مفرح الشمري
لم يكن عرض «رحلة» مجرد تجربة مسرحية عابرة، بل بدا وكأنه دعوة للتأمل في معنى الطريق الذي يقطعه الإنسان، والأحلام التي يحملها معه مهما تبدلت المحطات. فعلى خشبة مسرح الاستوديو في مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي، قدم المشاركون ثمرة برنامج «بروفة رقم واحد»، ليؤكدوا أن التدريب الحقيقي قادر على صناعة عروض تنبض بالفكرة قبل الزخرفة.
وانطلق العرض من رؤية فلسفية جعلت الممثل محور الحكاية، فلا ديكورات ضخمة ولا مؤثرات تسرق الانتباه، بل حضور إنساني يعتمد على الجسد والصوت والإحساس، ليصنع عالما كاملا بخيال الفنان وقدرته على التواصل مع الجمهور.
وجاء البناء المسرحي بلغة رمزية، إذ تحولت الرحلة إلى مرآة للحياة نفسها، بكل ما فيها من انتظار وتعثر وأمل وبدايات جديدة. ومن خلال مشاهد متتابعة، عاش المتلقي مع الشخصيات انتقالاتها النفسية والوجدانية، حتى أصبح شريكا في اكتشاف المعنى، لا مجرد متفرج يجلس في مقعده.
وتنوعت أساليب الأداء بين المشاهد الفردية والثنائية والجماعية، مع توظيف الحركة والإلقاء والغناء والتعبير الجسدي في لوحات متجانسة حافظت على إيقاع العرض، وأبرزت حالة الانسجام التي وصل إليها المشاركون، وقدرتهم على توظيف أدواتهم الفنية لخدمة الفكرة.
وتنطلق حكاية العرض من داخل صالة انتظار في مطار، حيث يستعد الجميع للسفر، قبل أن يعلن إلغاء الرحلة بسبب عطل في الطائرة. لكن هذا الحدث لم يكن سوى بوابة لرحلة مختلفة، فالحقيقة التي أراد العرض قولها إن الرحلات الأهم لا تبدأ من المطارات، بل من خشبة المسرح، ومن الإنسان حين يقرر أن يواجه ذاته ويواصل السير مهما تعثر.
ويقف خلف هذه التجربة المخرج المسرحي القدير عبدالله عبدالرسول، الذي واصل من خلالها رهانه على اكتشاف الطاقات الشابة، مؤمنا بأن مستقبل المسرح يبدأ من ورشة تدريب صادقة، ومن فرصة تمنح للمواهب كي تعبر عن نفسها، وتكتب أولى خطواتها بثقة على الخشبة.
وترك «رحلة» رسالة بسيطة وعميقة في آن واحد، مفادها أن بعض الرحلات قد تتوقف قبل أن تبدأ، لكن رحلة الإنسان مع حلمه لا تعرف محطة أخيرة، فكل نهاية قد تكون بداية جديدة تستحق أن تعاش.. شكرا عبدالله عبدالرسول على جهدك في هذه «الرحلة» الإنسانية، والشكر موصول للمشاركين فيها، التي من خلالها ولد حلمهم الأول على خشبة المسرح.