Note: English translation is not 100% accurate
أعدها نواف ساري المحامي ووكيل النائب العام والقاضي بالمحاكم الكويتية سابقاً
انفراد وزير العدل باختصاصات رئيس الفتوى والتشريع مخالفة صريحة للقانون
30 سبتمبر 2012
المصدر : الأنباء

تعيين مجلس أعلى للفتوى والتشريع من قبل الوزير تعدٍ صارخ على استقلالية الإدارة
إدارة الفتوى والتشريع هيئة قضائية مستقلة
طريق تطوير السلطة القضائية لابد أن يمر بإدارة الفتوى والتشريع
لا يمكن لعضو الإدارة ممارسة مهامه وشؤون وظيفته في يد غيرهمؤمن المصري
قدم المحامي نواف ساري دراسة مطولة حول مكانة إدارة الفتوى والتشريع وفق توصيف قانوني ومدى تبعيتها لوزير العدل، وتأتي هذه الدراسة لتبين - بإيجاز غير مخل - مكانة إدارة الفتوى والتشريع واتصافها بالقضائية والاستقلالية كما نتناول حدود إشراف الوزير الملحقة به الإدارة وإمكانية تفرده بالقرارات وأخيرا نعرض للحاجة لتطوير إدارة الفتوى والتشريع، ونص الدراسة كما قدمها المحامي نواف ساري، الذي سبق له العمل كوكيل النائب العام والقاضي بالمحاكم الكويتية سابقا، كالتالي:
قضائية إدارة الفتوى والتشريع
الفتوى والتشريع إدارة مستقلة أنشئت في عام 1960 أي قبل الدستور حيث ظهرت الحاجة لوجود مثل هذا الجهاز القانوني الفني لتقديم الاستشارة القانونية للدولة الفتية آنذاك وصياغة التشريعات ومراجعة العقود والذود عن الخزانة العامة وتمثيل الدولة أمام المحاكم.
وعند صدور الدستور نص في بابه الرابع الفصل الخامس المخصص للسلطة القضائية وفي المادة 170 تحديدا على انه «يرتب القانون الهيئة التي تتولى إبداء الرأي القانوني للوزارات والمصالح العامة وتقوم بصياغة مشروعات القوانين واللوائح كما يرتب تمثيل الدولة وسائر الهيئات العامة أمام جهات القضاء».
وبالرغم من هذا التوجيه الدستوري إلا انه لم تر هذه الهيئة القضائية النور بالرغم من مضي أكثر من 60 سنة، ويبقى المرسوم الأميري رقم 12/1960 بإنشاء الفتوى والتشريع نافذا معمولا به وهو من ينظم اختصاصات الإدارة وعملها.
ونصت المادة الأولى من المرسوم سالف الذكر «تنشأ إدارة مستقلة للفتوى والتشريع لحكومة الكويت، وتلحق بالمجلس الأعلى (مجلس الوزراء)» وجاءت صفة الاستقلالية للإدارة لما يعهد إليها من دور فني كبير قررته المواد من الثانية حتى الثامنة من المرسوم ذاته ويحقق الغاية من كونها المستشار القانوني للدولة والفيصل للنزاعات بين الإدارات والمصالح الحكومية.
كذلك صفة الاستقلالية اكتسبتها الفتوى كونها هيئة قضائية وفقا لطبيعة العمل الموكول لها فإدارة الفتوى والتشريع مثل النيابة العامة حيث تمثل النيابة العامة المجتمع في الدعوى العمومية وتمثل إدارة الفتوى والتشريع الدولة ومؤسساتها.
وهذا ما أكد عليه دستور 1962 حيث وجه المشرع بترتيب الهيئة القضائية للفتوى والتشريع وقضايا الدولة وهذا التوجيه من قبل المشرع الدستوري يحسم الجدل حول الصفة القضائية لإدارة الفتوى والتشريع حيث أوردها المشرع في الفصل المخصص للسلطة القضائية وجاءت في سياق تنظيمه للمجلس الاعلى للقضاء والمحاكم والنيابة العامة والقضاء الإداري.
ويؤكد هذا الرأي ما استقرت عليه الأحكام القضائية بالقول بقضائية الفتوى والتشريع ومنها الحكم الصادر في الاستئنافين رقمي 82، 83/1996 إداري بجلسة 31/7/1997 والذي لم تأت بخلافه محكمة التمييز وأقرته حيث تقول المحكمة في حيثياته «تود المحكمة أن تنوه إلى أنها لاحظت وهي بصدد بحث وقائع النزاع وأحكام القانون المطبق أمرين، الأول: ان المرسوم الأميري رقم12/1960 بتنظيم إدارة الفتوى والتشريع وهو صادر منذ ما يقارب سبعا وثلاثين سنة أي قبل صدور الدستور لم يعد مواكبا سواء في أحكامه أو صياغته لما طرأ على النظام القانوني برمته لدولة الكويت من تطورات وما صدر أيضا من تشريعات متعاقبة في شأن تنظيم القضاء حال ان تظهر إدارة الفتوى والتشريع في صورتها المرسومة بنص المادة 170 من الدستور وهي شطر من السلطة القضائية التي افرد لها الدستور الفصل الخامس من بابه الرابع واسند لها اختصاصات هامة كل ذلك مدعاة للمبادرة إلى إعادة النظر في قانون إنشاء الإدارة وتنظيمها على نحو يواكب ما طرأ على التنظيمات القانونية للدولة من تطورات».
ولا يفوتنا هنا ان نبين الرأي الفقهي في هذه المسألة وهو الذي صدر رأيا قاطعا بقضائية الفتوى التشريع واعتبارها هيئة قضائية مقررا لها الاستقلالية عن مجلس الوزراء وهذا الرأي صدر بمناسبة الاستفسار الصادر من الأمانة العامة لمجلس الوزراء عام 1975 عما إذا كانت إدارة الفتوى والتشريع تعتبر طبقا للمواد الدستورية الخاصة بها ووفقا للقانون المقارن إحدى الهيئات القضائية أم إحدى الهيئات الإدارية، حيث قرر الفقه أن إدارة الفتوى والتشريع إحدى الهيئات المكونة للسلطة القضائية وفقا للنص الدستوري 170، انه لا خلاف في القانون المقارن على ان المهمة التي أولاها المشرع الدستوري لإدارة الفتوى والتشريع هي من مهام الهيئة القضائية وان اختلفت تسميتها كمجلس الدولة، ان اصطلاح الهيئة القضائية أوسع من مصطلح القاضي فرجال النيابة العامة ليسو قضاة وإنما هم بلا شك من رجال الهيئة القضائية مثلهم مثل رجال الفتوى والتشريع.
وبهذا نكون قد استوضحنا الرأي حول الصفة القضائية لإدارة الفتوى والتشريع من جانبها الدستوري والقانوني والقضائي والفقهي.
حدود إشراف الوزير الملحقة به إدارة الفتوى والتشريع
ولما كان ما سبق من إقرارنا بقضائية إدارة الفتوى والتشريع وما يترتب على هذه الصفة من إقرار باستقلالية الإدارة استقلالية تتماشى مع غاية ووظيفة، فقد جاءت المادة 9 من المرسوم بقانون 12/1960 لتبين أن «يشرف على أعمال إدارة الفتوى والتشريع الخبير القانوني (رئيس إدارة الفتوى والتشريع) لحكومة الكويت».
كما جاء في المادة 10 «يلحق بإدارة الفتوى والتشريع عدد من رجال القانون يرشحهم الخبير القانوني لحكومة الكويت ويعينون بقرار من المجلس الأعلى (مجلس الوزراء)».
وعند صدور المرسوم بقانون رقم 14/1977 بشأن درجات ومرتبات القضاة وأعضاء النيابة وأعضاء الفتوى والتشريع ألغيت المادة 10 من المرسوم 12/1960 وجاءت المادة الثانية منه لتقرر انه «يتولى القضاة وأعضاء النيابة وإدارة الفتوى والتشريع وظائفهم بمرسوم، عدا التعيين في أدنى الدرجات فيكون بقرار من الوزير المختص بناء على ترشيح لجنة اختيار تشكل بقرار منه لهذا الغرض».
وفي ضوء ما تقدم من نصوص تحدد صلاحيات إشراف الوزير الملحقة به إدارة الفتوى والتشريع، فالوزير غير مخول وفقا للنصوص المنظمة للإدارة ان يعين منفردا أعضاء جددا دون ترشيح من لجنة الاختيار، فإذا كان هذا الحكم بالنسبة للأعضاء الجدد فمن الأولى أن الوزير لا يمكنه التفرد بتعيين وترقية أعضاء الإدارة في باقي الدرجات أو تعيين نواب للرئيس دون عرض من الخبير القانون (رئيس الإدارة) الذي يملك وفقا لنص المادة 9 من الرسوم الأميري 12/1960 الإشراف على الإدارة.
أما عن إمكانية تشكيل مجلس أعلى للفتوى والتشريع من قبل الوزير فهذا لا يملك الوزير صلاحية فيه فطبقا لنص المادة 9 من المرسوم الأميري 12/1960 فان الإشراف في هذه المسائل الداخلية للإدارة فالخبير القانوني (رئيس الإدارة) هو من يملك هذا الأمر وهذا الحكم يماثل القواعد في القوانين المقارنة فكل هيئة قضائية تختص بجمعيتها العمومية المشكلة وفق قانونها او لوائحها التنظيمية تختص بإدارة شؤونها الوظيفية والتأديبية، كما ان وجود مثل هذا المجلس بإرادة الوزير يفقد الحيدة والموضوعية عن الإدارة فكيف يبدي العضو رأيا فنيا في نزاعات ادارية وشأنهم الوظيفي في يد غيره.
ولا يقدح في ذلك ان يعهد مجلس الوزراء لوزير بعينه الإشراف على إدارة الفتوى والتشريع فان ذلك الإشراف لا يتعدى ان يكون الوزير فيه حلقة وصل بين الإدارة ومجلس الوزراء ينقل توجيهاته للإدارة بما يتماشى مع السياسة العامة للدولة كما يرفع له (مجلس الوزراء) احتياجات الإدارة من الناحيتين المالية والإدارية.
وبغض النظر عن النصوص التي تقرر حدود الوزير في الإشراف على الإدارة الملحقة به فإن المنطق القانوني السليم والأسلوب الإداري الأمثل يقرر عدم تفرد الوزير بقرارات إدارة رأى المشرع لها تنظيما خاصا، أو إغفال الوزير لرأي رئيس الإدارة وهو من يطلع عن قرب على ما تحتاجه الإدارة وما يكفل سير العمل بها بانتظام واطراد يحقق الأهداف والمهام الموكولة لها، فإذا كانت هذه الإدارة مستقلة بنص الدستور والقانون وتتصف بكونها هيئة قضائية وتتولى مهام جسيمة فان حدود تدخل الوزير تضيق لأقصى درجاتها.
تطوير إدارة الفتوى والتشريع
بالرغم من أهمية إدارة الفتوى والتشريع وحساسية وظيفتها إلا أنها لم تلق الاهتمام من قبل المشرع، وبرغم التوجيه الدستوري لترتيب شؤونها إلا أن القانون المنظم للإدارة ظل المرسوم الأميري رقم 12/1960 الصادر قبل الدستور وهو تشريع مختصر لا يواكب التطور والنمو للدولة.
ومع الدعوات الأخيرة لتطوير السلطة القضائية وتعزيز استقلاليتها، فإننا نؤكد أن أي طريق لتطوير السلطة القضائية يجب أن يمر على إدارة الفتوى والتشريع بالتأكيد على استقلاليتها صراحة وتحصين أعضائها من أي سلطة قد تؤثر على رأيهم الفني وكذلك إقرار التفتيش الفني على الأعضاء بمختلف درجاتهم مما يضمن سلامة أعمالهم وجودتها.
وتطوير إدارة الفتوى والتشريع ينحصر في تصورين: الأول هو إقرار قانون تحويلها إلى هيئة قضائية، ينظم شؤونها بشكل مفصل ومتطور بتطور مهامها، وأما إقرار قانون إنشاء مجلس الدولة الذي وجه المشرع الدستوري لإنشائه، فهذا يكون بضم إدارة الفتوى والتشريع مع الشق القضائي، الدائرة الإدارية، وإنشاء هيئة قضايا الدولة، وهذا التصور الأخير هو الأنسب، فقد طال الانتظار لمثل هذا التطور الذي سوف يرسخ من دولة المؤسسات ويعزز مكانة السلطة القضائية بها.
وننقل هنا ما أورده الفقيه الراحل عثمان عبدالملك الصالح «رحمه الله» في دراسته حول النظام الدستوري والمؤسسات السياسية في الكويت حيث يقول في معرض ترجيحه لحاجة الكويت للقضاء المزدوج بإنشاء مجلس الدولة «ومما يساعد على إقامة قضاء اداري مستقل في الكويت وييسره وجود إدارة الفتوى والتشريع التي أنشئت قبل صدور الدستور بالمرسوم رقم 12/1960 وهي تقوم فعلا بجانب من رسالة مجلس الدولة كالإفتاء والصياغة التشريعية لمشروعات القوانين واللوائح ومراجعة العقود وإبداء الرأي فيها وهو ما أشار إليه الدستور في مادته 171 عندما نص على انه «يجوز بقانون انشاء مجلس دولة يختص بوظائف القضاء الإداري والإفتاء والصياغة»، فلا يبقى حتى تصبح إدارة الفتوى والتشريع مجلس دولة سوى ان ينشأ قسم قضائي تنضم له أو ينضم لها بالشكل المؤدي لتحقيق الغاية منها فيتكون من القسمين مجلس الدولة الكويتي».
فيجب على المشرع الإقدام على هذه الخطوة بإنشاء مجلس الدولة ولا مجال لتردده فالكوادر الفنية من القانونيين متوافرة والحاجة موجودة والوعي القضائي لدى الأفراد في تزايد والدوائر الإدارية تعج بالقضايا ولم يبق إلا صدور تشريع ينظم ذلك.