته المملكة بعيدا عن سياسات التضييق.
وحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الأردن، تستضيف المملكة ما يقارب 381 ألف لاجئ سوري مسجل لديها حتى نهاية شهر مايو الماضي من العام الحالي، من أصل 404 آلاف لاجئ وطالب لجوء من جنسيات مختلفة في الأردن.
ورغم وطأة الأزمات المعيشية المتلاحقة وتراجع التمويل العالمي، نجح آلاف اللاجئين في كسر حلقة العوز، محولين مخاوف اللجوء إلى طاقات إنتاجية ومشاريع ريادية نابضة بالحياة، ليتحول المجتمع الأردني من مجرد ملاذ آمن إلى بيئة حاضنة للابتكار والتكيف الشامل.
وبمناسبة اليوم العالمي للاجئين، يسرد اللاجئ السوري الثلاثيني عماد الديري، المقيم في محافظة المفرق شمالي الأردن، تفاصيل رحلته الممتدة منذ أكثر من عقد قائلا «غادرت سورية عام 2012 وأنا في السابعة عشرة من عمري، هربا من أعمال العنف التي شهدتها البلاد آنذاك، بما في ذلك الاعتداءات التي طالت المدنيين، بحثا عن الأمان والاستقرار».
ويوم اللاجئ العالمي الذي يصادف 20 يونيو من كل عام، هو يوم عالمي حددته الأمم المتحدة تكريما للاجئين في جميع أنحاء العالم، ويتم خلاله تسليط الضوء على عزيمة وشجاعة الأشخاص المجبرين على الفرار من أوطانهم هربا من الصراعات أو الاضطهاد.
وقال عماد الديري القادم من مدينة درعا جنوب سورية لوكالة «شينخوا»: «وصلت في البداية إلى مدينة إربد شمالي الأردن، حيث أقمت وسط المجتمع الأردني ولم ألتحق بأي من مخيمات اللجوء، قبل أن أنتقل بعد نحو عام للاستقرار في محافظة المفرق، التي ما زلت أقيم فيها حتى اليوم»، مبينا أنه أنهى تعليمه الجامعي في المملكة بعد حصوله على منحة، ما أتاح له بناء حياته وتأسيس أسرة.
وأضاف: «تحول الأردن بالنسبة لي من بلد لجوء إلى بيئة احتضنتني ووفرت لي فرص التعليم والعمل والاندماج الاجتماعي، حيث لمست قدرا كبيرا من التقبل والاحتواء الاجتماعي من المجتمع الأردني، الذي كان عاملا أساسيا في تسهيل هذا الاندماج».
وعن واقع المساعدات الأممية والعودة، أشار عماد إلى أن اللاجئين السوريين الذين كانوا يقيمون في المخيمات ويحملون صفة اللجوء كانوا يتلقون في السابق مساعدات نقدية من المفوضية تصل إلى قرابة 25 دولارا للفرد شهريا.
وقال عماد الذي يعمل في إحدى المطاعم: «إن آلاف السوريين الذين أمضوا سنوات طويلة في الأردن باتت لهم ارتباطات مهنية واجتماعية وعائلية عميقة، تجعل قرار العودة مرتبطا بمدى استقرار الأوضاع وتوفر مقومات الحياة الكريمة وفرص العمل والخدمات الأساسية، مع الأمل في أن تتحسن الظروف مستقبلا بما يتيح العودة الطوعية الآمنة لمن يرغب».
ريادة أعمال منزلية
من جانبها، تروي اللاجئة السورية عتاب نصيرات، المقيمة في الأردن منذ عام 2013، تجربتها الخاصة مع اللجوء وبناء الذات قائلة: «إن انعدام الأمان في سورية دفعني إلى مغادرة بلادي بحثا عن حياة أكثر استقرارا وأمنا لأفراد أسرتي».
وقالت عتاب ل«شينخوا»: «كانت السنوات الأولى من اللجوء صعبة للغاية بسبب ارتفاع أجور المساكن وصعوبة تأمين مصادر دخل مستقرة، إلى جانب التحديات المرتبطة بالتأقلم مع الحياة الجديدة واندماج الأبناء في المدارس والمجتمع، لكن الدعم المالي الذي تلقيته من المفوضية خلال السنوات الأولى ساعد أسرتي على تغطية إيجار المنزل وتأمين الاحتياجات الأساسية إلى حين تحسن أوضاعنا المعيشية».
وأضافت: «أقدر عاليا التسهيلات التي وفرها الأردن للاجئين، خاصة في قطاع التعليم، حيث تمكن أبنائي من الالتحاق بالمدارس الحكومية ومواصلة تعليمهم. ومن هنا قررت تحويل ظروف اللجوء الصعبة إلى فرصة، فأسست مشروعي المنزلي الصغير لإنتاج الألبان والأجبان واللبنة والمكدوس وغيرها من المنتجات الغذائية المنزلية».
وتابعت: «بدأ المشروع بشكل متواضع ببيع المنتجات للجيران والمعارف، قبل أن يلقى ثقة كبيرة من الزبائن ويتمكن من التوسع تدريجيا ليصل إلى عرض منتجاته في عدد من المحال التجارية في مدينة الرمثا شمال المملكة، مما ساعدني على تحسين دخل الأسرة ومنحني فرصة للاستقرار الاقتصادي وبناء مصدر رزق مستدام وعزز الاعتماد على الذات.. الناس وثقت بعملي والحمد لله مشي الحال»، كما تقول بلهجتها السورية.
وأكدت عتاب أن حلمها الأكبر هو العودة إلى سورية عندما تتم إعادة إعمارها، لاسيما أن منزلها هناك غير صالح للسكن حاليا، علاوة على التزامها بمتابعة دراسة أبنائها الذين لا يزالون على مقاعد الدراسة الجامعية.
وبمناسبة اليوم العالمي للاجئين، عبرت عتاب عن أملها بأن يتمكن اللاجئون من العودة إلى بلادهم في ظروف آمنة وكريمة، أو الحصول على فرص أفضل للاستقرار والاعتماد على الذات إلى حين تحقق ذلك.
بناء الدخل المستدام
أما اللاجئ السوري الأربعيني بلال موسى القادم من ريف دمشق، فيسترجع ذكريات وصوله إلى الأردن عام 2013 برفقة أفراد أسرته الستة، واصفا قسوة البدايات بقوله: «لم أكن أحمل معي سوى الأمل في إيجاد مكان آمن يوفر لعائلتي الاستقرار والحياة الكريمة، بعدما دمر منزلي جراء القصف، تاركا خلفي ذكريات سنوات طويلة، لأبدأ رحلة جديدة عنوانها البحث عن الأمان».
وقال بلال: «إن المساعدات التي تلقيتها من مفوضية اللاجئين ساعدت أسرتي على تجاوز المرحلة الأولى، حيث حصلنا على كوبونات غذائية بقيمة 16 دولارا للفرد، قبل أن تتوقف بعد العامين الأولين من إقامتي في الأردن، لكنها شكلت دعما مهما في فترة كنت فيها عاجزا عن توفير احتياجات أسرتي بشكل كامل وساهمت في تخفيف الأعباء المعيشية».
وأضاف بلال: «مع تزايد المسؤوليات، لم أكتف بالبحث عن فرص عمل مؤقتة، بل سعيت إلى بناء مصدر دخل مستدام، فبعد سنوات من العمل في مهن مختلفة، تمكنت من استئجار كافتيريا داخل إحدى مؤسسات القطاع الخاص لتقديم خدمات الطعام والشراب للموظفين».
وأكد أن مشروعه الصغير شكل نقطة تحول في حياته، ووفر له دخلا يساعده على إعالة أسرته المكونة من ستة أفراد، ومنحه شعورا بالاستقرار بعد سنوات من التحديات وعدم اليقين، مبينا أن النجاح لم يكن سهلا، لكنه اعتمد على المثابرة والعمل الجاد لتطوير العمل وتأمين مستقبل الأبناء.
وعبر اللاجئ بلال عن أمله بأن تحظى الأسر الأكثر احتياجا بمزيد من الدعم، فالتحديات لا تقتصر على الجوانب المعيشية، بل تشمل الأبعاد النفسية والاجتماعية، مؤكدا أن العودة إلى سورية تبقى أمنية يومية كبرى.
نماذج ملهمة للاجئين
ووفق الناطق باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الأردن يوسف طه، يعيش قرابة 81% من اللاجئين السوريين داخل المجتمعات المستضيفة خارج المخيمات، بينما يقيم الباقون في مخيمي الزعتري شمالي المملكة والأزرق شرق العاصمة عمان بشكل رئيسي.
وقال يوسف ل«شينخوا»: «رغم الكرم الكبير الذي أبدته الحكومة الأردنية والمجتمعات المستضيفة والمجتمع الدولي على مدى سنوات الأزمة، لا يزال أغلب اللاجئين يواجهون تحديات إنسانية واقتصادية متزايدة، أبرزها الفقر وارتفاع كلفة المعيشة وصعوبة تأمين فرص العمل المستدامة، إضافة إلى الضغوط المرتبطة بالتعليم والرعاية الصحية والسكن».
وبين أن المفوضية تؤكد باستمرار أن العودة إلى سورية يجب أن تكون طوعية وآمنة وكريمة ومستندة إلى قرار حر ومستنير من اللاجئ نفسه.
وأضاف: «نحن لا نشجع العودة الجماعية في هذه المرحلة، لكننا نقوم بدعم اللاجئين الذين يقررون العودة طوعا بعد اطلاعهم على الأوضاع داخل سورية».
وأشار إلى أنه منذ بداية عام 2024 وحتى نهاية مايو الماضي من العام الحالي عاد ما يقارب 196 ألف لاجئ سوري مسجل من الأردن إلى بلادهم بشكل طوعي، مبينا أن المفوضية لاحظت في الفترة الأخيرة تزايدا في اهتمام بعض اللاجئين باستكشاف خيارات العودة بعد انتهاء فصل الشتاء واقتراب انتهاء الفصل الدراسي.
وقال يوسف: «على الرغم من صعوبة ظروف اللجوء، شهدنا نماذج ملهمة للاجئين سوريين تمكنوا من بناء قصص نجاح حقيقية في الأردن بدعم من البرامج الإنسانية والشراكات مع المؤسسات الوطنية والدولية»، مؤكدا وجود آلاف الطلبة السوريين الذين تمكنوا من مواصلة تعليمهم المدرسي والجامعي.
وأكد كذلك أن الكثير من اللاجئين السوريين أسسوا مشاريع صغيرة في مجالات الحرف اليدوية والأغذية والخدمات، ما ساهم في دعم أسرهم وتعزيز اعتمادهم على الذات، فيما استفاد عدد آخر من برامج التدريب المهني والتشغيل.
وأشار يوسف إلى أن المفوضية تؤمن بأن اللاجئين ليسوا مجرد متلقين للمساعدة، بل يمتلكون طاقات وقدرات كبيرة يمكن أن تسهم إيجابا في المجتمعات المستضيفة عندما تتوافر لهم الفرص المناسبة.
وبمناسبة اليوم العالمي للاجئين، وجه يوسف طه رسالة إلى المجتمع الدولي بضرورة مواصلة دعم اللاجئين والدول المستضيفة، وفي مقدمتها الأردن، الذي تحمل مسؤولية إنسانية كبيرة على مدى أكثر من عقد.
ويؤكد الأردن مرارا وعلى مختلف المستويات السياسية أن مسألة عودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم تعد ضرورة بالنسبة للمملكة، لكنها تسعى إلى تهيئة الظروف التي تتيح العودة الطوعية للاجئين.
وتشير إلى أنها قدمت كل ما تستطيعه لتوفير العيش الكريم للاجئين السوريين الذين بلغ عددهم حوالي 1.3 مليون لاجئ، يعيش أغلبهم خارج مخيمات اللجوء، بما في ذلك التعليم المجاني والخدمات الصحية وتصاريح العمل.