المال إذا خرج من اليد انتهت وظيفته عند المعطي، وبدأت رحلته عند المعطى. ومن هنا يظهر الفرق بين متبرع يسأل: كم أعطيت؟ وآخر يسأل: ماذا بقي مما أعطيت؟ الأول يشتري راحة ضمير عاجلة، والثاني يشتري أثرا يمتد.
وليس في هذا انتقاص من العطاء العاجل، فالجائع لا يقال له انتظر حتى نبني لك مصنعا. لكن الإغاثة باب يفتح عند الاضطرار ويغلق عند زواله، فإن ظل مفتوحا دهرا صار المعروف نفسه سببا في بقاء الحاجة.
وإن التبرع الذكي أن تنظر إلى ما وراء اللحظة: فأن تطعم أسرة شهرا إحسان، وأن تعلم عائلها حرفة يقتات بها العمر إحسان أبقى. وأن تحفر بئرا خير، وأن تترك معها من يصلحها إذا تعطلت خير أتم. والفرق بين الاثنين ليس في مقدار المال، بل في مقدار التفكير الذي رافقه.
ولهذا كان الوقف أعلى مراتب هذا الفهم: مال حبس أصله وسبلت ثمرته، فلا يفنى بالإنفاق بل يتوالد. وقد حث النبي ﷺ على هذا العطاء المستدام فقال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، والصدقة الجارية هي الوقف.
وقد جسد الصحابة الكرام هذا الفهم العميق، فعندما قدم المهاجرون المدينة واستنكروا ماءها، قال النبي ﷺ: «من يشتري بئر رومة فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين؟»، فبادر عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى شرائها بماله وأوقفها لله سقاية للمسلمين، ليبقى ماؤها نابعا بالخير وشاهدا على أثر لم ينقطع عبر القرون.
ولقد عرف أسلافنا أن الصدقة العابرة تشبع مرة، وأن الوقف يشبع أجيالا، وما زالت في الكويت أعيان موقوفة منذ قرون، مات واقفوها ولم يمت عملهم.
على أن الأثر لا يقاس بالنية وحدها، بل بالطريق الذي سلكه المال. فمن واجب المتبرع أن يسأل عن الجهة قبل أن يسأل عن المشروع: أمرخصة هي؟ أتدقق حساباتها؟ أتنشر ما أنفقت كما تنشر ما جمعت؟ ومن العجيب أن يستقصي الرجل في شراء سيارة ما لا يستقصي عشره فيما يبتغي به وجه الله!
ومن الذكاء أن تدرك أن الخير لا يقوم على النية فحسب، بل على أداة تدار، فمن أبى أن ينفق فلسا من عطائه على إدارة ومتابعة ميدانية، أشبه بمن يشتري سفينة ويأبى أن يطعم ملاحيها. ومن الحصافة أيضا أن تعرف أن القليل الدائم أنفع من الكثير المتقطع، فالمشروع الذي يبنى على حماسة رمضان يتعثر في شوال.
وأدق من ذلك كله أن يحفظ في المستفيد ما هو أثمن من المال: كرامته. فيعطى في ستر، ويسأل عما يحتاج قبل أن يملى عليه ما يظن أنه يحتاجه. وكم من عطاء أصاب الجسد وجرح النفس!
ويبقى أن حساب الآخرة غير حساب الأرض، فليس التبرع الذكي بديلا عن الإخلاص، بل هو ثمرته: لأن من صدقت نيته في نفع الناس، حمله صدقه على أن يبحث عن أنفع الطرق إليهم.
فانظر أين تضع مالك، فإنه يمضي حيث لا تمضي، ويبقى حيث لا تبقى.