مسكت طفليها بيديها، إنها الأمومة، تتجلى في تلك المرأة التي يلفها الحزن وتبدو عليها ملامح الحسرة وتنتابها قسمات الندم، رأيتها ذاهبة الى المسجد، قلت في نفسي بالتأكيد انها من اللاتي في عوز شديد للمال، يقصدن المسجد، يعلمن ان الخير موجود وباق إلى يوم الدين ولن يقصر أهل الخير بهن، دخلت المسجد وأنا أفكر بها، فقد كان الطفلان يلبسان لباسا جديدا نظيفا لا يدل على ما ظننته، حتى شرع الإمام بالخطبة واستمعت له، وعذرا خطباءنا فغالبا خطبكم بالأسلوب نفسه والطريقة ذاتها لا شيء جديد، ونكن لكم فائق الاحترام، وما ان انتهت الصلاة وخرجت ورأيتها أمامي ولكن أين الطفلان؟ أعلم جيدا أن الأنفس ضيقة والمشاكل كثيرة والهمم بليدة، تغير الإنسان مع تغير الزمان حتى صارت التفاهة فنا والعقلانية سذاجة، انتشر الطلاق بطريقة مشينة.
ما رأيته بأم عيني مؤلم وممتع وغريب في الآن ذاته، ظللت واقفا أمام المسجد لأعرف ما قصة تلك السيدة وما بال الطفلين أين ذهبا.
خرج رجل من المسجد وهو يمسك بهذين الطفلين، فتسمرت مكاني، بادرت الرجل بالسؤال ما بالهما؟ فقص علي ما لم أكن أتوقعه.
إنها امرأة سورية الجنسية طبيبة ماهرة بالجراحة تزوجت من رجل كويتي منذ 7 سنوات، ولكنه لا يخشى الله، رزقهما الله بهذين الطفلين وبدأت الثورة السورية وكان يحقر الثوار ويمدح بشار فكانت تمتعض منه، لأن أهلها منهم ونشبت المشاكل وهو أساسا مقصر جدا بالسابق، وبدأت تفقد بين فترة وأخرى فردا فردا من أسرتها أرادوا الشهادة وحصلوا عليها، فالحرية تشترى بالأرواح، ظلت تكتم غيظها بممات أسرتها وشماتة زوجها بقوله هؤلاء «يستحقون الممات» ملحقا بهذا الكلام ضحكة حقيرة ولم تتحمل فحاولت التفاهم معه، وكان رده عليها بالضرب فهو بالأصل دائم السكر وبخيل، ولم تعد تتحمله ولكنها كانت تصبر من أجل الأبناء، وبعد الضرب قررت الانفصال وفعلا حدث ذلك بعد إجراءات طويلة بالمحاكم وما ان طلقت حتى سمعت بأن بلدتها في سورية قد دكت ومات جميع أهلها فانقطعت من شجرة وقررت بعد الطلاق ألا ترى الحياة إلا من خلال هذين الطفلين، واجتهدت في تربيتهما، ووفرت لهما ما تستطيع من مسكن محترم وملبس ممتاز ومأكل طيب ومن الأمور الرائعة أنها في كل جمعة تأتي قبل الصلاة فتقف أمام المسجد وتنتظر تحت أشعة الشمس الملتهبة أي شخص تعطيه الطفلين، وتنتظر حتى يصليا وترجع بهما إلى المنزل.
فليس عندها رجل يقوم بهذه المهمة، فعلا هناك ملائكة بهيئة بشر وهناك شياطين أيضا بهيئة بشر
[email protected] - Twitter: alialsabri