قال تقرير قيادة الفكر الصادر عن شركة الوطني للثروات، حول الاستثمار في البنية التحتية: بناء المرونة لمواجهة تقلبات الأسواق، إن البنية التحتية تعد فئة أصول مميزة تجمع بين خصائص النمو والدخل الثابت، وتكمن جاذبيتها الرئيسية في قدرتها على توفير خدمات أساسية وحيوية تولد إيرادات مستقرة وعوائد مرنة عبر مختلف مراحل الدورة الاقتصادية، مما يجعلها أداة فعالة لتعزيز تنويع المحافظ الاستثمارية، بدلا من الاقتصار على دورها كمصدر للدخل أو النمو فقط.
وذكر التقرير أن البنية التحتية تشمل مجموعة من الأصول المادية الأساسية، مثل مرافق النقل، وشبكات الطاقة، والبنية التحتية الرقمية، التي تشكل دعامة رئيسية للنشاط الاقتصادي، نظرا للطلب الدائم والمستمر على هذه الخدمات، وتتمتع هذه الأصول بخصائص دفاعية تمنحها قدرة على الصمود في وجه فترات التباطؤ الاقتصادي وتقلبات الأسواق.
وغالبا ما تعمل أصول البنية التحتية ضمن أطر تنظيمية واضحة أو بموجب عقود طويلة الأجل، ما يسهم في توفير تدفقات نقدية مستقرة وقابلة للتنبؤ على مدى فترات زمنية طويلة، كما توفر هذه الأصول مستوى من الحماية ضد التضخم، إذ تتيح العديد من الهياكل التعاقدية تعديل الرسوم أو الإيرادات بما يتماشى مع ارتفاع الأسعار.
ورغم تفاوت مستويات المخاطر والعوائد بين القطاعات الفرعية المختلفة، ينظر المستثمرون إلى البنية التحتية في المقام الأول باعتبارها وسيلة لتحقيق عوائد مستقرة وتوفير تدفقات دخل موثوقة على المدى الطويل.
ولفت التقرير إلى أنه بعد أن كان التركيز التقليدي ينصب على الأصول الاقتصادية، توسع سوق البنية التحتية الحديث ليشمل ستة قطاعات فرعية رئيسية هي: المرافق الخاضعة للتنظيم، وامتيازات النقل، والبنية التحتية الرقمية، والخدمات اللوجستية للطاقة، والبنية التحتية الاجتماعية، والمرافق البيئية. وتختلف هذه القطاعات في طبيعة عقودها، وطبيعة أسواقها، ومدى تعرضها لأسعار السلع الأساسية، إضافة إلى الأطر التنظيمية التي تحكمها، لذلك يقيم المستثمرون كل قطاع وفق مجموعة من العوامل، أبرزها استقرار التدفقات النقدية وقابليتها للتنبؤ، وقدرته على مواكبة التضخم، ومدى تأثره بتغيرات أسعار الفائدة.
وتلعب طبيعة الأصول دورا محوريا في تحديد مستوى المخاطر والاستقرار، فالقطاعات ذات الطابع الدفاعي، مثل المرافق الخاضعة للتنظيم، والبنية التحتية الاجتماعية، والمرافق البيئية، تستند عادة إلى دعم حكومي أو عقود طويلة الأجل قائمة على مدفوعات التوافر، مما يقلل من مخاطر تقلب الطلب ويعزز استقرار الإيرادات.
في المقابل، ترتبط القطاعات الاقتصادية، مثل النقل، والبنية التحتية الرقمية، والخدمات اللوجستية للطاقة، بشكل أوثق بمستويات النشاط الاقتصادي، إذ تعتمد إيراداتها بصورة مباشرة على أحجام التجارة، ومعدلات الاستخدام، وفي بعض الحالات على أسعار السلع الأساسية، ما يجعل أداءها أكثر ارتباطا بدورات النمو الاقتصادي وتقلبات السوق.
المحركات والسمات الرئيسية للاستثمار
1 ـ التدفقات النقدية المستقرة، إذ توفر استثمارات البنية التحتية تدفقات إيرادات مستقرة وقابلة للتنبؤ، مستندة إلى عقود طويلة الأجل، وأطر تنظيمية واضحة، أو خصائص احتكارية طبيعية تحد من المنافسة، وتسهم هذه السمات في دعم استقرار الدخل والحفاظ على رأس المال.
2 ـ الحماية من التضخم، إذ توفر البنية التحتية مستوى قويا من الحماية ضد التضخم، وغالبا ما تتفوق في هذا الجانب على أدوات الدخل الثابت التقليدية، ويعود ذلك إلى ارتباط العديد من الرسوم والتعريفات بمؤشرات الأسعار، أو إلى وجود آليات تعاقدية تسمح بإعادة تسعير الخدمات بشكل دوري أو تمرير الزيادات في التكاليف إلى المستخدمين.
3 ـ المرونة عبر دورات السوق، تتمتع استثمارات البنية التحتية بقدرة ملحوظة على الصمود خلال فترات التباطؤ الاقتصادي، نظرا لاستمرار الطلب على الخدمات الأساسية التي توفرها بغض النظر عن الظروف الاقتصادية. كما أن محدودية ارتباطها بالإنفاق الاستهلاكي تجعل أداءها أقل عرضة للتراجع الحاد خلال فترات الانكماش مقارنة بالعديد من فئات الأصول الأخرى.
4 ـ نمو رأس المال والطلب الهيكلي طويل الأجل
تجمع استثمارات البنية التحتية الخاصة بين إمكانات النمو المرتبطة بالأسهم والخصائص الدفاعية المرتبطة بأدوات الدخل الثابت، مدعومة بتدفقات نقدية مستقرة وقابلة للتنبؤ، ومستوى جيد من الحماية ضد التضخم، وحساسية أقل نسبيا للتقلبات الاقتصادية.
وقد أثبتت هذه الفئة من الأصول جاذبيتها خلال العقد الماضي، حيث تفوقت على معظم فئات الأصول الرئيسية باستثناء الأسهم، كما أظهرت قدرة على تحقيق عوائد إيجابية خلال فترات رئيسية من التباطؤ الاقتصادي.
وفي الوقت نفسه، تمثل الاتجاهات الهيكلية طويلة الأجل، مثل التحول في قطاع الطاقة، والتوسع المتسارع في البنية التحتية الرقمية، وتطوير مرافق البنية التحتية الاجتماعية، محركات نمو رئيسية من المتوقع أن تدعم الطلب الاستثماري على هذا القطاع خلال السنوات المقبلة.
ويتطلب الاستثمار في البنية التحتية الموازنة بين سيولة الأسواق وإمكانية الوصول إلى الأصول من جهة، ومستوى التحكم المباشر بالأصول من جهة أخرى. فعلى الرغم من أن الأدوات الاستثمارية المدرجة والخاصة تستهدف في الأساس القطاعات نفسها، فإن اختلاف هياكلها الاستثمارية ينعكس على مستويات التقلب وأدوارها داخل المحفظة.
ولذلك، يعد اختيار الهيكل الاستثماري المناسب قرارا أساسيا، إذ يؤثر بصورة مباشرة في قدرة المستثمر على إدارة تقلبات الأسعار، والحد من مخاطر التركز، والاستفادة من خصائص التحوط ضد التضخم، وتعزيز التنويع عبر مختلف مراحل الدورة الاقتصادية.
ويتطلب الاستثمار في البنية التحتية اتخاذ قرار مهم بشأن آلية الوصول إلى هذه الفئة من الأصول، بما يوازن بين سيولة السوق ومستوى التعرض المباشر للأصول الأساسية، فعلى الرغم من أن الأدوات المدرجة في الأسواق العامة والاستثمارات الخاصة تستهدف في كثير من الأحيان القطاعات نفسها، فإن الاختلاف في هياكلها الاستثمارية يؤدي إلى تباين واضح في مستويات التقلب وطبيعة دورها داخل المحافظ الاستثمارية.
ويؤثر هذا الاختيار الهيكلي بشكل مباشر في قدرة المستثمر على إدارة مجموعة من المخاطر والعوامل الاستثمارية، بما في ذلك تقلبات الأسعار، ومخاطر التركز، ومستوى الحماية من التضخم، فضلا عن تحقيق التنويع عبر مختلف مراحل ودورات السوق.