مفرح الشمري
هناك أغان لا تسمع بالأذن فقط، بل ترى في تفاصيل الحياة، وما إن تبدأ حتى يجد الإنسان نفسه يراجع سنوات كاملة من عمره، ويتأمل الطرق التي سلكها، وتلك التي كان يمكن أن يسلكها، ليست لأنها تحكي قصة بعينها، وإنما لأنها تتحدث عن الفرص، وعن الوقت، وعن الاشياء التي لا تعرف قيمتها إلا بعد ان تبتعد عنك مع انك كنت تمتلكها وتعلمها للآخرين.
ومن الفرص الضائعة التي «سافرت» والآن نبحث عنها فرصة تطوير المسرح الكويتي الذي كان من اوائل المسارح في المنطقة، وكان المتنفس للجميع، لأنه ما يطرحه من قضايا لامست القلوب قبل ان يصل إلى مرحلة «يالله يا قلبي سرينا ضاقت الدنيا علينا» من خلال بعض الاعمال التي لا ترتقي ان يطلق عليها مسرحا!
الكويت ليست بلدا يفتقد التاريخ المسرحي، بل كانت من أكثر الدول الخليجية تأثيرا في تأسيس الحركة المسرحية الحديثة، أسماء كبيرة، وتجارب راسخة، ونصوص ما زالت تدرس، وفنانون صنعوا ذاكرة أجيال كاملة، لكن التاريخ، مهما كان عظيما، لا يستطيع أن يعيش وحده، فكل مرحلة تحتاج إلى من يصنع تاريخها الخاص.
كانت هناك لحظات كان يمكن أن تتحول فيها الكويت إلى المركز المسرحي الأول في المنطقة، مواهب شابة تبحث عن مساحة، وتقنيات جديدة تغير شكل العرض المسرحي، ومنصات رقمية تفتح أبوابا مختلفة للوصول إلى الجمهور، وشراكات دولية، ومهرجانات قادرة على استقطاب العالم، ودعم يمكن أن يصنع فارقا حقيقيا لو وجه وفق رؤية واضحة، لكن كثيرا من هذه الفرص مرت كما تمر القطارات لا تتوقف طويلا في المحطات!
واليوم، عندما ننظر حولنا، نجد أن المشهد المسرحي الخليجي تغير بسرعة، دول كانت تستفيد من الخبرة الكويتية أصبحت تمتلك مشاريعها الكبرى، ومسارحها الحديثة، ومواسمها الثقافية، واستثماراتها الضخمة في الفنون، لم تصل إلى ذلك بالصدفة، بل لأنها أدركت أن الثقافة ليست ترفا، وأن المسرح ليس نشاطا هامشيا، بل جزءا من صناعة الهوية، ومن الاقتصاد الإبداعي، ومن صورة الدولة أمام العالم.
المؤلم ليس أن الآخرين تقدموا، المؤلم أننا كنا نملك كل المقومات التي تجعلنا في المقدمة، لدينا الخبرة، ولدينا الإنسان، ولدينا الإرث، ولدينا الجمهور الذي تربى على المسرح، لكننا لم نحسن استثمار كل ذلك بالسرعة التي يفرضها الزمن.
وفي كل مرة نلتفت فيها إلى الوراء، نكتشف أن ما خسرناه لم يكن موسما مسرحيا أو مهرجانا أو مشروعا واحدا، بل سنوات كاملة كان من الممكن أن تصنع جيلا جديدا من المبدعين.
المسرح الكويتي لا يحتاج إلى رثاء، بل يحتاج إلى شجاعة في المراجعة، يحتاج إلى أن نسأل أنفسنا بصراحة: لماذا تأخرنا؟ ولماذا أصبحنا نكتفي بمشاهدة الآخرين وهم يحققون ما كنا قادرين على تحقيقه؟ وكيف نستعيد المبادرة قبل أن تتحول الحسرة إلى عادة؟!