مفرح الشمري
يشهد المسرح السعودي مرحلة استثنائية من النمو والتوسع، مدفوعا بالدعم الذي يحظى به من هيئة المسرح والفنون الأدائية، التي أسهمت في فتح آفاق جديدة أمام المسرحيين السعوديين للوصول إلى أهم المنصات والمهرجانات الإقليمية والدولية، فلم يعد المسرح السعودي يكتفي بالحضور المحلي أو الخليجي، بل أصبح منافسا في أبرز المحافل العالمية، مقدما أعمالا تحمل هوية ثقافية سعودية برؤى فنية معاصرة، الأمر الذي انعكس على حجم المشاركات الدولية، والجوائز التي حصدتها العروض السعودية، والإشادة التي نالتها من المختصين والجمهور.
ويأتي هذا الحراك امتدادا لجهود متواصلة تستهدف تطوير صناعة المسرح، ورفع جودة الإنتاج، وتمكين الفرق المسرحية الوطنية، وتوفير بيئة إبداعية قادرة على المنافسة عالميا، بما يتوافق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية إلى تعزيز الحراك الثقافي وإبراز المنجز السعودي في مختلف الفنون.
ومن أبرز النماذج التي تعكس هذا التحول النوعي، مسرحية «تكلم حتى أراك»، التي تواصل حضورها الدولي بعد أن تم اختيارها للمشاركة في مهرجان مسرح العالم بمدينة كمنيتش في ألمانيا، ضمن نخبة من العروض المسرحية العالمية، لتكون العمل الوحيد الممثل لدول الخليج والوطن العربي، وممثلة للمملكة العربية السعودية في هذا المحفل المسرحي الدولي، حيث يعد هذا الاختيار تتويجا لما حققه العرض من نجاح فني، ويؤكد قدرة المسرح السعودي على تقديم أعمال تمتلك لغة إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، وتنافس على أهم المنصات العالمية.
المسرحية من إنتاج فرقة بروسينيوم المسرحية، نص المسرحية مستوحى من مسرحية «العميان» للكاتب البلجيكي موريس ميترلينك، من تأليف وإخراج د.يوسف الحربي، ويشارك في بطولتها كل من محمد المطوع، وسوسن آل إدريس، وجواد الصايغ، ومهدي المرهون، ومحمد المرزوق، وحوراء الهزيم، فيما تولى عبدالعزيز الأسود تنفيذ الموسيقى والمؤثرات الصوتية.
هذا الاختيار لمسرحية «تكلم حتى أراك»، جاء بعد التميز الذي حققته مسرحية «طوق» للمخرج فهد الدوسري في المهرجانات المسرحية الدولية، حيث تعتبر أول مسرحية سعودية تعرض في مهرجان فرينج الدولي بمدينة إدنبرة في إسكتلندا، أحد أكبر وأهم المهرجانات المسرحية في العالم، بعد مشاركتها السابقة في مهرجان أفينيون بفرنسا، وهو من أبرز الملتقيات المسرحية العالمية التي تستقطب سنويا أهم التجارب الإبداعية من مختلف دول العالم.
ويعكس وصول «طوق» و«تكلم حتى أراك» إلى هذه المهرجانات العالمية مستوى التطور الذي بلغته التجربة المسرحية السعودية، سواء على مستوى النصوص أو الإخراج أو الأداء أو التقنيات المسرحية، كما يؤكد قدرة الفنان السعودي على تقديم أعمال قادرة على مخاطبة الجمهور العالمي بلغة فنية معاصرة، دون أن تفقد ارتباطها ببيئتها الثقافية وهويتها الوطنية.
واليوم، لم يعد حضور المسرح السعودي في المهرجانات العالمية حدثا استثنائيا، بل أصبح مسارا متواصلا يعكس نضج التجربة الوطنية، وقدرتها على المنافسة في أكبر المحافل الدولية، فبين نجاح «تكلم حتى أراك» في تمثيل المملكة والخليج والعالم العربي في ألمانيا، وتألق «طوق» في مهرجاني أفينيون وفرينج، تتجسد صورة المسرح السعودي الجديد، مسرح يواكب المعايير العالمية شكلا ومضمونا، هذه المواكبة نتمنى ان نراها قريبا في المسرح الكويتي الذي يعتبر من أقدم الحركات المسرحية في منطقة الخليج العربي.