Note: English translation is not 100% accurate
ديوان الزنادقة وقضية كشغري
20 فبراير 2012
المصدر : الأنباء

الحمد لله، لا مثيل له، ولا ند، ولا شريك، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير وآله وصحبه.
أنشأ الخليفة العباسي المهدي بن الخليفة أبي جعفر المنصور، المتوفى سنة (169 هـ) رحمه الله ورضي عنه ديوانا خاصا بالزنادقة (كالوزارة في العصر الحاضر) مرتبطا به، لتتبع الزنادقة والملاحدة، وقتلهم، صيانة للدين، وتعظيما لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وطاعة لله وتقربا إليه، فشكر المسلمون صنيعه، وبقي ذكره الحسن في الأمة، وكان في ذلك تابعا لمن سبقه من الخلفاء، ومنهم أبوه أبوجعفر المنصور الذي قتل خلقا من الزنادقة وصلبهم، ومنهم مؤسس الفرقة الخطابية وسبعون رجلا من طائفته، وطائفة الراوندية وهم نحو من ستمائة.
كما أوصى المهدي ابنه وخليفته من بعده موسى الهادي بقتل زنادقة المانية، ولهذا وصف الذهبي (السير 7/ 401) المهدي بقوله: (...قصابا في الزنادقة، باحثا عنهم)، ومما يحمد للمهدي أن ابنا لوزيره أبي عبيدالله معاوية بن عبيدالله بن يسار، اتهم بالزندقة، فتتبعه وطائفة معه، فأقر بالزندقة بين يديه، فقتله، وجاء في بعض الروايات أن المهدي قال لأبيه: (قم فتقرب إلى الله بدمه، فقام ليقتل ولده فعثر فوقع، فقال العباس بن محمد: إن رأيت أن تعفي الشيخ فافعل، فأمر بابنه فضربت عنقه). (الكامل لابن الأثير 5/ 239).
ومن نظر في كتب التواريخ مدة خلافة المهدي من سنة 158 إلى سنة 169، رأى كثرة من تتبعهم من الزنادقة، وقتلهم، ولهذا قال السيوطي (تاريخ الخلفاء ص239) مبينا حاله مع الزنادقة: (تتبع الزنادقة وأفنى منهم خلقا كثيرا)، وأبلغ من هذا الوصف قول الذهبي (تاريخ الإسلام 10/ 25): (وأباد المهدي الزنادقة). فجزاه الله عن الإسلام خيرا، ولا يدري العبد في أي شيء تكون مغفرة الله له.
لقد أعاد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز نصر الله به الإسلام والسنة هذا الديوان إلى الذاكرة، حين أمر بالقبض على المفتون حمزة كشغري، وإحالته إلى القضاء، ليقضى فيه بشرع الله، جزاء سخريته وسبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، الذي هو إلحاد وزندقة بلا ريب، ولا يكف الزنادقة إلا العلم الكاشف، والسيف القاطع، وقديما قال الحكيم: الظلم من طبع النفوس، وإنما يصدها عن ذلك إحدى علتين: إما ديانة لخوف معاد، أو سياسة لخوف النفس.
وقال أبو الطيب المتنبي:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى
حتى يراق على جوانبه الدم
ذكر الجرجاني (أسرار البلاغة ص 230) على هذا البيت أنه «معنى معقول، لم يزل العقلاء يقضون بصحته، ويرى العارفون بالسياسة الأخذ بسنته، وبه جاءت أوامر الله سبحانه، وعليه جرت الأحكام الشرعية والسنن النبوية، وبه استقام لأهل الدين دينهم، وانتفى عنهم أذى من يفتنهم ويضرهم، إذ كان موضوع الجبلة على ألا تخلو الدنيا من الطغاة الماردين والغواة المعاندين، الذين لا يعون الحكمة فتردعهم، ولا يتصورون الرشد فيكفهم النصح ويمنعهم، ولا يحسون بنقائص الغي والضلال وما في الجور والظلم من الضعة والخبال، فيجدوا لذلك مس ألم يحبسهم على الأمر، ويقف بهم عند الزجر، بل كانوا كالبهائم والسباع لا يوجعهم إلا ما يخرق الأبشار من حد الحديد وسطو البأس الشديد، فلو لم تطبع لأمثالهم السيوف، ولم تطلق فيهم الحتوف، لما استقام دين ولا دنيا، ولا نال أهل الشرف ما نالوه من الرتبة العليا، فلا يطيب الشرب من منهل لم تنف عنه الأقذاء، ولا تقر الروح في بدن لم تدفع عنه الأدواء».
أرجو أن يغلق ديوان الزندقة بعد كشغري بتوبة نصوح لكل منحرف عن الحق، لماز بالباطل، وعقوبة الآخرة أشد وأنكى.
وما بال أمثال كشغري اختبؤوا وتواروا لما صدر قرار القبض عليه، بل طمسوا ما كتبوا، وغيروا ما حرفوا، لوعيد دنيوي، وخوفا من سلطان مخلوق، ولم يخافوا الرقيب عليهم، الذي يعلم سرهم ونجواهم، وإذا أراد بهم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال؟ أذكرهم قوله تعالى: (إن ربك لبالمرصاد).
والحمد لله رب العالمين.