قال الرئيس التنفيذي لشركة الكويت للتأمين وزميل جمعية الإكتواريين في الولايات المتحدة وعضو الأكاديمية الأميركية للإكتواريين، سامي شريف، إنه في عالم الأعمال ينظر عادة إلى النمو باعتباره مؤشرا على النجاح. فارتفاع المبيعات، واتساع الحصة السوقية، وزيادة عدد العملاء، كلها إنجازات تتباهى بها الشركات أمام مساهميها ومجالس إداراتها. لكن في صناعة التأمين، قد تكون هذه المؤشرات مضللة، بل قد تخفي وراءها تدهورا ماليا خطيرا. فليس كل نمو نجاحا، وليس كل قسط تأميني يكتتب به يضيف قيمة للشركة. وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى في صناعة التأمين العربية: قد تنمو شركة التأمين بسرعة، بينما تتآكل أموال مساهميها بالسرعة نفسها. وأضاف: شهدت بعض أسواق التأمين العربية خلال السنوات الماضية منافسة سعرية حادة، خصوصا في تأمين المركبات والتأمين الصحي وبعض فروع التأمين التجاري.
والمنافسة السعرية بحد ذاتها ليست مشكلة. فهي عنصر أساسي في اقتصاد السوق، وتدفع الشركات إلى تحسين كفاءتها وتطوير خدماتها. لكن المشكلة تبدأ عندما تنفصل الأسعار عن التكلفة الحقيقية للأخطار، وعندما يصبح الهدف زيادة الأقساط المكتتبة، بغض النظر عن الربحية الفنية المتوقعة.
وفي هذه الحالة، لا تعود الشركة تبيع الحماية التأمينية بسعر اقتصادي سليم، بل تبدأ عمليا بتمويل خسائر مستقبلية مقابل الحصول على أقساط اليوم. والأخطر أن الشركة قد تبدو ناجحة في المدى القصير، بينما تتراكم في ميزانيتها التزامات لن تظهر آثارها الكاملة إلا بعد سنوات.
أولا: تآكل رأس المال. عندما لا تكفي الأقساط لتغطية المطالبات والمصاريف، تتحول الخسائر الفنية المتكررة إلى استنزاف لأموال المساهمين، وقد تصل الشركة إلى مرحلة تحتاج فيها إلى ضخ رأسمال جديد لمجرد الاستمرار.
ثانيا: تدهور الملاءة المالية. فالنمو غير المنضبط يزيد الالتزامات ومتطلبات رأس المال، بينما تؤدي الخسائر إلى تقليص الموارد المالية المتاحة لمواجهتها.
ثالثا: تشويه المنافسة. الشركات التي تعتمد تسعيرا فنيا منضبطا تجد نفسها أمام منافسين يقدمون أسعارا لا تعكس التكلفة الحقيقية للخطر، فتواجه خيارا صعبا بين خسارة حصتها السوقية أو الانخراط في المنافسة غير المستدامة.
رابعا: الإضرار بالعملاء. قد يستفيد العميل مؤقتا من انخفاض الأسعار، لكنه قد يدفع الثمن لاحقا من خلال تراجع جودة الخدمة، وتأخير تسوية المطالبات، أو تعثر الشركة التي وثق بها.
خامسا: إضعاف الثقة بالصناعة. فتعثر شركة تأمين لا يقتصر أثره على مساهميها، بل قد يمتد إلى حملة الوثائق والوسطاء والدائنين، ويؤثر في ثقة المجتمع بالقطاع ككل.
من المسؤول عن هذه الظاهرة؟
وأضاف: من السهل تحميل الإدارات التنفيذية المسؤولية، لكن الواقع أكثر تعقيدا. فالإدارة التنفيذية مسؤولة عن سياسات الاكتتاب والتسعير وإدارة الأخطار، وعن تحقيق التوازن بين النمو والربحية. ومجالس الإدارة مسؤولة عن تحديد شهية المخاطر، واعتماد الاستراتيجية، ومراقبة الأداء المالي والفني، والتأكد من أن النمو لا يتحقق على حساب سلامة المركز المالي.
أما الجهات الرقابية، فتقع عليها مسؤولية التأكد من كفاية المخصصات الفنية، وسلامة الملاءة المالية، وجودة الحوكمة، والتدخل المبكر عندما تظهر مؤشرات التعثر.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل نقيس نجاح شركات التأمين بحجم الأقساط التي تكتبها، أم بالقيمة الاقتصادية التي تحققها لمساهميها وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه عملائها؟
لماذا تستمر الشركات في حرب الأسعار؟
هناك عدة أسباب، أبرزها الضغوط لتحقيق أهداف المبيعات السنوية، وربط مكافآت بعض الإدارات بالنمو بدلا من الربحية، والمبالغة في تقدير قدرة الشركة على تحسين النتائج مستقبلا.
كما أن بعض المساهمين قد ينظرون إلى الحصة السوقية باعتبارها دليلا على القوة، حتى عندما لا تقترن بعائد اقتصادي مناسب. وفي حالات أخرى، تدخل الشركات في دوامة يصعب الخروج منها: فهي تحتاج إلى أقساط جديدة لتوفير السيولة، لكنها تحصل عليها بأسعار غير كافية، فتزيد بذلك حجم التزاماتها وخسائرها المستقبلية.
وهكذا يتحول النمو من وسيلة لبناء القيمة إلى آلية لتأجيل مواجهة المشكلة.
كيف نخرج من هذه الدائرة؟
الحل لا يكمن في إلغاء المنافسة أو فرض أسعار موحدة على السوق، بل في إعادة بناء المنافسة على أسس اقتصادية وفنية سليمة. ويبدأ ذلك بتعزيز استقلالية الوظيفة الاكتوارية، وربط قرارات التسعير بتكلفة الأخطار، واعتماد مؤشرات أداء تعطي الأولوية للربحية الفنية والعائد على رأس المال، بدلا من التركيز المفرط على حجم الأقساط.
كذلك ينبغي لمجالس الإدارة أن تراجع سياسات المكافآت والحوافز، وأن تطلب من الإدارة التنفيذية تفسير مصادر النمو ومدى استدامته. وعلى المستوى الرقابي، تبرز أهمية الرقابة المبنية على المخاطر، واختبارات الضغط، والتدخل المبكر، وتعزيز الإفصاح والشفافية.
أما الشركات التي تعاني اختلالات هيكلية، فقد تحتاج إلى إعادة هيكلة شاملة، أو شراكات استراتيجية، أو اندماجات تتيح تحقيق وفورات الحجم وتحسين الكفاءة التشغيلية.
الخلاصة: ليس كل نمو يستحق الاحتفال
صناعة التأمين ليست صناعة لبيع المنتجات فحسب، بل هي صناعة لإدارة الوعود المالية المستقبلية. فالشركة تقبض القسط اليوم، لكنها تلتزم بتعويض خسائر قد تقع غدا أو بعد سنوات، ومن هنا تأتي أهمية الانضباط الفني والمالي الذي يميز هذه الصناعة عن كثير من الأنشطة التجارية الأخرى.
لقد حان الوقت لإعادة النظر في مفهوم النجاح داخل قطاع التأمين العربي، فالشركة الناجحة ليست بالضرورة تلك التي تحقق أعلى نمو في الأقساط أو تستحوذ على أكبر حصة سوقية، بل تلك التي تستطيع تحقيق نمو مربح ومستدام، والمحافظة على رأسمالها، والوفاء بالتزاماتها، وخلق قيمة حقيقية لمساهميها وعملائها. وفي نهاية المطاف، قد يكون القرار الأكثر حكمة لشركة التأمين هو أن ترفض بعض الأعمال، بدلا من أن تحتفل بنمو يقودها تدريجيا إلى الإفلاس.