ذات ليلة شتوية، رأت الشيخة عائشة بنت حمد العطية، رحمها الله، في منامها أنها خرجت من بيت الشعر الذي كانت تقيم فيه، وبرفقتها جاريتها، وفي يدها سراج، أو «فنر» كما نسميه في لهجتنا الخليجية.
وما إن فتحته في ظلمة الليل حتى وجدت نفسها أمام روضة خضراء واسعة، قالت إنها من أجمل الروضات التي رأتها في حياتها. وحين أفاقت، روت الحلم لجاريتها وسألتها عن تفسيره، فقالت لها: «يا سيدتي، إنك تحملين في أحشائك طفلا سيكون له مستقبل كبير في هذا البلد».
وفي الأسبوع الأول من عام 1952، رزقت عائشة بطفلها الأول والوحيد، فسماه والده «حمد». وبعد ثلاثة أيام رحلت الأم، ليبدأ الطفل حياته في كنف جدته، حاملا فقدا مبكرا، وحكاية سراج لم يكن أحد يعرف يومها إلى أي أفق سيمتد ضوؤه. كبر ذلك الطفل ليصبح الأمير السابع لدولة قطر، صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، باني نهضة هذا الوطن العزيز.
روى هذه الحكاية أمام الحضور السيد سعد بن محمد الرميحي، رئيس مجلس إدارة المركز القطري للصحافة، خلال حفل «شخصيات معاصرة» في نسخته الثانية. ولم تكن رواية عابرة، فقد جاءت ممن عمل خمسة عشر عاما سكرتيرا لسمو الأمير الوالد لشؤون المتابعة.
غير أن ما بقي عالقا في ذهني لم يكن التفسير وحده، بل الصورة نفسها. فالسراج في الرؤيا لم يفتح باب قصر، ولم يكشف عرشا، بل أضاء روضة. ولعل هنا يكمن المعنى الذي لم ينتبه إليه كثيرون: أن شأن ذلك الطفل لم يكن في الكرسي الذي سيبلغه يوما، بل في الأرض التي ستزهر في عهده.
الرؤى وحدها لا تبني الدول، والأحلام لا تكتب الدساتير، ولا تستخرج الغاز، ولا تفتح الجامعات. لكن بعض الصور لا تفصح عن معناها إلا بعد أن يمضي التاريخ بعيدا. وحين تولى الأمير الوالد مقاليد الحكم في يونيو 1995، لم تكن قطر في حاجة إلى من يرى ما تحت أرضها فقط، بل إلى من يتخيل ما يمكن أن تصبح عليه فوقها. كانت الثروة موجودة، لكن تحويلها إلى قرار مستقل، وتعليم، ومؤسسات، وكرامة اجتماعية، وحضور سياسي لا يقاس بحجم الخريطة، كان الامتحان الحقيقي.
وكثيرا ما تختصر قراءة تلك المرحلة في الأبراج والغاز والأرقام. وهذه كلها حقائق، لكنها ليست الحقيقة كاملة. فالنهضة الأعمق حدثت حين تغير شعور المواطن بدولته، وحين أصبحت الثروة وسيلة لرفع الإنسان، لا واجهة لاستعراض الغنى، وحين اتسعت مساحة التعليم، وتقدمت الرعاية الاجتماعية، وصار للدولة دستور دائم ومؤسسات تحملها إلى ما بعد الأشخاص. هنا لم تعد قطر مجرد بلد يملك موردا ضخما، أصبحت دولة تعرف ماذا تريد، وتملك الجرأة على أن تقول ذلك بصوتها.
لكن القائد لا يختبر فقط في قدرته على صنع مرحلة، بل في قدرته على ألا يحبس الدولة داخلها، وهو ما فعله يوم 25 يونيو 2013، حين سلم مقاليد الحكم إلى نجله صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، في خطوة وصفها سمو الأمير في خطاب توليه الحكم بأنها «فريدة، بل غير مسبوقة»، إذ غادر سدة الحكم طوعا وهو في تمام صحته وحضوره، والدولة في ذروة صعودها.
ولم يكن القرار عابرا، بل رؤية سبقتها بسنوات. ففي حديث لصحيفة «فايننشال تايمز» عام 2010، أشار الأمير الوالد، رحمه الله، إلى أن معظم ملفات الدولة باتت في يد ولي عهده، وأن نجله كان يعمل في الظل وبهدوء. كان يرى ما لم يره كثيرون: أن الدولة التي تقوم على رجل واحد تبقى رهينة عمره، وأن أخطر ما يواجه مشروعا ناجحا أن يبقى أسير من أطلقه. لذلك لم يكن السؤال متى يترك الحكم، بل متى يصبح انتقاله ضمانا لاستمرار الدولة؟ لم يكن ذلك انسحابا من التاريخ، بل تأكيد على أن ما بني لم يكن ملكا لبانيه، وإنما وطنا قادرا على دخول زمن جديد. وقد أثبتت السنوات التالية أن ما أسسه الأمير الوالد وجد قيادة تبني عليه برؤيتها الخاصة وقراراتها المستقلة.
اليوم ونحن نودع الأمير الوالد، لا تستعيد قطر سيرة أمير قادها فحسب، بل تستعيد اللحظة التي بدأت فيها ترى نفسها بصورة مختلفة، ويعود معها وجدان الوطن إلى أم لم تر ابنها يكبر، ولم تعش لترى الروضة التي رأتها في منامها تغدو وطنا يزهر على يديه.
إنه الرجل الذي جعل الطموح جزءا من هوية البلد، ثم عرف متى يسلم الراية كي تستمر الدولة، ولا يتوقف مستقبلها عند اسم واحد مهما كان كبيرا.
قيل لعائشة بنت حمد العطية إن طفلها سيكون له مستقبل كبير في هذا البلد. وبعد أكثر من سبعة عقود، يبدو أن العبارة كانت أضيق من الرؤيا نفسها، فلم يكن للطفل مستقبل كبير في قطر فحسب، بل كان لقطر معه مستقبل أكبر. وربما لهذا لم ير في المنام عرشاً ينتظره، بل روضة تنتظر أن تزهر.
Instagram: @hamadaltamimiii