ياسر العيلة
شهد مسرح نادي السالمية انطلاق أول عروض المسابقة الرسمية للدورة الثالثة من مهرجان «باك ستيج» المسرحي، من خلال مسرحية «جنون كاتب»، إنتاج شركة RSL، والمقتبسة عن رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب محمد شهاب، الذي تولى تأليف النص المسرحي، فيما أخرجها عبدالله الحملي في أولى تجاربه الإخراجية، بمشاركة إبراهيم الشيخلي، وفاطمة أسد، وعبدالهادي حسين، وأحمد إياد، ومحمد عابدين، والظهور الخاص للفنان القدير مبارك سلطان.
يقدم العمل حكاية كاتب «محمد عابدين» يعيش في عالم خياله، قبل أن يفاجأ بخروج شخصياته من الورق إلى الواقع، لتتمرد عليه وتواجهه وتحاسبه على مصائر رسمها لها. ومن خلال شخصيات «كوميديا» التي يجسدها إبراهيم الشيخلي، و«تراجيديا» التي تقدمها فاطمة أسد، و«تراجيكوميد»التي جسدها عبد الهادي حسين و«مونودراما»التي قدمها أحمد اياد، ينطلق صراع يحمل أبعادا فلسفية تتجاوز حدود الحكاية التقليدية.
وتتصاعد الأحداث مع محاولة الشخصيات فرض إرادتها على مؤلفها، في صراع بين الكوميديا والتراجيديا، يعكس واقعا فنيا باتت فيه الكوميديا الأكثر جذبا للجمهور، الأمر الذي يضع الكاتب أمام تساؤل مهم: هل يتمسك بقناعاته ومبادئه الإبداعية، أم ينحاز إلى ما يطلبه الجمهور؟ وتأتي المفاجأة في النهاية مع كشف حقيقة المؤلف الرئيسي، في معالجة تعيد طرح العلاقة بين الخيال والواقع، وبين الكاتب والشخصيات التي يبتكرها.
والحقيقة أن محمد شهاب قدم نصا يحمل العديد من الإسقاطات الفنية والفكرية، وصاغه بأسلوب فلسفي قد يبدو معقدا بعض الشيء على الجمهور العادي، لكنه يمنح التجربة عمقا مختلفا، ويطرح قضية تستحق التأمل حول استقلالية المبدع وقدرته على مقاومة ضغوط الذائقة الجماهيرية.
وعلى مستوى التمثيل، قدم جميع المشاركين أداء مميزا، وكشفوا عن إمكانات ومواهب تستحق الإشادة، وكان التفاعل بين إبراهيم الشيخلي وفاطمة أسد وعبدالهادي حسين من أبرز محطات العرض، إلى جانب الحضور اللافت لبقية الممثلين محمد عابدين واحمد اياد والقدير مبارك سلطان
أما المفاجأة الحقيقية فكانت المخرج الشاب عبدالله الحملي، الذي نجح في تجربته الأولى في تقديم النص برؤية احترافية، وأجاد التعامل مع مشاهده المركبة، خصوصا المشاهد الهيستيرية والصدامات التي تنتهي بقتل الشخصيات بعضها بعضا. ولا يمكن إغفال الإضاءة المتميزة للمبدع محمد جواد الشطي، التي تجاوزت دورها التقني لتصبح أحد عناصر الحالة الدرامية، وأسهمت في الانتقال بين عوالم الخيال والواقع وإبراز التحولات النفسية للشخصيات. كما جاءت الأزياء بتوقيع الموهوب محمد العنزي معبرة عن طبيعة كل شخصية وهويتها، مضيفة لمسة جمالية مميزة للعرض.
ومن الإضافات الجميلة أيضا وجود فرقة موسيقية تقدم عزفا حيا على خشبة المسرح، لتصبح الموسيقى جزءا من الحدث الدرامي، وتمنح المشاهد مزيدا من الحيوية والتأثير.
وفي المحصلة، «جنون كاتب» تجربة مسرحية تستحق التقدير، جمعت بين الفكرة المختلفة والأداء المتميز والرؤية الإخراجية الواعدة، وأثبتت أن المسرح ليس مجرد حكاية تروى، بل عالم من الخيال والأسئلة والتمرد، قد تصل به الجرأة أحيانا إلى أن تتمرد شخصياته على صاحبها، وتنتزع منه حق كتابة النهاية!