مفرح الشمري
أحيانا لا نحتاج إلى أن نرى بأعيننا كي ندرك قيمة المشهد، يكفي أن نشعر بما وراءه، هذا ما حدث لي حين رأيت فاطمة السلمان للمرة الأولى على الشاشة، لم أتوقف عند كونها مذيعة كفيفة تقف أمام الكاميرا، ولم أفكر فيما قد يمنعها من أداء هذه المهمة، بل توقفت أمام سؤال واحد: كيف استطاعت امرأة لا ترى الشاشة بعينيها أن تجعلنا نحن نرى المشهد بكل هذه القوة؟
توقفت أمام إطلالتها الأولى طويلا، لأن ما رأيته لم يكن مجرد مذيعة تقدم موجزا إخباريا عبر وكالة الأنباء الكويتية (كونا)، بل كان مشهدا إنسانيا لامسني من الداخل، امرأة تقف بثبات أمام الكاميرا، تقرأ خبرها، وتمنح صوتها للحدث، وكأنها تقول لنا من دون أن تنطق بذلك صراحة: لا تقيسوا الإنسان بما فقد، بل بما استطاع أن يصنعه بما بقي له.
في تلك اللحظة، شعرت بأن كلمة «بصيرة» اكتسبت أمامي معنى جديدا، فنحن نملك البصر، ومع ذلك كم من مرة عجزنا عن رؤية الطريق! وكم من حلم رأيناه مستحيلا فتراجعنا! وكم من فرصة مرت أمام أعيننا لأننا لم نمتلك الشجاعة الكافية لنمد أيدينا إليها! أما فاطمة، فقد امتلكت شيئا ربما يفوق البصر، امتلكت إيمانا بنفسها جعلها ترى حلمها قبل أن يراه الآخرون في زمن أصبحت الصورة جزءا أساسيا من الإعلام، كان ظهورها يحمل مفارقة جميلة وعميقة وهي التي لا ترى الصورة، استطاعت أن تصنع صورة لا تنسى.
هنا شعرت بأن البصر ليس دائما هو الوسيلة التي نرى بها الحياة، فالبصر قد يرى الباب مغلقا، أما البصيرة فتبحث عن مفتاح، البصر قد يرى العقبة، أما البصيرة فتبحث عن طريق لتجاوزها، البصر قد يخبرك بما لا تستطيع فعله، أما البصيرة فتهمس لك بما تستطيع أن تكونه، ولعل هذا هو أجمل ما قدمته فاطمة في ظهورها الأول. فشكرا لأنك لم تدخلي إلى الشاشة لتطلبي منا أن نرى إعاقتك، بل جعلتنا نرى قدرتك.. وشكرا لأنك ذكرتينا بأن بعض الحواجز لا يصنعها الواقع، وإنما تصنعها نظرتنا إلى الواقع.. وشكرا لأنك جعلت من إطلالتك الأولى أكثر من ظهور إعلامي، جعلتها لحظة تأمل، ولحظة فخر، ورسالة لكل من ظن يوما أن حلمه أكبر من قدرته..
شكرا فاطمة.. وصل الدرس.