- العلاقات مع الكويت تشهد انتقالاً تدريجياً من الحوار السياسي التقليدي إلى تعاون اقتصادي واستثماري
- التعاون الثنائي أصبح أكثر نشاطاً ووضوحاً في مجالات الاستثمار والتجارة والأمن الغذائي والسياحة
- كازاخستان تفتح أبوابها أمام المستثمرين الكويتيين بفرص واعدة في الطاقة والصناعة والزراعة واللوجستيات
- الجانب الكويتي أبدى اهتماماً باستكشاف الفرص الاستثمارية في قطاعي الطاقة والذكاء الاصطناعي لدينا
- مستعدون لزيادة إمداد الكويت بالقمح والزيوت النباتية ولحوم الأبقار والأغنام
- نعمل على ربط الشركات والمؤسسات التنموية بالمستثمرين والبنوك الكويتية
- ندعو إلى خفض التصعيد والتسوية الديبلوماسية للنزاعات وحماية المدنيين
أجرى الحوار: أسامة دياب
وصف سفير كازاخستان لدى البلاد يرجان إيليكييف العلاقات الكويتية- الكازاخستانية بالممتازة والمتطورة، وتشهد زخما ملحوظا، وانتقالا تدريجيا من الحوار السياسي التقليدي القائم على الصداقة إلى تعاون اقتصادي واستثماري أكثر عمقا ومضمونا، مؤكدا أن الكويت تحتل مكانة مهمة في السياسة الخارجية لبلاده تجاه منطقة الخليج، وأنها تمثل شريكا موثوقا تتطلع كازاخستان إلى بناء شراكة طويلة الأمد معها تتجاوز قطاع الطاقة إلى مجالات الغذاء والصناعة واللوجستيات والتكنولوجيا.
وأعرب عن تطلع بلاده إلى تحويل مستوى الثقة السياسية المتراكم بين البلدين إلى مشاريع واستثمارات مشتركة تعود بالنفع على الجانبين، مشيرا إلى استعداد كازاخستان للمساهمة في دعم الأمن الغذائي الكويتي، لاسيما من خلال التعاون في مجالي الإنتاج والتخزين، والاستفادة من الفرص الاستثمارية الواعدة التي توفرها في قطاعات الطاقة والصناعات التحويلية والزراعة والبنية التحتية الرقمية واللوجستيات.
وأكد السفير أن كازاخستان تفتح أبوابها أمام المستثمرين الكويتيين، مستندة إلى اقتصاد يشهد نموا متسارعا، حيث بلغ معدل النمو 6.5 في المائة خلال عام 2025، فيما يستهدف الاقتصاد الوصول إلى نحو 450 مليار دولار بحلول عام 2029، لافتا إلى أن بلاده نجحت خلال العقدين الماضيين في جذب استثمارات أجنبية بلغت نحو 400 مليار دولار.
كما شدد على أهمية تعزيز الربط الجوي بين البلدين باعتباره مفتاحا لتنمية السياحة والتجارة والاستثمار، كاشفا عن بحث زيادة الرحلات وتوسيع الشحن الجوي بين الكويت وكازاخستان مع شركة «الجزيرة». وفي الشأن الإقليمي، دعا إلى خفض التصعيد واحترام القانون الدولي وحماية المدنيين في منطقة الشرق الأوسط، فيما وصف انتخابات «قورولتاي» بأنها محطة تاريخية في مسيرة التحديث السياسي والمؤسسي التي تشهدها كازاخستان، فإلى التفاصيل:
كيف تقيمون الوضع الراهن للعلاقات بين كازاخستان والكويت، وما أبرز الإنجازات التي تحققت خلال العام الماضي؟
المرحلة الحالية التي تمر بها العلاقات الكازاخستانية الكويتية هي فترة تشهد زخما ملحوظا، وانتقالا تدريجيا من الحوار السياسي التقليدي القائم على الصداقة إلى تعاون اقتصادي واستثماري أكثر عمقا ومضمونا، وخلال العام الماضي، وسعنا بشكل كبير مستوى تواصلنا وانخراطنا مع المؤسسات الحكومية والمالية والتجارية الرئيسية في الكويت، وأصبح التعاون أكثر نشاطا بصورة واضحة في مجالات الاستثمار والتجارة والأمن الغذائي والسياحة، وكان من الأولويات المهمة بالنسبة لنا تعزيز الأساس المؤسسي لعلاقاتنا الثنائية، ونحن نعمل بصورة متواصلة اليوم على تهيئة الظروف اللازمة لمواصلة توسيع نطاق التجارة والاستثمارات والاتصالات المباشرة بين مجتمعي الأعمال في البلدين، وبالتالي يمكننا القول إن العلاقات بين كازاخستان والكويت أصبحت أكثر عملية وارتكازا على النتائج، ويتمثل هدفنا في ترجمة المستوى الرفيع من الثقة السياسية التي تجمع البلدين إلى مشاريع استثمارية ملموسة، وعقود تجارية، وشراكات طويلة الأمد.
للكويت مكانة سياسية مرموقة
ما الدور الذي تؤديه الكويت في إطار انخراط كازاخستان الأوسع مع دول الخليج؟
تحتل الكويت مكانة مهمة في السياسة الخارجية لكازاخستان في منطقة الخليج، فهي دولة تتمتع بمكانة سياسية مرموقة، وإمكانات مالية كبيرة، وتقاليد راسخة في مجال الديبلوماسية المتوازنة، ونولي أهمية كبيرة لدور المؤسسات المالية الكويتية الرائدة، فكل من الهيئة العامة للاستثمار والصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية يتمتعان بخبرة دولية واسعة، ويمكن أن يصبحا شريكين مهمين في تنفيذ مشاريع البنية التحتية والاستثمار، ومؤخرا، وخلال الزيارة العملية التي قام بها رئيس صندوق الاستثمار التركي بغداد أمرييف إلى الكويت، عقدت لقاءات مع قيادتي الهيئة العامة للاستثمار والصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية، وناقشت الأطراف فرص التمويل المشترك لمشاريع البنية التحتية وغيرها من المشاريع ذات الأولوية، فيما اتفق صندوق الاستثمار التركي والصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية على إعداد مذكرة تعاون، وفي الوقت نفسه، فإن علاقاتنا مع الكويت لا تقتصر على القطاع المالي، فنحن ننظر إلى الكويت باعتبارها شريكا مهما على المستويات السياسية والاقتصادية والاستثمارية، ونقدر عاليا دورها النشط في الديبلوماسية الدولية وفي مجال المساعدات الإنمائية، وبالنسبة إلى كازاخستان، من المهم تطوير علاقات مستقلة وموضوعية مع كل دولة من دول الخليج، وفي هذا الإطار تحتل الكويت بلا شك مكانة مهمة.
أكبر اقتصاد في آسياتسعى كازاخستان إلى استقطاب المزيد من الاستثمارات من دول الخليج، فما الفرص التي توفرها البلاد للمستثمرين الكويتيين، وما الذي يميزها عن غيرها من الوجهات الاستثمارية في آسيا الوسطى؟توفر كازاخستان للمستثمرين مزيجا فريدا من المزايا، فهي صاحبة أكبر اقتصاد في آسيا الوسطى، وتتمتع بموارد طبيعية كبيرة، وقاعدة صناعية متطورة، وإمكانات زراعية واسعة، وموقع جغرافي استراتيجي يربط بين الأسواق الرئيسية في أوروبا وآسيا، وتتحدث أرقام الاقتصاد الكازاخستاني وحجم نموه عن نفسها، ففي عام 2025، بلغ الناتج المحلي الإجمالي للبلاد نحو 306 مليارات دولار، مع تسجيل نمو اقتصادي حقيقي بنسبة 6.5 في المائة، كما سجلت قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والبناء والصناعة نموا قويا، بما يعكس استمرار عملية تنويع الاقتصاد، ومن الجدير بالذكر أيضا أن كازاخستان تستحوذ على نحو 89 في المائة من مشاريع الاستثمار الأجنبي الجديدة «Greenfield Projects» في آسيا الوسطى، فيما استقطبت البلاد أكثر من 400 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة خلال العقدين الماضيين، وبالنسبة إلى المستثمرين الكويتيين، نرى فرصا واعدة في مجالات الصناعات الزراعية والغذائية، والبنية التحتية، والصناعة، والطاقة، والبنية التحتية الرقمية، فضلا عن المشاريع المرتبطة بالتنمية الشاملة للمناطق الحضرية الجديدة.
ونولي اهتماما خاصا بتطوير القطاعات غير المرتبطة بالموارد الطبيعية، فكازاخستان لا تسعى فقط إلى تصدير المواد الخام، بل إلى إقامة صناعات ذات قيمة مضافة عالية، وتوسيع الصناعات التحويلية، وبناء سلاسل قيمة تصديرية جديدة.
الزراعة والأمن الغذائي
ما القطاعات التي ترون أنها يمكن أن تصبح أكثر المجالات الواعدة للتعاون الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة؟
أود أن أركز على عدد من المجالات الرئيسية، فأولها القطاع الزراعي والصناعات الزراعية والأمن الغذائي، ويعد هذا حاليا أحد أكثر مجالات الحوار أهمية ومضمونا بين كازاخستان والكويت، ونحن نرى فرصا ليس فقط في توريد المنتجات الزراعية، بل أيضا في استثمارات كويتية في إنتاج الأغذية وتصنيعها وتخزينها في كازاخستان، أما المجال الثاني فهو الطاقة، ونرى إمكانات كبيرة للتعاون في قطاع النفط والغاز، بما في ذلك أعمال الاستكشاف والإنتاج، ومعالجة الهيدروكربونات، والصناعات البتروكيماوية، وقد أبدى الجانب الكويتي بالفعل اهتماما باستكشاف الفرص الاستثمارية في قطاع الطاقة الكازاخستاني، ويجري حاليا حوار لتحديد المجالات الواعدة لمزيد من التعاون العملي.
ويتمثل المجال الثالث في النقل والخدمات اللوجستية، إذ تتحول كازاخستان إلى واحدة من أهم مراكز العبور والنقل في أوراسيا، ونولي اهتماما خاصا بتطوير الممر الدولي للنقل «الشمال الجنوب»، وآفاق ربطه بشبكة السكك الحديدية الخليجية الجاري تطويرها حاليا، ومن شأن ذلك مستقبلا أن يسهم في إقامة طرق لوجستية أكثر كفاءة بين آسيا الوسطى ودول الخليج، بما في ذلك إيصال المنتجات الكازاخستانية إلى السوق الكويتية، وأخيرا، أرى إمكانات كبيرة في مجال التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي.
وقد أبدى الجانب الكويتي بالفعل اهتماما بتجربة كازاخستان في مجال الحكومة الإلكترونية والتحول الرقمي، وبصورة عامة، فإن إمكانات التعاون تتجاوز بكثير قطاع الطاقة التقليدي، وتنويع مجالات تعاوننا هو تحديدا ما يمكن أن يجعل العلاقات الاقتصادية بين بلدينا أكثر استدامة وطويلة الأمد.
- كازاخستان دولة منتجة رئيسية للقطاع الزراعي، فكيف تصبح موردا أكثر أهمية وموثوقية للمنتجات الغذائية إلى السوق الكويتية؟
لفهم حجم الإمكانات الزراعية التي تتمتع بها كازاخستان، يكفي النظر إلى بعض الأرقام، ففي عام 2025، بلغ إنتاج البلاد من الحبوب 25.9 مليون طن، منها 19.3 مليون طن من القمح، وتحتل كازاخستان مكانة بين أكبر عشر دول مصدرة للحبوب في العالم، كما أنها ثاني أكبر مصدر للدقيق عالميا، وبحلول نهاية عام 2025، ارتقت كازاخستان أيضا إلى المرتبة السادسة عالميا في صادرات زيت عباد الشمس.
وبصورة عامة، بلغت قيمة صادرات كازاخستان الزراعية 7 مليارات دولار، حيث يتم تصدير منتجاتها إلى أكثر من 70 دولة، ومن هنا، فإن الأمن الغذائي يمثل أحد أكثر مجالات التعاون الواعدة بين كازاخستان والكويت، واستنادا إلى هذه القدرات الإنتاجية والتصديرية، نحن مستعدون لزيادة إمدادات القمح والزيوت النباتية ولحوم الأبقار والأغنام والدواجن وغيرها من المنتجات الزراعية.
وفي ظل الظروف الراهنة، التي يزداد فيها الأمن الغذائي أهمية، تستطيع كازاخستان أن تقدم مساهمة عملية في ضمان إمدادات غذائية موثوقة ومتنوعة إلى الكويت، غير أننا نرغب في تجاوز مجرد العلاقة التقليدية بين البائع والمشتري. فهدفنا هو بناء شراكة مستدامة وطويلة الأمد في مجال الأمن الغذائي.
ويمكن أن يشمل ذلك إبرام عقود توريد طويلة الأجل، وإنشاء مخزونات استراتيجية من المواد الغذائية، وفي المستقبل، الاستثمار المشترك في إنتاج الأغذية وتصنيعها وتخزينها، سواء في كازاخستان أو الكويت، وأكد الجانب الكويتي مرارا اهتمامه بتوسيع التعاون مع كازاخستان في مجال الأمن الغذائي وتطوير مشاريع مشتركة في قطاع الصناعات الزراعية، وأنا على قناعة بأن كازاخستان يمكن أن تصبح، ليس مجرد مصدر إضافي للواردات بالنسبة إلى الكويت، وإنما شريكا موثوقا وطويل الأمد، وأحد القواعد الإنتاجية الإضافية التي تدعم الأمن الغذائي الكويتي.
تعزيز الإطار المؤسسي
- ما الآليات العملية المطلوبة لزيادة حجم التجارة والاستثمارات الثنائية والارتقاء بالتعاون الاقتصادي إلى مستوى جديد؟
في المقام الأول، نحتاج إلى تعزيز الإطار المؤسسي لتعاوننا، ويؤدي دورا مهما في هذا المجال الاجتماع الرابع للجنة الحكومية المشتركة الكازاخستانية الكويتية للتعاون التجاري والاقتصادي والثقافي والإنساني، ونتوقع عقد اجتماعها الرابع في الربع الأول من عام 2027، واستخدام هذه المنصة لتحديد المشاريع المحددة والجداول الزمنية والجهات المسؤولة عن تنفيذها، أما المسألة الثانية المهمة، فتتمثل في تهيئة ظروف أكثر ملاءمة لقطاع الأعمال، وفي هذا السياق، تكتسب الأعمال الجارية بشأن اتفاقية تجنب الازدواج الضريبي بين بلدينا أهمية خاصة.
ويتمثل العنصر الثالث في تعزيز التواصل المباشر بين الشركات والمؤسسات المالية، وتعمل السفارة بصورة نشطة على ربط الشركات والمؤسسات التنموية الكازاخستانية بالمستثمرين والبنوك والمستوردين والصناديق الاستثمارية الكويتية، كما نولي اهتماما خاصا للاتصالات المباشرة في مجال الأمن الغذائي، وتشمل خططنا تنظيم مائدة مستديرة متخصصة في الكويت بمشاركة الجهات الحكومية المعنية وقطاع الأعمال في البلدين، وإقامة معرض للمنتجات الغذائية الكازاخستانية، وإيفاد وفد إلى الكويت يضم نخبة من الشركات الكازاخستانية الرائدة في قطاع الصناعات الزراعية والغذائية.
ونريد من شركائنا الكويتيين ألا يكتفوا بالتعرف على إمكانات كازاخستان، بل أن يلتقوا المنتجين بصورة مباشرة، ويناقشوا متطلبات المنتجات وحجم الإمدادات المحتمل وآفاق إبرام العقود طويلة الأجل والمشاريع المشتركة، وبالطبع، نحتاج أيضا إلى تحسين الربط في مجال النقل، ومواصلة تطوير الرحلات الجوية والخدمات اللوجستية، فالتعاون الاقتصادي يجب ألا يكون ميسرا على المستوى السياسي فحسب، بل على المستوى العملي أيضا.
الربط الجوي
-ما أهمية الربط الجوي المباشر في تطوير السياحة والعلاقات التجارية، وهل ترون إمكانية لزيادة عدد الرحلات بين كازاخستان والكويت؟
الربط الجوي المباشر ذو أهمية أساسية لتطوير علاقاتنا، فعندما تكون الدول مرتبطة برحلات جوية مباشرة وميسرة، فإن الفائدة لا تقتصر على قطاع السياحة، وإنما تمتد أيضا إلى سفر رجال الأعمال، والاتصالات الاستثمارية، والتجارة، والتواصل بين شعبي البلدين، وقد أدى خط الكويت ألماتي المباشر بالفعل دورا مهما في زيادة الاهتمام بكازاخستان، ونحن بالتأكيد مهتمون بمواصلة تحسين مستوى الربط الجوي بين بلدينا، وخلال مناقشاتنا مع شركة «طيران الجزيرة»، بحثنا إمكانية زيادة عدد الرحلات، وتوسيع القدرة الاستيعابية للشحن الجوي، ودراسة مسارات جديدة محتملة بين كازاخستان والكويت.
وعلى وجه الخصوص، يمكن لتطوير خدمات الشحن الجوي أن يسهم في زيادة صادرات المنتجات الكازاخستانية، بما في ذلك المواد الغذائية، وبالطبع، تعتمد القرارات النهائية على التقييمات التجارية لشركات الطيران، وحجم الطلب على الرحلات، والوضع الإقليمي، ومع ذلك، فإن هناك إمكانات واضحة لمزيد من تطوير الربط الجوي بين بلدينا.
لطالما انتهجت كازاخستان سياسة تقوم على الحوار والديبلوماسية متعددة الأطراف، فما الدور الذي يمكن أن تؤديه في المساعدة على معالجة الأزمات الإقليمية والدولية الراهنة؟
لطالما استندت السياسة الخارجية لكازاخستان إلى مبادئ الواقعية والتوازن واحترام القانون الدولي والالتزام بميثاق الأمم المتحدة، ونحن نؤمن إيمانا راسخا بأن حتى أصعب النزاعات الدولية تتطلب في نهاية المطاف حلولا ديبلوماسية، وتدعم كازاخستان التسوية السلمية للنزاعات، وتدعو إلى خفض التصعيد، وتشجع الحوار بين الدول، وبفضل علاقاتها البناءة مع مختلف مراكز القوى، وسياستها الخارجية غير التصادمية، تستطيع بلادنا توفير منصات للتفاوض، وتسهيل الاتصالات، ودعم المبادرات الدولية الرامية إلى إيجاد حلول توافقية، وتكتسب الديبلوماسية متعددة الأطراف وتعزيز دور الأمم المتحدة أهمية خاصة في الوقت الراهن، فالأزمات الحديثة، سواء كانت مرتبطة بالأمن أو الغذاء أو الطاقة أو الموارد المائية أو تغير المناخ، لا يمكن التعامل معها بفاعلية من جانب دولة واحدة بمفردها، ويتمثل المبدأ الأساسي لكازاخستان في ضرورة استمرار الحوار حتى في أصعب الظروف.
كيف تنظر كازاخستان إلى التطورات الجيوسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط، خصوصا من منظور الاستقرار الإقليمي والحوار؟تتابع كازاخستان عن كثب التطورات في منطقة الشرق الأوسط، التي تتمتع بأهمية سياسية واقتصادية كبيرة بالنسبة لنا، وقد أظهرت الأزمات الدولية الأخيرة مرة أخرى مدى الترابط الذي بات يميز عالمنا المعاصر، فأي تصعيد خطير في المنطقة ينعكس سريعا على أسواق الطاقة، وطرق التجارة، والخدمات اللوجستية، والأمن الغذائي، والاقتصاد العالمي ككل، ويبقى موقف كازاخستان ثابتا، فنحن ندعو إلى خفض التصعيد، والتسوية الديبلوماسية للنزاعات، واحترام القانون الدولي، وحماية المدنيين.
وتتقاسم كازاخستان والكويت إيمانا راسخا بقيمة الديبلوماسية والحوار السلمي، وأعتقد أن الدول التي تلتزم بهذا النهج ينبغي أن تتعاون بصورة وثيقة بشكل خاص على الساحة الدولية في الوقت الراهن.
تحولات كازاخستان
أكد الرئيس قاسم جومارت توكاييف بصورة خاصة على التنويع الاقتصادي والتحديث، ما أهم الإصلاحات التي تشهدها كازاخستان حاليا؟
تمر كازاخستان حاليا بمرحلة واسعة من التحديث الشامل، ويستند التحديث الاقتصادي إلى أهداف واضحة وقابلة للقياس، فقد حدد الرئيس هدفا يتمثل في رفع حجم اقتصاد كازاخستان إلى 450 مليار دولار بحلول عام 2029، ولتحقيق ذلك، يجري التركيز على نمو القطاعات غير المرتبطة بالموارد الطبيعية، وتطوير الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، واستقطاب ما لا يقل عن 150 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية، ومن أهدافنا الاقتصادية الرئيسية مواصلة تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على صادرات المواد الخام، وتركز الحكومة على تطوير الصناعات التحويلية، وقطاع الصناعات الزراعية، والبنية التحتية للنقل والخدمات اللوجستية، والطاقة، والاقتصاد الرقمي، ورأس المال البشري، ونهدف إلى استقطاب المزيد من الاستثمارات إلى المشاريع التي تحقق قيمة مضافة عالية، وتوفر فرص عمل جديدة، وتطور إنتاجا موجها نحو التصدير.
كما يحتل التحول الرقمي مكانة مهمة في عملية التحديث، ويشمل اليوم كلا من الإدارة العامة والقطاعات الرئيسية للاقتصاد، وفي الوقت نفسه، تواصل كازاخستان تنفيذ إصلاحات مؤسسية وسياسية واسعة النطاق، تستند إلى النموذج الدستوري الجديد للبلاد.
مركز تكنولوجي رائدكيف يمكن للتعاون في مجال التكنولوجيا والتحول الرقمي أن يفتح آفاقا جديدة للعلاقات بين كازاخستان والكويت؟
يحظى تطوير الممر «الشمال الجنوب» باهتمام خاص في إطار التعاون مع دول الخليج، إذ يمكن أن يوفر اتصالا أكثر كفاءة بين آسيا الوسطى وأسواق الشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه، تطمح كازاخستان إلى أن تصبح واحدة من المراكز التكنولوجية الرائدة في المنطقة. وفي عام 2026، تم تحديد التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي باعتبارهما من الأولويات الوطنية، وتعمل البلاد على تطوير البنية التحتية لمراكز البيانات، والقدرات الحاسوبية الوطنية، والخدمات الحكومية الرقمية، ومنظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي.
وبحلول نهاية عام 2025، بلغت صادرات كازاخستان من خدمات تكنولوجيا المعلومات نحو مليار دولار، كما راكمت كازاخستان خبرة كبيرة في مجال الحكومة الإلكترونية، واليوم، تتوفر نحو 90 في المائة من الخدمات الحكومية عبر الإنترنت، وفي عام 2025 وحده، حصل المواطنون الكازاخستانيون على أكثر من 51.5 مليون خدمة حكومية بصيغة رقمية، ولتقديم مثال بسيط من الحياة اليومية، يمكن للوالدين بعد ولادة طفل استخدام نظام الحكومة الإلكترونية لتسجيل المولود، والحصول على رقم التعريف الفردي للطفل «IIN»، والتقدم للحصول على الإعانة الحكومية ذات الصلة، وإدراج الطفل على قائمة الانتظار الخاصة برياض الأطفال، وكل ذلك من خلال خدمة رقمية متكاملة واحدة، وهذا النهج العملي يجعل التحول الرقمي ملموسا في الحياة اليومية للمواطنين، وقد حظيت تجربة كازاخستان باهتمام شركائنا الكويتيين، ونرى فرصا جيدة لتبادل الخبرات التكنولوجية وتعزيز التعاون العملي في هذا المجال.
أجرت كازاخستان مؤخرا انتخابات «قورولتاي»، كيف تقيمون أهميتها في سياق الإصلاحات السياسية الأوسع والتحديث المؤسسي في البلاد؟
شكلت الانتخابات التي جرت في 23 أغسطس مرحلة تاريخية في التطور السياسي لكازاخستان، وكانت هذه أول انتخابات لنواب البرلمان الجديد أحادي الغرفة، «قورولتاي جمهورية كازاخستان»، الذي أنشئ في إطار النموذج الدستوري الجديد، ووفقا للنتائج الرسمية للجنة الانتخابات المركزية، شارك أكثر من 9.35 ملايين مواطن في التصويت، بنسبة مشاركة بلغت 74.08 في المائة.
4 آلاف سائح كويتي لكازاخستان عام 2024
قال سفير كازاخستان «إن بلاده تشهد بالفعل زيادة مستمرة في اهتمام المواطنين الكويتيين بكازاخستان، ففي عام 2024، زار بلادنا نحو 4 آلاف سائح كويتي، أي ما يقارب خمسة أضعاف العدد المسجل في عام 2022، وتوفر كازاخستان للزائر الكويتي تجربة سياحية متنوعة للغاية، وتشمل هذه التجربة جبال وبحيرات ألماتي ومنطقة ألماتي، والهندسة المعمارية الحديثة في أستانا، والتراث التاريخي لمدينة تركستان، فضلا عن المناظر الطبيعية الفريدة والمناخ المختلف تماما، وهو ما يمثل عامل جذب خاص للزوار القادمين من دول الخليج خلال أشهر الصيف». وأضاف أنه «من المزايا المهمة الأخرى نظام التأشيرات الميسر، إذ يستطيع المواطنون الكويتيون الإقامة في كازاخستان من دون تأشيرة لمدة تصل إلى 30 يوما، كما يؤدي الربط الجوي المباشر بين بلدينا دورا إيجابيا، إذ يجعل السفر أكثر سهولة وراحة، ويسهم بلا شك في زيادة أعداد السياح، ونرغب في الترويج لكازاخستان بصورة أكثر نشاطا في السوق الكويتية، وتعزيز الاتصالات بين منظمي الرحلات السياحية في البلدين، وتطوير برامج سياحية مصممة خصيصا بما يراعي تفضيلات الزوار الكويتيين».
مزيج فريد من الطبيعة والحياة الحضرية الحديثة
وجه السفير الكازاخستاني رسالتين أولاها إلى مجتمع الأعمال الكويتي، وقال فيها إن «كازاخستان منفتحة على الكويت، ونريد أن نرى الكويت أحد شركائنا الموثوقين على المدى الطويل، توفر كازاخستان فرصا كبيرة لمجتمع الأعمال الكويتي، بدءا من قطاع الصناعات الزراعية والتصنيع والصناعات التحويلية، وصولا إلى الطاقة والتعدين والنقل والخدمات اللوجستية والبناء والتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، ونحن لا نهتم بمجرد استقطاب رؤوس الأموال، بل نريد بناء شراكات طويلة الأمد، وإنشاء مشاريع إنتاجية مشتركة، وتطوير التكنولوجيا بصورة مشتركة.
ووجه رسالته الثانية إلى المواطنين الكويتيين قائلا: أود أن أوجه دعوة شخصية لاكتشاف كازاخستان، فبلادنا توفر مزيجا فريدا من الطبيعة والحياة الحضرية الحديثة ومنها الجبال والبحيرات والسهوب الشاسعة، والمناخ الصيفي اللطيف، وكرم الضيافة الكازاخستانية التقليدية، والأهم من ذلك أن شعبينا يتقاسمان احتراما متبادلا حقيقيا وحسن نية راسخا، ولدى كازاخستان والكويت كل ما يلزم لبناء المرحلة المقبلة من علاقاتنا على هذا الأساس، بما يجعلها أكثر قربا، وأكثر عملية، وأكثر عمقا من الناحية الاقتصادية، وأكثر تطلعا إلى المستقبل.