- الرؤية حق للطفل وليست وسيلة للمخاصمة.. والتعامل مع المحضون يتطلب وعياً قانونياً ومهنياً
- محاضر الرؤية يجب أن تقتصر على إثبات الوقائع والآثار الظاهرة دون تشخيص أو اتهام
عبدالكريم أحمد
نظّمت وزارة العدل صباح أمس برنامجا تدريبيا لتأهيل موظفي مراكز رؤية الأطفال المحضونين في معهد الكويت للدراسات القضائية والقانونية، تحدث فيه رئيس النيابة بالنيابة الكلية عبدالله الملا، بمشاركة عدد من رؤساء وموظفي المراكز، وتناول البرنامج الجانب التشريعي للطفل في مراكز الرؤية، وما يرتبط به من أحكام وقواعد تنظيمية وإجراءات عملية، بهدف تزويد العاملين بالمعلومات القانونية والإجرائية اللازمة لأداء مهامهم.
وقال الملا، خلال البرنامج التدريبي، إن الطفل قد يحضر إلى المركز مترددا في تنفيذ الرؤية، أو متأثرا بالنزاع بين والديه، أو يتأخر عن الموعد، وقد يمتد الأمر إلى امتناعه عن رؤية ذويه، مؤكدا أن الرؤية ليست مجرد إجراء لتبادل الطفل بين الأطراف، وإنما ترتبط باستقراره الأسري وسلامته، وتقتضي حسن التعامل مع مختلف الحالات ودقة توثيق الإجراءات ورفع ما يطرأ من إشكالات إلى الجهة المختصة، مشيرا إلى أن مراكز الرؤية أنشئت بموجب قانون محكمة الأسرة 12 لسنة 2015، ونظم القرار الوزاري 117 لسنة 2016 شؤونها والعمل بها، موضحا أن الغاية منها لا تقتصر على تنفيذ أحكام وأوامر الرؤية والتسليم، وإنما تشمل تحقيق التعاطف والتآلف الأسري وصلة الأرحام وتوفير الأمان والطمأنينة والسكينة للطفل وذويه.
وأوضح أن مراكز الرؤية أصبحت تتبع الإدارة العامة للتنفيذ بعد إعادة تنظيم الهيكل التنظيمي لوزارة العدل بموجب القرار 762 لسنة 2025، فيما تضطلع إدارة الاستشارات الأسرية بدور مساند من خلال تهيئة الأجواء النفسية والاجتماعية الملائمة، وعقد المقابلات التوجيهية، والمساهمة في تسوية النزاع وديا، والتنسيق بشأن الحالات التي تحتاج إلى تدخل متخصص، مشددا على أهمية تهيئة المراكز بما يتناسب مع طبيعة عملها، من خلال توفير أماكن لعب وقراءة واستراحات مناسبة، وإسعافات أولية، وأماكن انتظار ملائمة، وتقليل مواجهة الأطراف المتنازعة أمام الطفل، والمحافظة على النظافة والسلامة وحماية خصوصية الطفل والأسرة.
وبين أن العمل داخل المراكز يقوم على تكامل أدوار رئيس المركز ونائبه ومأمور التنفيذ والباحثين الاجتماعيين والنفسيين والاستشاريين والموظفين الإداريين ورجال الشرطة عند الحاجة.
لا للمخاصمة
وتناول الملا خلال البرنامج التدريبي مفهوم الحضانة والرؤية، موضحا أن الحضانة تتصل بحفظ الطفل وتربيته ورعايته والقيام بشؤونه، بينما تختلف عن الولاية على النفس التي تتصل بتعهد الصغير وتوجيهه ورعاية شؤونه في الحدود التي يقررها القانون، مبينا أن انتهاء الولاية على النفس لا يعني انتهاء الحماية المقررة للطفل، إذ يظل وفق القانون حتى بلوغ الثامنة عشرة، وتستمر حقوقه في الحماية والرعاية والاستماع إلى رأيه في المسائل المتعلقة به.
وأوضح أن الرؤية هي تمكين صاحب الحق من لقاء المحضون في الموعد والمكان والطريقة المبينة بالسند التنفيذي، وأن قانون الأحوال الشخصية نظم حق الرؤية للأبوين والأجداد، مؤكدا أن الغاية منها تتجاوز مجرد اللقاء إلى استمرار صلة الطفل بوالديه وتعزيز التآلف الأسري ودعم إحساسه بالأمان والانتماء وتقليل آثار الانفصال والنزاع عليه، وأن الرؤية حق للطفل أيضا، ومصلحته يجب أن تكون حاضرة عند تنظيمها وتنفيذها، منوها إلى أن مركز الرؤية لا يفترض أن يكون المكان المعتاد للرؤية في جميع الأحوال، إذ يستحسن متى أمكن أن تتم في بيئة مألوفة وآمنة للمحضون.
وذكر أن موظف المركز ملتزم بما ورد في السند التنفيذي، الذي يجب أن تتضح فيه بيانات صاحب الحق والحاضن والمكلف بإحضار المحضون وأسماء المحضونين ونوع التنفيذ ومكانه وموعده ومدته، مشددا على أهمية تحرير محاضر الرؤية بصورة دقيقة ومحايدة، بحيث يقتصر المحضر على الوقائع التي شاهدها الموظف أو سمعها مباشرة، دون تشخيص أو تكييف أو اتهام، مع إثبات أسماء الحاضرين والمتخلفين وأوقات الحضور والانتظار وسلوك الطفل الظاهر والإجراء الذي اتخذه الموظف والجهة التي تم إخطارها ووقت الإخطار وسبب تعذر التنفيذ، إن وجد.
وفيما يتعلق بالإصابات الظاهرة على الطفل، أوضح أن الموظف يثبت موضع الإصابة ومظهرها ووقت ملاحظتها، لكنه لا يفحص الطفل طبيا ولا يحدد سبب الإصابة أو مرتكبها، فقد تكون نتيجة حادث أو حالة طبية أو واقعة سابقة أو إهمال أو اعتداء، ويظل تحديد ذلك من اختصاص الجهات الطبية والتحقيقية المختصة.
الانتقال إلى الحماية
وبين أن بعض الحالات تبدأ كإشكال في تنفيذ الرؤية ثم تظهر خلالها مؤشرات تستوجب الانتقال إلى مسار حماية الطفل، ومن بينها وجود إصابة ظاهرة تثير مخاوف جدية على سلامته، أو إفصاح الطفل عن تعرضه لاعتداء أو إساءة، أو ورود شكوى رسمية، أو حدوث تهديد مباشر داخل المركز، أو محاولة أخذه بالقوة، أو تركه دون رعاية، أو في حالة صحية أو معيشية تعرضه للخطر.
وأكد أن التعامل مع هذه المؤشرات يبدأ بتأمين الطفل والحاضرين عند وجود خطر عاجل، وإثبات ما شوهد أو سمع دون تشخيص أو اتهام، وإخطار المسؤول المختص واتباع إجراءات حماية الطفل أو التبليغ المقررة.
العنف الأسري
كما تناول صلة مراكز الرؤية بالحماية من العنف الأسري، موضحا أن رابطة الحضانة تدخل ضمن مفهوم أفراد الأسرة في المرسوم بقانون 11 لسنة 2026، بما يعني أن بعض الوقائع التي تقع بين أطراف يرتبطون بالحضانة قد تدخل في نطاق العنف الأسري، مشيرا إلى أن البلاغ عن العنف الأسري يمكن أن يقدم إلى إدارة مراكز الحماية في المجلس الأعلى لشؤون الأسرة أو مخفر الشرطة أو النيابة العامة، وأن القانون أوجب على من شاهد أو علم بوجود حالة عنف أسري أن يبلغ الجهات المختصة مع المحافظة على السرية، وتتأكد أهمية ذلك إذا تعلقت الواقعة بطفل.
ولفت إلى ان أمر الحماية، قد يتضمن منع التعرض للمعتدى عليه أو الاتصال به أو إخراج المعتدي من محل الإقامة أو تحديد مسكن بديل أو تقرير نفقة مؤقتة أو تكاليف العلاج أو فرض حراسة شرطية عند الضرورة، وأن وجود أمر حماية لا يعني تلقائيا وقف الرؤية، وإنما يتوقف أثره على الأشخاص والتدابير المشمولة به، فإذا كان الأمر يمنع الاتصال بالمحضون نفسه فقد ينشأ تعارض مباشر مع تنفيذ الرؤية، أما إذا كان يمنع الاتصال بالحاضن دون المحضون فقد تحتاج عملية التسليم إلى تنظيم يمنع الاتصال المباشر.
تطوير الخدمات
وفي جانب تطوير خدمات مراكز الرؤية، أشار الملا إلى أهمية تطوير قاعات الرؤية بما يناسب الأعمار المختلفة وتوفير مساحات للعب والقراءة والأنشطة الهادئة وتقليل الاحتكاك بين الحاضن وصاحب الحق وتخصيص أماكن استقبال وانتظار منفصلة عند الحاجة ومراعاة الأطفال ذوي الإعاقة وتوفير أدوات السلامة والإسعافات الأولية.
ولفت إلى ضرورة توحيد الإجراءات والنماذج بين المراكز، وتحديث الأدلة الإرشادية، وتوحيد نماذج التسلم والتسليم وإثبات الحالات، وتوفير قوائم مراجعة لكل مرحلة من مراحل التنفيذ، إلى جانب التدريب المستمر للعاملين على قراءة السند التنفيذي وتحرير المحاضر بحياد والتمييز بين الوقائع والتكييف القانوني أو النفسي والتعامل مع المواقف المتوترة ومؤشرات الخطر، مؤكدا أهمية توفير بيئة عمل آمنة للعاملين في المراكز وحمايتهم من الإهانة والتهديد والاعتداء، مع إعطاء سلامة الطفل والحاضرين الأولوية عند وقوع أي حادث، وطلب الدعم الأمني عند الحاجة وإثبات الواقعة ورفعها إلى الجهة المختصة.
تنفيذ الأحكام
وفي الجانب القضائي، تناولت المادة التدريبية مقترحات لضمان فاعلية تنفيذ أحكام الرؤية والحد من الامتناع المتعمد أو التعطيل المتكرر، مع عدم تحويل التنفيذ إلى وسيلة ضغط تضر بالمحضون، ومن بينها دراسة وسائل قضائية متدرجة لحمل الممتنع على التنفيذ، وتنظيم الأثر القضائي لتكرار تخلف صاحب الحق عن الرؤية دون عذر معتبر.
وخلص البرنامج إلى أن حسن تنفيذ أحكام الرؤية لا يتحقق بالإجراءات وحدها، وإنما يتطلب وعيا قانونيا ومهنيا يوازن بين مقتضى السند التنفيذي وخصوصية النزاع الأسري، ويجعل من مصلحة الطفل وحمايته أساسا للعمل داخل مراكز الرؤية، مع التأكيد على أهمية التوثيق المحايد والسرية وهدوء المركز وسلامة الطفل والموظف.
رؤية ذوي الإعاقة
أثار عدد من موظفي مراكز الرؤية تحديات تتعلق بالتعامل مع بعض الحالات الخاصة وذوي الإعاقة، في ظل عدم تهيئة بعض المراكز بالشكل الذي يتناسب مع احتياجاتهم.
وطرح الموظفون وقائع لأطفال يعانون من التوحد الشديد وحاجتهم إلى فترة رؤية طويلة داخل المركز، بما يتطلب بيئة وتجهيزات وآلية تعامل مختلفة تتناسب مع حالته، مشيرين إلى حالات أخرى قد يصاحب حضورها إلى المركز سلوكيات تتسبب في إتلاف بعض الممتلكات وإحداث ضوضاء واضطراب يؤثر في سير العمل وبقية الحالات الموجودة، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول مدى ملاءمة المراكز الحالية لاستيعاب هذه الحالات.
ودعا الموظفون إلى بحث إمكانية تخصيص مركز مستقل للرؤية للحالات الخاصة وذوي الهمم، يكون مجهزا بصورة تتناسب مع احتياجاتهم، ويوفر البيئة الملائمة لتنفيذ الرؤية دون التأثير في سير العمل بالمراكز الأخرى أو تعريض الطفل أو العاملين لضغوط إضافية.
تأخر الحاضن
شدد الملا خلال البرنامج التدريبي على أهمية تنفيذ الرؤية خلال ساعات العمل المحددة، مبينا أنه عند تأخر الحاضن على تسلم المحضون بعد انتهاء الرؤية، ينبغي إخلاء مسؤولية صاحب الحق في الرؤية بهدف حمايته قانونا.
رفض المحضون
ذكر الملا أن رفض المحضون للرؤية قد يعوق تنفيذها، إلا أنه لا يعني تعطيل حق الرؤية، وإنما يستلزم السعي قدر الإمكان إلى تهيئة المحضون وتيسير تنفيذ الرؤية بما يراعي مصلحته، من خلال اتخاذ الإجراءات المناسبة والاستعانة بالباحث النفسي في المركز أو بالاختصاصي أو الاستشاري المختص في إدارة الاستشارات الأسرية.