Note: English translation is not 100% accurate
سلسلة "الأنباء" عن ثورات الربيع (9)
أحداث 1968 في فرنسا..«منع الممنوع»
16 أغسطس 2011
المصدر : الأنباء





رفع الطلبة شعارات «اركضوا يا أصدقائي.. العالم القديم ورائي» «إن لم تعطني حريتي فسأتولى الأمر بنفسي»
الشرطة حذرت الحكومة والرئيس من أن المواجهة مع الطلبة وقمعهم تلقي بمسؤولية ضميرية كبيرة على رجال لأمن
بقلم: محمد الحسينيتستلهم ثورات الربيع اليوم روح أحداث 1968 الشهيرة في فرنسا التي هزت أوروبا والعالم في حينه ولاتزال أصداؤها تتردد الى اليوم.
لم تكن أحداث انتفاضة مايو ويونيو 1968 في فرنسا مجرد مرحلة تاريخية عابرة علا فيها صوت الشباب الثائر ضد القيود التي تكبله فحطمها، بل كانت محطة مهمة و«انتفاضة» غيرت وجه البلد تماما ولاتزال آثارها وتداعياتها ممتدة الى اليوم، والدليل ما صرح به الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في بداية عهده عندما قال إن من أهدافه القضاء على ميراث حركة مايو 1968، لأنه - وكما كل اليمين في فرنسا -يعتبر ان تلك الحركة شكلت تهديدا للسلطة شوه المعايير السلوكية لدى المواطنين ودفعهم الى الاستخفاف بقيمة العمل في الوقت الذي يراه فيه خصومهم النقطة التي سمحت بالتأسيس لفرنسا جديدة عنوانها الحرية والعدالة الاجتماعية.
انفجرت أحداث مايو 1968 كنتيجة لتراكمات فرضتها ظروف محلية ودولية مهمة على المستويين السياسي والاقتصادي منذ بداية الستينيات.
فعلى المستوى السياسي كانت حالة من الحنق الشعبي تسود البلاد بسبب تقييد الحريات من قبل نظام الجنرال ديغول والتضييق على المفكرين وأهل الأدب والسياسة بحجة الأمن وحماية الجمهورية ومبادئها، وكان الشرخ كبيرا في النظرة الى التجنيد ووضع المستعمرات الفرنسية في الخارج خاصة الأوضاع في الجزائر وما شهدته من مجازر قبل منحها استقلالها عام 1962 وعودة مليوني فرنسي كانوا يعيشون فيها بعدما كانت فرنسا قد عاشت حتى هزيمة «ديان بيان فو» في فيتنام 1954.
لم تتمكن الدولة ولا أجهزتها من إسكات المفكرين أو الصحافة رغم الضغوط وعمليات المنع التي واجهت الكثير من المؤلفات والمسرحيات، وحرص المفكرون على إصدار بيانات ونداءات أشهرها «بيان الـ 121» المناهض للمشاركة في الحروب والذي يحرض على عصيان الدولة وعدم الذهاب الى التجنيد، وقد صاغ هذا البيان «موريس بلانشو» ووقعه أعلام كثر كان بينهم جان بول سارتر.
الحزب الشيوعي الفرنسي، وكما في اغلب الدول في تلك الحقبة، كان تحت سيطرة «الستالينيين» في زمن كانت الشيوعية تشهد فيه انقسامات عديدة، ومن أبرز العوامل المؤثرة فيها كان الخلاف الصيني - السوفييتي المستمر وخلاف الستالينيين والتروتسكيين المتجذر، وقد دفعت به هذه العوامل الى مهادنة السلطة.
وانطلاقا من هذا الواقع كانت المؤسسات النقابية والاتحادات التابعة للشيوعيين تسير على النهج نفسه.
وعلى المستوى الاقتصادي شكل عام 1968 نقطة تحولية في مسار الاقتصاد الفرنسي الذي انتقل من مرحلة النمو إلى مرحلة ركود بدأت تلقي بظلالها على العمال ومستوى المعيشة والبطالة.
لكن المفاجأة كانت أن التمرد لم ينطلق من صفوف العمال بل من قبل الطلاب، وبدأ على أساس المطالبة بالحريات وخاصة شعاري «منع الممنوع» و«ان لم تعطني حريتي فسأتولى الأمر بنفسي»! و«اركضوا يا أصدقائي العالم القديم ورائي» ثم رفع الشعارات الاقتصادية لاحقا.
السبب المباشر لانتفاضة مايو 1968 كان اعتقال طالب ألماني أمه فرنسية يدعى «دانييل كون – بنديت» (هو نائب بالبرلمان الأوروبي في المانيا اليوم) وصدر قرار بطرده بسبب تأسيسه حركة أسماها «حركة 22 مارس» ردا على إقدام السلطات على اعتقال مجموعة من الطلاب في وقت سابق لتنظيمهم تظاهرة ضد حرب فيتنام وتشكيلهم لجنة أسموها «لجنة مناصرة فيتنام».
طالب كون - بنديت وزملاؤه بإطلاق سراح زملائهم، ولما لم تستجب السلطة لطلبهم أقدموا على احتلال مبنى جامعة «نانتير» الباريسية في بداية مايو 1968، أمام هذا الواقع أعلنت ادارة الجامعة عن إغلاق ابوابها فقرر الطلاب المحتجون نقل تحركاتهم الى مبنى «السوربون» في اليوم التالي.
وهنا بدأت الصدامات المباشرة بين الطلاب وقوات الشرطة التي تدخلت جديا، وألقت القبض على قادة التحرك الذين أخضعوا لتحقيق مع مجلس التأديب في الجامعة انتهى الى قرار طردهم.
أدى قرار الطرد الى تواصل المظاهرات وتعزيز المشاركة فيها والتعاطف معها، وفي يوم 10 مايو لم تجد قوات الشرطة مفرا لمنع تدهور الأمور إلا مواجهة تظاهرة ضمت آلاف الطلاب بعنف شديد، خصوصا ان مطالبهم تمثلت بالتمسك بالإفراج عن أعضاء مناصري فيتنام واعادة الطلبة المفصولين.
نتيجة للقمع المفرط الذي ظهر في بعض الصحف انضم للمحتجين عدد كبير من المفكرين والمثقفين وانتقلت العدوى الى صفوف العمال والنقابات حتى خرجت في 13 مايو مظاهرة ضمت مئات الآلاف رغم الإفراج عن الطلبة إذ ظهرت مطالبات العمال بتحسين الأجور وتحسين أوضاعهم الاقتصادية وظروف عملهم. وفي 14 مايو أعلن الإضراب العام في البلاد فشارك فيه 10 ملايين مواطن.
واستمر نحو شهر لم ينته إلا بموافقة الدولة على زيادة الحد الأدنى للأجور 37% والموافقة على تمثيل العمال في نقابات المصانع.
أحدثت الانتفاضة آثارا مدوية في أوروبا الغربية، خصوصا انه لم يكن معروفا ما ستنتهي اليه، فبعد انضمام العمال الى المظاهرات اعتقد اليمين ان اليساريين يتجهون الى الاستيلاء على السلطة معززين بدعم الطلاب، لكن قراءة التجربة تؤكد ان النقابات خاصة تلك التابعة للحزب الشيوعي عملت على فك الارتباط بين تحركي الطلاب والعمال.
وكان من المستغرب في بداية التحرك الهجوم العنيف لوسائل إعلام الحزب الشيوعي على الطلاب الذين وصفوا بـ «الهمجيين» والفوضويين والرعاع. والتأكيد على تبرؤ الحزب منهم رغم انسجام شعاراتهم مع شعارات اليسار!
ولم تهدأ حدة الهجوم إلا بعد أن تدخل قادة ومفكرون كبار في اليسار ليؤكدوا ضرورة التعاطف مع الطلاب ومطالبهم المحقة وتعزيز الحريات والخروج من الكبت والمحظورات التي فرضت على الشعب الفرنسي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.
إذن، لم يكن الشيوعيون يسعون أو يخططون للانقلاب، ولا الطلاب كما أكد «كون – بنديت» في لقاءاته الإعلامية اللاحقة يرغبون في الاستيلاء على السلطة.
في خضم الأحداث، وعندما استولى الطلاب على جامعة السوربون طلب الرئيس ديغول من رئيس وزرائه جورج بومبيدو «سحق التحرك وتنظيف الجامعة»، إلا أن الأخير رفض وكان محقا في تصرفه لأنه كان يعلم ان كل تصعيد لابد ان يُقابل بتصعيد أكبر في الشارع.
الشرطة بدورها عمدت إلى التنسيق مع قادة المظاهرات في مختلف المناطق وفتحت معهم خطوطا تفاوضية لمنع سفك الدماء وقد نجحت في ذلك.
وكانت نقابة رجال الأمن في بداية المواجهات قد حذرت الحكومة - والرئيس ضمنا ـ ن ان المواجهة مع الطلاب تلقي بـ «مسؤولية ضميرية» كبيرة على رجال الأمن، وقد أصاب هذا الموقف الجنرال ديغول بحرج كبير جدا دفعه الى مغادرة البلاد الى قاعدة فرنسية في ألمانيا الغربية.
ولم يعد حتى تأكد من ان المحتجين «ليسوا «ثوارا» ولا يهدفون الى الاستيلاء على السلطة.
أمام هذا الواقع لم يجد الجنرال ديغول مخرجا الا الدعوة الى انتخابات مبكرة واستقالة الحكومة في 21 يونيو، ورغم فوز حزب ديغول مجددا، إلا أن الأحزاب لم تتبن الانتفاضة والطلاب لم يسعوا للانقلاب، فقد مهدت الأحداث لتحالف الاشتراكيين والشيوعيين وتدعيم ركائز اليسار الذي سمح بإيصال الرئيس فرنسوا ميتران الى الرئاسة في 1981 واستمراره حتى 1995 والذي كاد يعود مع المرشحة سيغولين روايال الى رأس السلطة في الانتخابات الماضية.
هذا اليسار الذي يفتخر بانتفاضة 1968 يرى انها حركة عززت حقوق الفرد وحريته ورفعتها الى مصاف مهمة وانتزعتها من سلطة لم تكن ترغب في اعطائها، بع ذلك رفعت القيود عن كل شيء: الصحافة، المسرح، الأدب، الكتب، وأصبح من الممكن التعبير بحرية وانتقاد النظام وممارساته الاستعمارية وكشف وسائل تعذيبه والتأكيد على حرية أهالي المستعمرات في الاستقلال، ويؤكد ان آثارها على فرنسا اليوم لا تقل أهمية عن آثار الثورة الفرنسية عام 1789 والشعارات التي رفعتها.
تم تأليف العديد من الكتب ووضع الكثير من الدراسات حول أحداث 1968 وما إذا كانت ثورة أم لا، وعن آثارها وانعكاساتها على المجتمع، وليس هناك اتفاق حولها اذ مازال اليمينيون يصرون على انها كانت تجربة خطيرة والتوقف عندها باحترام وتبجيل يعني تشريع الفوضى في وجه الدولة.
في النهاية وباختلاف الأحكام الصادرة بحق تلك الأحداث أو الانتفاضة، هناك حقيقة مؤكدة انها مهدت الى تحركات مهمة هزت أوروبا وقضت على الكثير من موروثات الحرب العالمية الثانية برغم استمرار الحرب الباردة في أصعب لحظاتها.
ثورات الربيع
من صراع القوميات الذي تصاعد إلى حربين عالميتين، إلى صراع الأيديولوجيا الذي أدخل العالم في حرب باردة بين «الجبارين»، وصولا الى ما يسمى بعصر القطب الواحد والعولمة، شهد العالم ثورات وانتفاضات شعبية لن تُنسى لاسيما تلك التي اتسمت بالطابع السلمي.
بعد انتصارها في الحرب الباردة واجهت الولايات المتحدة عمليات استهداف معادية من جماعات إسلامية سبق ان دعمتها أميركا في حربها الضروس ضد الاتحاد السوفييتي في افغانستان. وصلت حركة طالبان إلى السلطة في افغانستان عام 1994، ووفرت ملاذا آمنا لتنظيم «القاعدة» الذي أسسه أسامة بن لادن بين عامي 1988 و1989 أعلن حربه رسميا على الولايات المتحدة، وأولى عملياته البارزة كانت محاولة تفجير برج التجارة العالمي في 1993، ثم استهدف السفارتين الأميركيتين في تنزانيا وكينيا عام 1998، قبل أن ينفذ هجمات 11 سبتمبر التي كرست عمليا نظرية كان قد أطلقها استاذ العلوم السياسية صامويل هنتنجتون عام 1993 عن «صراع الحضارات» اعتبر فيها أنه بعد الحرب الباردة ستكون المواجهة الأعنف على أساس الحضارة، مستعرضا عددا من المواجهات المحتملة للحضارة الغربية مع الاسلام والحضارتين الصينية والاندوكية (الهندية).
مسار الأحداث والصراع بين «القاعدة» والغرب أعطى النظرية زخما منقطع النظير ودارت نقاشات مطولة، غالبا ما كانت تنتهي إلى أن المجتمعات الإسلامية ممانعة بحضارتها وموروثاتها للديموقراطية، مستشهدين بالثورة الإيرانية التي لم تفض إلى ديموقراطية بمفهومها الغربي رغم سلميتها، واستبعد كثير من الخبراء وبينهم هنتنجتون أن يشهد العالم العربي ثورات شبيهة بتلك الثورات التي حررت دول أوروبا الشرقية قبل وبعد سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي.
رحل هنتنجتون عام 2008 قبل 3 سنوات من أحداث اجتاحت فجأة العالم العربي فيها الكثير من سمات الحركات التحررية والديموقراطية السلمية التي سبق ان شهدها الغرب بدءا من أحداث 1968 في فرنسا إلى ربيع براغ ثم سقوط الجدار، كما لم يشهد قبل وفاته أحداث النرويج في 22 يوليو 2011 والتي تؤكد أن اليمين المسيحي ليس بأقل تطرفاً من اليمين الإسلامي.
ارجاء كثيرة من العالم العربي المسلم بغالبيته شهدت خروج ملايين الشباب إلى الشوارع بحماس منقطع النظير، بدأ في تونس وامتد الى دول أخرى تحت شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» مستفيدين من ثورة التكنولوجيا القادمة من الغرب والإعلام الجديد الذي قدمته شبكة الإنترنت.
قوبلت الثورات بترحيب غربي وبذلت الدول الغربية وسفاراتها جهودا كبيرة على غرار تلك التي بذلتها في نهاية الثمانينيات في أوروبا الشرقية.
وحاولت مساعدة الثوار في أكثر من حالة كان أوضحها ليبيا على تشكيل سلطة مؤقتة بديلة تتولى المرحلة الانتقالية خلال وبعد سقوط النظام.
بمناسبة ما أطلق عليه «الربيع العربي» نستعيد بالذاكرة بعض الثورات المشابهة في اوروبا والعالم خلال العقود الماضية منها الثورة المخملية في تشيكوسلوڤاكيا والثورة الوردية في جورجيا والبرتقالية في أوكرانيا وثورة التوليب في قيرغيزيا وثورة البلدوزر في صربيا وثورة الغناء في دول البلطيق، إضافة إلى بعض تجارب القرن الماضي في مجال النضال السلمي للحركات التحررية وصولا إلى الثورات العربية.
واقرأ ايضاً:
الحلقة الأولى: ثورة تشيكوسلوفاكيا المخملية غيّرت وجه أوروبا
الحلقة الثانية: بالغناء خاضت دول البلطيق ثورتها وتحررت من الاتحاد السوفييتي
الحلقة الثالثة: «ثورة البلدوزر» أطاحت بميلوسيفيتش أكبر ديكتاتوريي العصر الحديث
الحلقة الرابعة: بالورود وشعار «كفاية» أطاحت الثورة الوردية بنظام شيفرنادزه في جورجيا
الحلقة الخامسة: ثورة أوكرانيا البرتقالية.. أنشودة ديموقراطية عابرة؟
الحلقة السادسة: سقوط جدار برلين.. ثورة الثورات
الحلقة السابعة: «الثورة الصفراء».. «قوة الشعب الأولى» أنهت 20 عاماً من ديكتاتورية ماركوس في الفلبين بشعار «ارحل».. واللون الأصفر
الحلقة الثامنة: «ثورة الطناجر» في الأرجنتين أتت بـ 5 رؤساء في أسبوعين