ياسر العيلة
ضمن عروض الدورة الثالثة من مهرجان «باك ستيج المسرحي»، شهد مسرح نادي السالمية مساء أمس الأول تقديم العرض السابع من العروض المشاركة، مسرحية «كما تتمنون»، لشركة «أوريون أرت»، من تأليف شاهين النجار، وإخراج محمد اليوسفي، في أولى تجاربه الإخراجية، التي جاءت بمنزلة مفاجأة فنية تستحق التوقف أمامها.
يحمل العمل في مضمونه حكاية إنسانية شديدة الحساسية، تفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول تأثير الخلافات الأسرية على الأبناء، وكيف يمكن لاختلاف وجهات النظر بين الأبوين، رغم الحب الذي جمعهما، أن يصنع طفلا محاصرا بالتناقضات النفسية والتربوية، ويدفعه إلى مواجهة مصير لم يختره.
تدور الأحداث حول زوجين، يجسدهما شاهين النجار وسلمى شريف، يختلفان حول فكرة إنجاب طفل، فبينما يتمنى الأب أن يكون له ابن، ترفض الأم الفكرة خوفا عليه من تبعات الحياة ومن خلال الابن الافتراضي الذي يجسد شخصيته محمد الزنكي، يأخذنا العرض إلى عالم من الاحتمالات، فنشاهد كيف يمكن أن تكون حياة هذا الطفل لو جاء إلى الدنيا بالفعل، وسط أب يمنحه التدليل الزائد، وأم تتعامل معه بصرامة وحزم، فينشأ بين نموذجين متناقضين في التربية، وتنعكس خلافاتهما المستمرة على تكوينه النفسي وشخصيته. ومع تصاعد الأحداث، تتكشف التداعيات القاسية لهذه البيئة الأسرية المضطربة، فالابن يجد نفسه منجذبا إلى أصدقاء السوء، ويتعرض للاعتداء في المدرسة، ليصبح شخصية مهزوزة، فاقدة للثقة بنفسها، عاجزة عن مواجهة الحياة وتصل الحكاية إلى ذروتها المأساوية بوفاة الأم نتيجة الإفراط في تناول حبوب الإجهاض خوفا من الحمل، ليبقى الأب وحيدا أمام النهاية التي اختزلت حجم المأساة التي صنعتها المخاوف والخلافات والقرارات الخاطئة.
نجح المؤلف شاهين النجار في صياغة حكايته بسلاسة وذكاء، معتمدا على سرد درامي مشوق ومشحون بالمشاعر، بعيدا عن التعقيد أو المباشرة، فكانت الأحداث تتصاعد بصورة طبيعية.
أما المفاجأة الحقيقية في هذا العرض فكانت المخرج محمد اليوسفي، الذي أثبت من خلال تجربته الإخراجية الأولى امتلاكه رؤية فنية واضحة وحسا مسرحيا لافتا فقد نجح في تقديم صورة بصرية متماسكة، ووظف الموسيقى والأزياء بما يخدم الحالة الدرامية ويعزز انتقالات الأحداث.
وعلى مستوى الأداء التمثيلي، قدم شاهين النجار وسلمى شريف ومحمد الزنكي مستويات لافتة، وكأن بينهم منافسة فنية شريفة لتقديم أفضل ما لديهم، وهو ما انعكس إيجابيا على إيقاع العرض وحيويته.
شاهين النجار أثبت مجددا أنه فنان يمتلك موهبة استثنائية، بعدما تصدى لأكثر من شخصية، متنقلا بين الأب والجدة والأخصائي النفسي في المدرسة وصديق السوء، بقدرة واضحة على التنويع في الأداء وتغيير ملامح كل شخصية، دون أن يفقدها خصوصيتها. أما سلمى شريف، فقدمت هي الأخرى أكثر من شخصية، متنقلة بين الأم وصديقة السوء، وأظهرت قدرة مميزة على الانتقال بين الحالات النفسية المختلفة، بأداء عفوي وتلقائي وصل إلى الجمهور بسهولة، ونجحت في تقديم مشاعر متباينة بصدق وحضور لافت.
وكان لمحمد الزنكي نصيب كبير من التأثير، إذ قدم شخصية الابن المهزوز، الذي يعاني من ضعف الشخصية، إلى جانب عيب خلقي انعكس على طريقة مشيه وتلعثمه في الكلام وقد تعامل الزنكي مع الشخصية بحساسية ووعي واضحين، مقدما أداء صادقا ومؤثرا لامس المشاعر، وأكد امتلاكه أدوات تمثيلية جيدة وموهبة تستحق الإشادة.
ولم يكن هذا التميز مقتصرا على النص والإخراج والتمثيل، بل امتد إلى بقية عناصر العرض، فقد جاءت الأزياء والمكياج بتوقيع راشد جمعة على مستوى متميز، فيما أضافت موسيقى محمد الحجي أبعادا شعورية جميلة، وجاءت الأغنية التي لحنها عبدالله القفاص معبرة عن أجواء العمل، كما أسهم تصميم الإضاءة لأحمد أبل والديكور لسعود الدوسري في إبراز الحالة البصرية والدرامية للمشاهد.
ومن وجهة نظري، فإن هذا العرض يستحق أن يكون ضمن أبرز المرشحين لحصد جوائز المهرجان، لما قدمه من تميز على مستوى النص والإخراج والأداء التمثيلي والتكامل الفني، فضلا عن قدرته على ترك أثر حقيقي لدى الجمهور، وهو في النهاية أحد أهم معايير نجاح أي تجربة مسرحية.