Note: English translation is not 100% accurate
ناشد وقف نشر ثقافة الكراهية والإقلاع عن سياسة «الغاب» وإبراز الخير في الكويت من تعليم وعلاج مجاني ومساجد وجمعيات خيرية
الجنفاوي: النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون أعطونا أسوة حسنة بالتعامل العادل مع اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين في المدينة المنورة والخلافة الإسلامية
20 فبراير 2012
المصدر : الأنباء

الانتماء للوطن يتطلب الحفاظ على نسيج المجتمع والتعايش بالسلم والانسجام وإن اختلفت العقائد والآراء والابتعاد عن الوشاية والتحريض
حب الأوطان غريزي.. والقرآن قرن حب الأرض بحب النفس والدين دلالة على عظمه.. ويكفي لجرح مشاعر إنسان أن تشير بأنه لا وطن له
علينا إصلاح القلوب وإخماد نار الفتنة بتقديم التضحيات الكبيرة لأن العصبيات المقيتة تفرق المجتمعات وتضعف قوتها
سبل تعزيز الوطنية دعاء الله الصادق والعلم والعمل الخالص والتزام الأخلاق الحميدة
لما كان الخروج من الوطن قاسياً على النفس فقد كان من فضائل المهاجرين أنهم ضحوا بأوطانهم هجرة في سبيل الله
سرّ نجاح الدول الالتفاف حول حاكمها ومناصحته والعلماء الربانيين الذين يقدرون المصالح والمفاسد بمقاييس ثابتة
علينا بالأخذ على يد الظالم حتى لا يزيد في غيه.. ومن يريد نشر الفساد نمنعه بالحكمة والموعظة والقانون حتى لا تغرق السفينةإعداد: م. ضاري محسن المطيري
أكد الامام والخطيب بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ووكيل المركز الثقافي الإسلامي بالكويت الداعية فهد فريج الجنفاوي أن الانتماء للوطن يتطلب الحفاظ على نسيج المجتمع، والتعايش بالسلم والانسجام وإن اختلفت العقائد والآراء، والابتعاد عن الوشاية والتحريض، مطالبا بوقف نشر ثقافة الكراهية والعداوة، والاقلاع عن سياسة مشروع الغاب، وإبراز الخير في البلاد من تعليم وعلاج مجاني، ومساجد وجمعيات دعوية وخيرية. وأشار الجنفاوي إلى أن من سبل تعزيز الوطنية دعاء الله الصادق بإدامة نعمة الأمن والآمان، والعلم والعمل بإخلاص لبناء راسخ وأساس متين، حتى يستشعر كل مسلم أنه على ثغر للمسلمين، كما قال صلى الله عليه وسلم «كل على ثغر فلا يؤتى الإسلام من قبلك»، ومنها أيضا التخلق بالأخلاق الحميدة، فلا يتكلم إلا بما هو خير ويكون قدوة صالحة في عمله لأنه سفير للإسلام، لافتا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين أعطونا أسوة حسنة بالتعامل العادل تحت مظلة الإسلام مع اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين في المدينة النبوية والخلافة الإسلامية. «الأنباء» التقت الجنفاوي للحديث عن ميزان الوطن والوطنية في الإسلام، وسبل تعزيزها وتقويمها، بالإضافة إلى صور من السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي التي تدلل على قيمة حب الأوطان، وفيما يلي تفاصيل اللقاء:
هل حب الوطن والانتماء له من الشريعة، وله علاقة بالدين؟
٭ حب الأوطان والبلدان أمر غريزي، وطبيعة طبع الله النفوس عليها، وحين يولد الإنسان في أرض وينشأ فيها فيشرب ماءها ويتنفس هواءها ويحيا بين أهلها فإن فطرته تربطه بها فيحبها ويواليها، ويكفي لجرح مشاعر إنسان أن تشير بأنه لا وطن له، وقد اقترن حب الأرض بحب النفس في القرآن الكريم، قال الله عز وجل (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم)، بل ارتبط في موضع آخر بالدين، قال تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)، فحب الوطن له علاقة وثيقة بالشريعة، وهو أمر فطري جبلي، قال أهل الأدب: «إذا أردت أن تعرف الرجل فانظر كيف تحنته إلى أوطانه، وتشوقه إلى إخوانه وبكاؤه على ما مضى من زمانه».
هل هناك مثال من السنة النبوية الشريفة للحنين وحب الوطن؟
٭ في سنن الترمذي بإسناد صحيح عن عبدالله بن عدي بن حراء قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا على الحزورة فقال: «إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت»، قال العيني رحمه الله: «ابتلى الله نبيه بفراق الوطن»، ولما علم النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيبقى مهاجرا دعا بتحبيب المدينة إليه كما في الصحيحين وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قدم من سفر فأبصر درجات المدينة أوضع ناقته (أي أسرع بها)، قال ابن حجر رحمه الله «فيها دلالة على فضل المدينة، وعلى حب الوطن والحنين إليه»، ولما كان الخروج من الوطن قاسيا على النفس فقد كان من فضائل المهاجرين أنهم ضحوا بأوطانهم هجرة في سبيل الله.
الانتماء للوطن
ما المتطلبات الحقيقية للانتماء للوطن؟
٭ يتطلب الانتماء للوطن الحفاظ على نسيج المجتمع على اختلاف ملله ونحله، والتعايش بالسلم، والابتعاد عن تصفية الحسابات والوشاية والتحريض، والانسجام وإن اختلفت العقائد والآراء، ولكن هناك حدودا مشتركة في التعامل، فإذا نظرنا إلى المجتمع المدني إبان تأسيسه عند بزوغ فجر الإسلام بقيادة الرسول الأمين محمد بن عبدالله، سيد الأولين والآخرين وإمام المرسلين وخير البشرية أجمعين، نجد أنه كان في مجتمعه اليهود والمنافقون والنصارى وعبدة الأصنام وغيرهم، فكيف استطاع أن يجد آلية التعامل مع الجميع تحت مظلة الإسلام الخفاقة؟ ومن بعده أبوبكر الصديق، وإتمام المسيرة بالعدل والرحمة والإحسان، وعمر الفاروق، والفتوحات الكبيرة وتغيير حياة الإنسان من الجهل إلى الإيمان، ومن الكفر إلى الإسلام دون إكراه وقهر وإجبار، ثم ذو النورين عثمان بن عفان، وتوزيع الثروات والتواصل في الفتوحات والتعامل بحذر مع اليهود والمنافقين، ونزع فتيل الأزمات والتعامل بالعدل مع الفتنة عندما ظهرت طوائف خطيرة مسلمة، وبعده علي بن أبي طالب الخليفة الرابع، وكيف استطاع نزع فتيل الفتن بالحكمة واللباقة والفطانة والذكاء، قال تعالى (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل).
ما واجب الأسرة من الآباء والأمهات تجاه الأولاد لترسيخ قيم الوطنية وتعزيزها؟
٭ إن الانتماء للوطن يتطلب القيام بالمسؤولية تجاه الأبناء لصناعة الأجيال (وقفوهم إنهم مسؤولون)، بإعداده من خلال أداء العبادات وممارسة المعاملات واحترام الآخرين، وتلقي العلم وحفظ القرآن والسنة، ومعرفة حدود الله عز وجل وطاعة الله عز وجل (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، وتعزيز الانتماء لهذه البلدة الطيبة والتعامل مع الجميع بإيجابية والابتعاد عن السلبية (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)، إن البلد الذي ولد فيه الإنسان يحبه وينتمي إليه، ويفرح إن كان بلده إسلاميا وقد قطنه الآباء والأجداد وأصبح تاريخا وصرحا شامخة، فهذا الرسول محمد صلى الله عليه وسلم عندما أخرجه قومه من مكة يقول «والله إنك لأحب الديار إلى قلبي»، ولقد دعا للمدينة المنورة عندما أكمل حياته فيها قائلا: «اللهم حبب إليهم المدينة كحبهم لمكة أو أشد»، هذه المحبة الصادقة عندما تغمرنا لابد من ترجمتها الى اعمال.
هل تذكر لنا شيئا من الحياة العملية لتعزيز الوطنية؟
٭ أولها الدعاء، خاصة الأدعية النبوية الجامعة، ومن ذلك «اللهم اجعل هذا البلد آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم»، ومن ذلك «اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا». كما كان يدعو انبياء الله كقول الله على لسان ابراهيم (رب اجعل هذا البلد آمنا) وغيرها من النصوص الشرعية التي تدل على ذلك
ومنها العلم والعمل بإخلاص، فطلب العلم فريضة، فيعيش المسلم في كنف العلم ويبحث عن النافع منه ويعمل بإخلاص لبناء راسخ وأساس متين حتى يكون على ثغر كما قال صلى الله عليه وسلم «كل على ثغر فلا يؤتى الإسلام من قبلك».
الأخلاق الحميدة، فلا يتكلم إلا بما هو خير، ويتعامل مع الآخرين كما يحب أن يعاملوه، ويكون قدوة صالحة في عمله لأنه سفير للإسلام، وديننا عالمي ولابد من مخالطة الآخرين من مسلمين وغيرهم وضريبة ذلك التسامح والتجاوز عن المخطئ وعدم النصرة للنفس حتى تكون رفيقا في الأمر كله كما قال صلى الله عليه وسلم «ما دخل الرفق في شيء إلا زانه ولا خلا منه شيء إلا شانه».
التعامل مع أخطاء الآخرين
كيف نتعامل مع من يظهر فساده وخطؤه امام الناس ممن نشاركهم العيش في وطن واحد؟
٭ نحن نعيش جميعا في مركب واحد، ففي المركب قد يكون المؤمن الفاسق وسريع الغضب، فهذا نتعامل معه بالنصيحة والدعوة بالتي هي أحسن، والأخذ على يد الظالم حتى لا يزيد في غيه وعنجهيته، والذي يريد أن يخرق السفينة ويثير الزوابع والفساد لابد من منعه وزجره بالحكمة والموعظة وبالقانون حتى لا تغرق هذه السفينة الكبيرة، ولذلك عالج الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك بالصبر والقول الحسن السديد، وكل مقيم ومواطن يعرف حدود مسؤوليته (إن عليك إلا البلاغ).
هناك بعض الأمور التي تثير الكراهية بين ابناء المجتمع، كيف نواجهها؟
٭ البعد عن كل ما يثير الكراهية والعداوة والتنازع والشقاق، ومن ذلك التعصب والكبر والتفاخر بالأنساب والطعن بالأحساب كما قال صلى الله عليه وسلم «ثلاثة من الكفر، وفي رواية: ثلاثة من الجاهلية: التفاخر بالأنساب، والطعن بالأحساب، والنياحة على الميت» كما نوصي بعضنا بعضا بالابتعاد عن آفات اللسان من الغيبة والنميمة والكذب وإساءة الظن وغيرها مما يوغر الصدر، ولذلك قال تعالى (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا).
العصبيات المقيتة
هل يدخل فيما سبق العصبيات القبلية والحزبية والطائفية؟
٭ هذه العصبيات المقيتة لم تدخل في مجتمع إلا فرقته، ولا في صالح إلا أفسدته، ولا في كثير إلا قللته، ولا في قوي إلا أضعفته، ما نجح الشيطان في شيء مثلما نجح فيها، شب عليها الصغير وشاب عليها الكبير، وتبناها حثالة المجتمع، وتبرز هذه القضية من خلال فلتات اللسان، وصفحات الوجوه، وما يكتب على الجدران، وطاولات التلاميذ، ومجالس الدهماء تروجها، وأشعار الجهلاء ترددها، كلما خبت نارها جاء من يسعرها، ويحذر من نسيانها والغفلة عنها، إنها العصبية القبلية المقيتة، إنها الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب، الفخر بالأرض والتراب، إنها الفخر بالعرق واللون والبلد والجنس، بل يمتد رواقه إلى التعصب للرأي والعمل والتخصص، حقا إنها حرباء تلونت ألوانها وتنوعت أشكالها وساءت وقبحت وربي تبعاتها، إنها دعوى الجاهلية تأصلت فيمن رق إيمانه وضعف يقينه وطمس على قلبه وغفل عن أصله وحقيقته.
يقول الله تعالى ذاما أهل الحمية لغير الدين (إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجٰاهلية)، وجاء في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم «ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية»، وجاء أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد» أخرجه مسلم في صحيحه، وروى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي، الناس بنو آدم، وآدم خلق من تراب، ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى»، روى حذيفة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «كلكم بنو آدم، وآدم خلق من تراب، ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان» أخرجه البزار وصححه الألباني كما في صحيح الجامع.
إذن ما الواجب علينا تجاه مواجهة العصبيات القبلية والفئوية؟
٭ الواجب إصلاح ذات البين وإذكاء الخلاف وإخماد نار الفتنة وإصلاح القلوب، ويتطلب ذلك تضحيات كبيرة قولية وعملية، يتنازل الفرد عن كبريائه وعظمته إلى التواضع ليحصل على الأجر، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم «إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه رضي بالتحريش بينكم»، فلابد من تفويت الفرص عليه ولاسيما بعد التحذير النبوي والواضح.
ومنها السعي للوصول إلى مجتمع مثالي سعي، وهذا لا يتأتى إلا من خلال الدعوة إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية الغراء، لأنها أوامر ربانية ودستور حياة، والخالق عز وجل هو الأعلم بما ينفعنا وما يضرنا وما يسعدنا فلا عدل ولا رحمة إلا بالتشريعات الإلهية (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون)، فلا ربا ولا تبرج ولا معاصي ولا موبقات بل حقوق تعطى وواجبات تؤدى.
ما واجبنا تجاه ولاة الأمر والعلماء في وطننا؟
٭ واجبنا هو الالتفاف حول الحكام والعلماء الربانيين، فالحاكم هو الأب الكبير، وعندما يقوم برسالته يجب الالتفاف حوله وشكره ومناصحته والدعاء له، والعالم الرباني هو الذي يقيس الأمور بموازين ثابتة وعلوم راسخة، ويقدر الأمور بين المصالح والمفاسد وينظر على المدى البعيد، وهذا سر نجاح الدول كما قال تعالى (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).
التواصي بالصبر والشكر
هل من كلمة أخيرة؟
٭ أوصي بالتعامل بمنظور الصبر والشكر والرضا بقضاء الله عز وجل، فالمسلم قد يتعرض إلى البلاء ونقص من الأموال والأنفس والثمرات فلا يسخط أو يؤجج الآخرين ويشعل نار الفتن، وليتوقف عن نشر ثقافة الكراهية والعداوة والبغضاء ويقلع عن سياسة مشروع الغاب وهي «القوي يعتدي على الضعيف وكل يأخذ حقه بيده» بل يصبر ويحتسب وهناك قوانين ومسؤولية ووجهاء لهم ثقلهم ومكانتهم في البلاد، ثم إذا أصابه الله تبارك وتعالى بنعمة فعليه أن يحمد ويشكر لتزيد النعم ويرضى بقضاء الله عز وجل وقدره في الدنيا فلا يسخط ولا يحسد الآخرين.
وعدم إيذاء الآخرين: فللأسف أن بعضهم يؤذي الآخرين في الطرقات من تجاوز الإشارة الحمراء والسرعة الجنونية وتعطيل حركة المرور أو السباق والمطاردة والتحرش بالنساء أو إيذاء كبار السن او غيرهم، وايضا إبراز الخير في بلادنا من تعليم وعلاج مجاني ومساجد وجمعيات خيرية وتوفير المأوى وفرص العمل وتسهيل مهمة الزواج والعلاوات، كما قال تعالى: (وأما بنعمة ربك فحدث)، وعلينا أن نذكر محاسن المجتمع وخصاله الحميدة ودوره الإيجابي في الداخل والخارج مع اليتيم والأرملة والمسكين والمعاق وصاحب العوز والضعيف مع الجميع في توفير الوظائف والسكن والعلاج والتعليم المجاني، وعدم وجود الضرائب التي تثقل كاهل الإنسان والعناية التامة بالمعاقين، والاهتمام الكامل بالطلبة المتفوقين وتخصيص ميزانية للأبحاث للتطوير وللتنمية، ومن الناحية الشرعية بناء المساجد وحلقات تحفيظ القرآن.