Note: English translation is not 100% accurate
رأي
ربح البيع أبا صهيب
22 نوفمبر 2013
المصدر : الأنباء
بقلم آلاء الغزالي ـ عمان
بعينين مثقلتين بالدمع.. بقلب امتزجت مشاعره بين بالفرح والحزن.. وبروح اعتلت سماء فخرا وإعجابا.. أرى ورقتي قد ازدادت بياضا.. وأحرفي قد تراجعت حياء.. وقلمي قد انحنى خجلا.. كيف لا وأنا هنا في محاولة للوفاء ببعض جوانب رجل بأمة من يبحر في سيرته أو يسمع عن رحلته فإنه يحتار في وصفه.. أمن المهاجرين هو أم من الأنصار.
كانت حياته قصة مجد للأمة.. حين طلب منه ذات مرة الحديث عن تفاصيل دعوته ليكتب عنها قال: «لا أشعر بالراحة حينما يكتب عني وأنا حي أرزق» واليوم أخط هذه الأحرف وقد ووري الثرى عقب درس علمه للأمة أن من عاش لرسالة سامية عاش كبيرا ومات عظيما.. لست هنا بصدد ذكر سيرته فأحرفي تعجز عن ذلك وتاريخ قد سطره بماء الذهب ولكني لأقول لأمة من بعده لمثل هذا الرجل فلتنجبي.
بجنات عدن حلم ولدار الآخرة عمل دوما ما كان يردد «سألقي عصا الترحال يوم أضمن الجنة ومادمت دون ذلك فلا مفر من العمل حتى يأتي اليقين فالحساب عسير» أتت ساعة الرحيل وانتقل إلى جوار ربه تاركا أمة بأكملها تردد «كفيت ووفيت» تاركا ملايين من المسلمين أضاءت لهم حياتهم سيلقونه هناك عند حوض الكوثر.. وجيلا من حفظة كتاب الله سيغردون بالقرآن إلى أن يرفرفوا في جنات الخلد.. صغارا وكبارا، شبابا وشيبانا ملأت مقلهم بالدموع وقلوبهم تمزقت حزنا لرحيلة.
أثقل على الأمة بجميل صنعه فلم يعد في الدنيا ما يوفيه حقه واصطفاه الرحمن بجواره ليكرمه بكل خطوة خطاها في سبيله وبكل قطرة عرق نزلت على وجهه.. وبكل ساعة ألم ومشقة بذلت لرضاه.. رحل إلى أكرم الأكرمين. رحل بجسده وبقيت روحه وسيرته تسري في العالم الإسلامي.
رحل ليكتب تاريخا أبلغ من كل بيان.. ترك حياة الراحة والرفاهية بموطنه الكويت ليجود بوقته وماله بل وأسرته في سبيل الله، راح يجوب الأدغال الأفريقية لا يبالي على أي فراش ينام أو أي طعام يأكل أو من أي مستنقع يشرب.. رغم إصابته بالسكر والجلطات القلبية والدماغية ونزيف في العين وغيرها من الأمراض ورغم ما يحتاجه كل يوم إلى عشرات الأدوية وحقن الأنسولين. يكسر كل تلك العوائق والعقبات وينطلق في ميدان الدعوة.. كان يقول: «عندي عشرات الأمراض ولكن من ينقذني من الحساب يوم يشكوني الناس في أفريقيا بأني لم أسع إلى هدايتهم» كان أكثر ما يؤثر فيه، رحمه الله، إلى حد البكاء حينما يذهب إلى منطقة ويدخل أبناؤها في الإسلام ثم يصرخون ويبكون على آبائهم وأمهاتهم الذين ماتوا على غير الإسلام وهم يسألون: أين أنتم يا مسلمون؟ لماذا تأخرتم علينا كل هذه السنوات؟
كانت هذه الكلمات تجعله يبكي بمرارة ويشعر بجزء من المسؤولية تجاه هؤلاء الذين ماتوا على الكفر.. ومن روائع سيرته، رحمة الله، سماحته وتواضعه ونبل أخلاقه. فلم يحاول استغلال حاجة أي إنسان سواء كان مسلما أو غير مسلم.. كان المسيحيون يقولون له كيف تعطينا وتعرف أننا مسيحيين، فيقول: هذا ليس بطولة من عندي انه ديني يأمرني بذلك.. لم يحاول في يوم من الأيام خلال 30 سنة ان يساوم أحدا على دينه مقابل المساعدات نهائيا.. كانت مدارس جمعيته مفتوحة لكل الناس. والآبار التي تحفرها جمعيته مفتوحة للجميع. كان يهتم بشؤون كل قبيلة وكأنها أسرته. وكان يقول: «والذي نفسي بيده اني تمنيت لو شققت قلبي لأضع في كل قبيلة جزءا منه خوفا من حساب الله يوم القيامة».
حفظ أسر المسلمين وأبناءهم فحفظ الرحمن له أبناءه رغم بعده عنهم إلا أنهم نشأوا على طاعة الرحمن وخطى ونهج أبيهم.
وقبل الختام، تعود بي ذاكرتي إلى يوم زيارته المباركة لنا بمنزلنا في عمان تلك الزيارة التي لن تتطاول عليها أيادي النسيان يومها روى لنا حكاية الطفل صديق.
فقال: نظرا للأعداد الكبيرة من مجاعة الأطفال فإني أقوم بفحص الطفل قبل إعطائه وجبة الطعام لأقدم الأولوية للأطفال الذين بهم رمق الحياة لأنقذ حياتهم وبينما كنت أفحص الأطفال فحصت طفلا ليس به رمق الحياة لقلة وزنه وعندما أردت تقديم الطعام لمن بهم رمق الحياة وجدت أمه تبكي فحدثتني نفسي ان أعطيه وجبة الطعام فأعطيته وأكملت عملي ونسيته ومرت السنون وبعد 9 سنين إذا بهم يرسلون لي صورته وقد كبر وأتم حفظ كتاب الله ومعه لوحة خشبية كتب عليها آيات من القرآن قدمها الشيخ هدية لنا.. لله دره.. إن العظمة الباهرة التي نراها في سيرة هذا الرجل الشاهق الذي جاء ليعيد لنا تاريخ الصحابة.. ليست أساطير وإن بدت من فرط إعجازها كالأساطير.. مازال قلمي يتدفق ولكني مجبرة على إيقافه فمن أتحدث عنه لا تكفيه مجلدات لتوفيه حقه.. هو رجل بأمة، حياته كانت مجدا مشرفا للتاريخ.. باع الدنيا واشترى الآخرة ولكأني أسمعها تقال له ربح البيع أبا صهيب.. لكم سنعلم أبناءنا سيرتك يا عظيم سطع نوره في سماء الأمة.