تشهد أسواق الذهب حالة من الترقب والتذبذب، في ظل تداخل مجموعة من العوامل الاقتصادية والنقدية التي تتحكم في حركة المعدن الأصفر، وفي مقدمتها اتجاه الدولار الأميركي، وقرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وتوقعات التضخم، إلى جانب استمرار الطلب على أصول الملاذ الآمن في بيئة عالمية تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين.
وكان الذهب يتحرك خلال الفترة السابقة ضمن نطاق سعري يتراوح بين 4000 و4300 دولار، قبل أن تدفع موجة ضعف الدولار الأميركي المعدن الأصفر إلى تسجيل تحركات صعودية، مستفيدا من العلاقة العكسية التي تربط أداءه بالعملة الأميركية.
وتترقب الأسواق ما ستسفر عنه اجتماعات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، في وقت لا تبدو فيه المؤشرات الاقتصادية الصادرة حتى الآن مشجعة بالكامل، وهو ما يفرض ضغوطا على الدولار ويدعم جاذبية الذهب، خصوصا مع إعادة تقييم المستثمرين لمسار السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة.
ورغم استفادة الذهب عادة من تراجع الدولار، فإن عمليات جني الأرباح تظل أحد العوامل المؤثرة في تحركات السوق، بما يفسر جانبا من حالة التردد والتذبذب التي يشهدها المعدن حاليا، ويجعل مساره الصاعد عرضة لتحركات متقلبة على المدى القصير.
ولا يزال الذهب يمتلك مجالا لتحقيق مزيد من المكاسب، إلا أن استمرار الاتجاه الصاعد لا يعني بالضرورة أن يكون المسار سهلا أو متواصلا، خصوصا في ظل حالة عدم اليقين التي تهيمن على الاقتصاد العالمي وضعف الرؤية تجاه عدد من الملفات الاقتصادية والنقدية الرئيسية. وتضع هذه البيئة المستثمرين أمام سوق شديدة الحساسية للمتغيرات، إذ باتت حركة العملات والسياسات النقدية وبيانات التضخم والنمو من المحركات الرئيسية لقرارات الاستثمار، فيما يظل الذهب من أكثر الأصول تأثرا بهذه التطورات ومراقبة لها.
وتبرز ثلاثة عوامل رئيسية تدعم احتمالات استمرار الاتجاه الصاعد لأسعار الذهب، يتمثل أولها في توقعات عودة الضغوط التضخمية، في ظل المكانة التقليدية للمعدن الأصفر كإحدى أدوات التحوط من التضخم والمحافظة على القيمة.
أما العامل الثاني، فيرتبط بتوقعات استمرار ضعف الدولار الأميركي خلال الفترة المقبلة، وهو ما من شأنه تعزيز جاذبية الذهب، بينما يتمثل العامل الثالث في عنصر الأمان، مع اتجاه المستثمرين عادة إلى المعدن الأصفر عند تراجع قيمة العملات وارتفاع مستويات عدم اليقين والمخاطر الاقتصادية. وحافظ الذهب تاريخيا على مكانته كملاذ آمن لدى الأفراد والمؤسسات والبنوك المركزية، فيما يعكس استمرار البنوك المركزية حول العالم في شراء المعدن بكميات كبيرة تمسكها بالذهب كأحد مكونات الاحتياطيات وأداة لتنويع الأصول.
وفي المقابل، تختلف طبيعة العوامل المحركة لأسعار الفضة عن تلك المؤثرة في الذهب، فبينما يرتبط الذهب بصورة وثيقة بحركة العملات والسياسات النقدية والطلب على الملاذات الآمنة، تعتمد الفضة بدرجة أكبر على الطلب الصناعي، ما يجعل أداءها مرتبطا كذلك باتجاهات النشاط الاقتصادي والصناعي.
وقد تستفيد الفضة خلال الفترة المقبلة من تحسن الطلب الصناعي، بما يمكنها من استعادة جزء من مكاسبها، إلا أن العودة إلى المستويات المرتفعة السابقة قد تحتاج إلى فترة زمنية أطول، في ظل اختلاف طبيعة الطلب عليها والعوامل التي تتحكم في تسعيرها مقارنة بالذهب. وبذلك، تبقى تحركات الذهب خلال المرحلة المقبلة رهينة مزيج من اتجاه الدولار وقرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي وتطورات التضخم ومستويات عدم اليقين، فيما تظل التقلبات جزءا أساسيا من المشهد حتى مع احتفاظ المعدن الأصفر بعوامل داعمة لمساره الصاعد على المدى الأبعد.