قال تقرير صادر عن بنك الكويت الوطني إن نمو الاقتصاد العالمي بقي متماسكا، وذلك رغم الرياح المعاكسة المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط، والمتمثلة في ارتفاع أسعار الطاقة، واضطرابات سلاسل التوريد، وزيادة حالة عدم اليقين، وارتفاع معدلات التضخم. وساعد على ذلك استقرار أسواق العمل وقوة الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا.
وذكر التقرير أن رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش بدا أكثر وضوحا خلال ندوة جاكسون هول الأخيرة، بخلاف أسلوبه السابق الذي اتسم بالغموض النسبي في التواصل، إذ أكد أن هناك حاجة لبذل المزيد من الجهود لخفض التضخم.
وقد ارتفعت عوائد السندات طويلة الأجل، مما يعكس المخاوف بشأن العجز المالي الكبير (حوالي 6% من الناتج)، واستمرار النمو الاقتصادي القوي، وارتفاع التضخم. وتتعرض إدارة ترامب لضغوط لاتخاذ إجراءات قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر، في ظل تقديرات تشير لاحتمال فقدان الجمهوريين، على أقل تقدير، أغلبيتهم في مجلس النواب.
وفي محاولة لخفض العوائد، تعمل وزارة الخزانة على زيادة عمليات إعادة شراء السندات الحكومية طويلة الأجل، بعد تنفيذ تدخل نادر ومشترك في سوق العملات لدعم الين المتراجع والحد من المزيد من مبيعات سندات الخزانة الأميركية من قبل اليابان، أكبر حائز أجنبي لهذه السندات. ومع ذلك، فإن هذه الإجراءات لا تعالج المشكلات الهيكلية، ومن المرجح أن تكون نتائجها محدودة جدا على المدى المتوسط والبعيد.
وفي الوقت نفسه، لا يزال الطلب المحلي الأساسي قويا، إذ ارتفعت المبيعات النهائية للمشترين المحليين من القطاع الخاص بمعدل سنوي بلغ 4.2% في الربع الثاني، وهو أعلى معدل منذ أكثر من ثلاث سنوات، ومن المتوقع أن يبقى فوق 4% خلال الربع الثالث، مدعوما بقوة إنفاق الأسر والاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، لا يزال التضخم (3.4% على أساس سنوي في يوليو، و2.5% للتضخم الأساسي) أعلى بكثير من هدف الاحتياطي الفيدرالي، وذلك للسنة السادسة على التوالي.
ورغم تذبذب أرقام التوظيف الشهرية، فقد تحسن الاتجاه العام مقارنة بالعام الماضي، إذ بلغ متوسط الوظائف المضافة خلال الأشهر الستة المنتهية في أغسطس نحو 107 آلاف وظيفة شهريا، وهو الأعلى منذ عامين، بينما استقر معدل البطالة عند مستوى معتدل يبلغ 4.1%.
وقد ساهم استمرار التضخم فوق المستهدف، واستقرار سوق العمل، وتصريحات وارش المتشددة الأخيرة، في رفع احتمال زيادة سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في 16 سبتمبر لنحو 60%.
إلا أن تقرير التضخم لشهر أغسطس سيكون العامل الحاسم في توجيه قرار اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة. وإذا صوت وارش لصالح رفع الفائدة، فسيعد ذلك أول إشارة قوية إلى استعداده لمواجهة الضغوط السياسية المتزايدة من إدارة ترامب، بما يسهم في الحفاظ على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي.
اقتصاد منطقة اليورو يحافظ على قدر من المرونة
وفي أوروبا، حافظ اقتصاد منطقة اليورو على قدر من المرونة، إذ نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.6% على أساس فصلي في الربع الثاني، متجاوزا التوقعات، فيما بقي معدل البطالة قريبا من أدنى مستوياته التاريخية عند 6.4%. كما تحسنت قراءات مؤشر مديري المشتريات خلال شهري يوليو وأغسطس، إذ بلغ المؤشر المركب أعلى مستوى له منذ نوفمبر 2025، مما يعزز التوقعات الإيجابية للنمو في الربع الثالث.
ويبقى التضخم التحدي الرئيسي أمام صناع السياسات، إذ ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين إلى 3.3% على أساس سنوي في أغسطس (مقارنة بنحو 1.9% قبل الحرب في فبراير)، مدفوعا بشكل رئيسي بارتفاع تكاليف الطاقة بنسبة 14%. وفي المقابل، بقي التضخم الأساسي مستقرا عند 2.4%، وهو مستوى مماثل لما كان عليه في فبراير. ولا بد من الإشارة إلى أنه لا توجد حتى الآن أدلة على حدوث آثار تضخمية ثانوية ناتجة عن صدمة الطاقة، وهو الرأي الذي تتبناه أيضا رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد.
ورغم أن البنك أبقى أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه خلال يوليو بعد رفعها بمقدار 25 نقطة أساس في يونيو، فقد أكد المسؤولون أن حالة عدم اليقين لا تزال مرتفعة، ورغم نظرته لآثار التضخم الثانوية، فمن شبه المؤكد أن البنك المركزي الأوروبي سيرفع أسعار الفائدة مجددا في 10 سبتمبر، استنادا إلى تقييمه للمخاطر الصعودية التي تواجه التضخم، وإلى مهمته الأساسية المتمثلة في الحفاظ على استقرار الأسعار، وربما أيضا نتيجة استمرار النمو الاقتصادي بمستويات جيدة.
كما أن الارتفاع الأخير في أسعار النفط والغاز الأوروبي، والتي تجاوزت بسهولة متوسطاتها المسجلة في أغسطس، سيبقي البنك في حالة حذر من مخاطر ارتفاع التضخم مستقبلا.
المملكة المتحدة.. نمو جيد في النصف الأول
وإلى المملكة المتحدة، حيث يعتزم رئيس الوزراء البريطاني الجديد، آندي بورنهام، معالجة أزمة ارتفاع تكاليف المعيشة وتنفيذ مبادرات ذات طابع يهدف لتحسين العدالة الاقتصادية، إلا أن الوصول إلى انتعاش اقتصادي مستدام يواجه تحديات مألوفة. ومن المقرر أن يقدم وزير الخزانة الموازنة الخريفية الشهر المقبل، لكن قدرة الحكومة على إطلاق سياسات داعمة للنمو تبقى محدودة بسبب التحديات المالية المستمرة.
إضافة لذلك، ارتفعت عوائد السندات الحكومية البريطانية طويلة الأجل بشكل حاد، إذ اقترب عائد السندات لأجل 30 عاما من أعلى مستوياته منذ عام 1998، مما يشكل عقبة إضافية أمام جهود ضبط المالية العامة.
ومع ذلك، استمر النمو الاقتصادي في إظهار مرونة خلال الربع الثاني، مسجلا 0.4% على أساس ربعي بعد 0.6% في الربع الأول، بدعم من قوة قطاع التصنيع والاستهلاك.
وقد جاءت البيانات الأخيرة متباينة، إذ تراجعت مبيعات التجزئة في يوليو واستمر ضعف التوظيف، بينما جاءت قراءة مؤشر مديري المشتريات لشهر أغسطس إيجابية. وبسبب إعادة تسعير الحد الأقصى المنظم لأسعار الطاقة المنزلية بشكل رئيسي، ارتفع التضخم إلى 2.9% في يوليو مقارنة بنحو 2.6% في يونيو، وهو أدنى مستوى خلال 15 شهرا.
ويتوقع بنك إنجلترا أن يرتفع التضخم إلى 3.2% خلال الربع الرابع، ورغم أن أسواق العقود المستقبلية تسعر حاليا احتمالا يبلغ نحو 80% لرفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس على الأقل قبل نهاية عام 2026، فإن ذلك ليس أمرا مؤكدا، خاصة في ضوء موقف محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي، الذي يرى أن آثار التضخم الثانوية لا تزال محدودة.
ونظرا لارتفاع توقعات التضخم، وضعف سوق العمل، ومحدودية الدعم المالي الحكومي، واحتمالات تشديد السياسة النقدية، تبدو آفاق النمو على المدى القصير ضعيفة نسبيا.