بيروت ـ د.ناصر زيدان
تصويت اللجان المشتركة في المجلس النيابي اللبناني على اقتراح قانون اللقاء الأرثوذكسي، بأغلبية 30 صوتا ومعارضة 24، أثار موجة من الاعتراضات التي أخذت الطابع الجوهري، وشملت مكونات وقوى ليست على تماس مع الانقسامات العمودية القائمة في البلد (اي فريقي 8 و14 آذار) ومنها الرئيس عمر كرامي والرئيس سليم الحص ورئيس جبهة النضال الوطني وليد جنبلاط، وهيئات المجتمع المدني، التي عمدت الى قطع طريق مجلس النواب أثناء انعقاد جلسة اللجان.
في المقابل، فقد كان الاغتباط الذي أبداه رئيس التيار الوطني الحر العماد ميشال عون لافتا، ومعالم فرحته من التصويت على الاقتراح فاقت التوقعات، وفاجأ عون المراقبين، عندما اتصل بقائد القوات اللبنانية سمير جعجع ورئيس حزب الكتائب أمين الجميل والبطريرك الراعي، وقام بزيارة رئيس مجلس النواب نبيه بري لشكره على دوره الأساسي في التصويت على الاقتراح.
ما يسمى «الاقتراح الأرثوذكسي» الذي تبرأت منه معظم قيادات الطائفة الأرثوذكسية ـ على ما اشار نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري ـ يتضمن في فقرته الثانية، ان تنتخب كل طائفة نوابها الموزعين مناصفة بين المسيحيين والمسلمين، وكل أبناء مذهب من مذاهب الطائفتين يقترعون لمرشحين من ذات المذهب ـ بحيث ان الزوجة الأرثوذكسية لا تستطيع انتخاب زوجها الماروني ـ على ما أشار اليه احد النواب الموارنة، متحدثا عن واقعة حقيقية موجودة في بيته، وهذا ينطبق على رئيس الحكومة السابق سليم الحص الذي ينقسم أفراد عائلته بين سنة وشيعة، علاوة على كون القانون اذا ما تم اعتماده في الجلسة العامة لمجلس النواب (وهذا غير مؤكد) يؤدي حتما الى تفكك الدولة اللبنانية، بصرف النظر عن الاعتبارات السياسية التي تفرض على بعض القوى التنكر الى هذه الواقعة.
معلومات مؤكدة أشارت الى ان الرئيس نبيه بري ـ المعروف عنه اعتماد الحكمة والتأني في مقاربة الملفات الحساسة ـ تلقى طلبا من جهات إقليمية، وقيل ان الطلب كان عبر رسالة تسلمها من الرئيس السوري بشار الأسد، تطلب اليه الاستعجال في إقرار القانون الأرثوذكسي، أقله في اللجان المشتركة، كهدية تريد القوى الإقليمية ـ لاسيما النظام السوري وإيران ـ تقديمها للعماد ميشال عون المتحمس للقانون، لكون المواقف التي أقدم على اتخاذها عون قدمت خدمات مهمة لهذا المحور، خصوصا فيما يتعلق بتصريحاته المعادية لدول الخليج العربي، أو في رفضه لإعطاء الداتا للأجهزة الأمنية التي تحقق بجرائم، معظم المتهمين بارتكابها أصدقاء لإيران وسورية، ولأن عون نجح في إثارة حساسية بين المسيحيين والسنة، وصور هؤلاء كأنهم معتدين على مقاعد المسيحيين النيابية.
سر استعجال الرئيس بري في طرح المشروع الأرثوذكسي على التصويت ـ رغم تمني قوى سياسية أساسية عليه بالتريث ـ كشفته بالوقائع مجموعة من المعطيات المرتبط بالأزمة السورية، وتداعياتها فإلحاح النظام السوري على إدخال حلفائه في المعركة التي يخوضها في مواجهة الأغلبية الساحقة من الشعب السوري، بدا واضحا من خلال الطلب الى هؤلاء المشاركة في المواجهة الى جانبه، عبر مساندة قتالية (كما يفعل حزب الله) او مساندة لوجستية وسياسية (كما فعل بعض أصدقائه في الساحتين المسيحية والدرزية). ان رفع مستوى التباينات حول قانون الانتخاب في لبنان الى مرتبة الصراعات الكبيرة، او ربطها بالتجاذبات الإقليمية الواسعة من العراق الى سورية، مرورا بالتدخلات في البحرين واليمن، ليس في مصلحة لبنان، وقد يسهم هذا الربط بكارثة يصعب معالجتها بالسهولة التي يتصورها بعض المراهقين في الساحة المسيحية على حد تعبير أوساط متابعة.
ان القضاء على الأحزاب العابرة للطوائف في العراق أدخل البلاد الى مشارف التفتيت، واستبداد النظام السوري قد يفتت سورية، فهل يؤدي القانون الأرثوذكسي ـ إذا ما أقر نهائيا ـ الى تفتيت لبنان، خدمة لمخطط إقليمي، وترضية لشهوات بعض المتحمسين، أو هواة الانعزال؟