في الحروب، ليست الصواريخ وحدها هي السلاح الحاسم، بل قد تكون عقارب الساعة أشد أثرا منها. فهناك دول تقاتل لكسب الأرض، وأخرى تقاتل لكسب الوقت، بينما توجد أنظمة تدرك أن مرور الوقت نفسه هو أكبر خصومها. ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من السلوك الإيراني في كل جولة تصعيد تشهدها المنطقة.
فالولايات المتحدة، منذ سنوات، قد لا تبدو معنية بخوض حرب شاملة مع إيران بقدر ما تسعى إلى إدارة الصراع وإبقائه تحت السيطرة. وإذا كانت الضربات العسكرية قد أبطأت البرنامج النووي الإيراني وألحقت بمنشآته خسائر كبيرة، فإن أي هدنة طويلة لا تنتهي باتفاق شامل تمنح واشنطن مكسبا إضافيا، إذ تجمد الواقع عند نقطة تراها أكثر ملاءمة لها، فيما تستمر العقوبات في استنزاف الاقتصاد الإيراني عاما بعد عام.
أما في طهران، فتدق الساعة بإيقاع مختلف. فالهدنة المؤقتة، ما لم تتضمن رفعا حقيقيا للعقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة، لا تنظر إليها كفرصة للتهدئة، بل كمرحلة يتواصل خلالها الاستنزاف الاقتصادي وتتزايد الضغوط الاجتماعية. ولذلك، فإن الزمن بالنسبة للنظام الإيراني ليس عاملا محايدا، بل خصم يهدد تماسكه الداخلي. ومن هنا يمكن تفسير ميل طهران إلى إفشال الهدن وتعيد إعادة إشعال التوتر كلما شعرت بأن الأزمة بدأت تفقد زخمها.
لكن الأخطر من ذلك أن إيران لا تسمح بأن تبقى المواجهة محصورة بينها وبين الولايات المتحدة. فإذا توقفت الضربات الأميركية المباشرة، أو انخفض مستوى التصعيد العسكري، لا يعني ذلك أن المنطقة دخلت مرحلة هدوء، بل تنقل ايران المواجهة إلى ساحات أخرى عبر الميليشيات الإرهابية المرتبطة بها. فالصواريخ والطائرات المسيرة التي تنطلق من العراق أو اليمن لا تقرأ بمعزل عن المشهد الأشمل، بل باعتبارها امتدادا لأدوات الضغط الإيرانية عندما يصبح الرد المباشر أكثر كلفة.
وهنا تدفع دول الخليج ثمنا لا يخصها. فبدلا من أن يبقى الاشتباك بين واشنطن وطهران، تتحول المدن الخليجية، ومنشآت الطاقة، والممرات البحرية، إلى ساحات لتبادل الرسائل. وهذه ليست سياسة دفاع عن النفس، بل توسيع متعمد لدائرة الخطر، واستخدام لاستقرار المنطقة ورخاء شعوبها كورقة مساومة في معركة تفاوضية.
ومن يتابع السلوك الإيراني يلاحظ أنه يقوم على مبدأ ثابت وهو «لا يجوز أن تنفد أوراق الضغط» فإذا تراجعت فاعلية البرنامج النووي تحت وطأة الضربات والعقوبات، ارتفعت قيمة مضيق هرمز. وإذا سعت دول الخليج إلى تقليل اعتمادها على هرمز عبر خطوط تصدير بديلة، انتقلت الضغوط إلى باب المندب والبحر الأحمر من خلال جماعة الحوثي الإرهابية. وإذا هدأت المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة، عادت الميليشيات الإرهابية المرتبطة بالحرس الثوري في العراق لتصعيد التهديدات واستهداف المصالح والقواعد أو تهديد أمن الخليج، ليبقى التصعيد قائما وإن تبدلت ساحاته.
إنها ليست استراتيجية تبحث عن حرب شاملة، ولا عن سلام دائم، بل عن أزمة دائمة يمكن التحكم بدرجة اشتعالها. فكلما فقدت طهران ورقة ضغط، سارعت إلى إنتاج أخرى. وإذا خفت التوتر في جبهة، اشتعلت جبهة ثانية. إنها لا تسمح للأزمة بأن تنتهي، لأن انتهاءها يعني تراجع القيمة التفاوضية لأوراقها.
وهنا تكمن الإدانة الحقيقية لهذا النهج، فهو لا يتعامل مع أمن المنطقة باعتباره مسؤولية مشتركة أو التزاما بقواعد حسن الجوار، بل يحوله إلى أداة ابتزاز سياسي. فلا أمن الملاحة الدولية، ولا استقرار أسواق الطاقة، ولا سلامة المدن الخليجية، ينبغي أن تبقى رهينة لحسابات تفاوضية أو وسيلة لتحسين شروط أي طرف على طاولة المفاوضات.
لذلك، فإن قراءة المشهد باعتباره صراعا حول البرنامج النووي وحده تبدو قراءة ناقصة. فالقضية في جوهرها تتعلق بمن يمتلك القدرة على التحكم في الزمن والجغرافيا معا. واشنطن تراهن على أن مرور الوقت سيضعف إيران تدريجيا، بينما تراهن طهران على أن تهديد المضائق، وتفعيل الأذرع المسلحة، وإبقاء المنطقة في حالة توتر مستمر، سيجعل العالم أقل قدرة على انتظار نتائج سياسة الاستنزاف.
ختاما: قد لا يكون هرمز أو باب المندب هو الهدف الحقيقي، بل إن الهدف هو إبقاء المنطقة بأكملها رهينة معادلة واحدة: كلما ضاقت الخيارات أمام طهران، اتسعت رقعة الأزمة. وكلما اقتربت المنطقة من الهدوء، أعيد إشعال بؤرة جديدة، لأن بعض الأنظمة لا تتغذى على السلام، بل على إدارة الأزمات، حتى يصبح أمن الخليج واستقرار التجارة العالمية مجرد أوراق تفاوض تحرك كلما احتاجت إلى تحسين موقعها على الطاولة!