Note: English translation is not 100% accurate
تقرير اخباري
أوكرانيا.. ساحة جديدة لتصفية حسابات روسية ـ أميركية وانعكاس غير مباشر على أزمة سورية و«جنيف 2»
21 فبراير 2014
المصدر : بيروت
أوكرانيا بعيدة عن لبنان وسورية والمنطقة وقريبة في آن.
قد لا تعني التطورات الجارية في هذا البلد الدائر في الفلك الروسي شيئا أو كثيرا حتى لو كانت تحمل ملامح «الثورات العربية»، ولكن لا يمكن التقليل من شأن ما يجري هناك لأن الأمر لا يتعلق فقط بأزمة داخلية تجنح في اتجاه حرب أهلية ويطرح لها حل داخلي يقوم على حكومة جامعة وانتخابات رئاسية وإصلاح دستوري، وإنما للأزمة الأوكرانية تعقيدات وامتدادات دولية وأسفرت سريعا وتلقائيا عن اهتزاز عنيف في العلاقات والتفاهمات الروسية مع أميركا وأوروبا لن تكون الأزمة السورية والتسوية المعدة لها في إطار «جنيف 2» في منأى عنه.
تمثل «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا نموذجا صارخا للصراع الروسي ـ الغربي على تلك الدولة التي تمثل منطقة جغرافية فاصلة بين الجانبين، في سعي كل طرف إلى توسيع نفوذه على حساب الآخر، كما تمثل صراعا على الهوية في البلاد بين فريق يسعى للإبقاء على توجهها السوفييتي، وفريق يأمل في «الحلم الأوروبي» وهو ما جسدته الاحتجاجات في ميدان الاستقلال في 2013-2014. فقد دعمت أوروبا الثورة البرتقالية في أوكرانيا عام 2004 بهدف وضع حد لما اعتبرته الهيمنة الروسية على أوكرانيا، وتوجيه ضربة قاضية لأحلام موسكو الإمبراطورية. لكن الرياح الأوكرانية جرت بما لا تشتهي السفن الغربية، وفاز فيكتور يانوكوفيتش المدعوم من موسكو في الانتخابات التي جرت في 2 فبراير 2010 على فيكتور يوشينكو زعيم «الثورة البرتقالية».
وبعد أن قال الأوكرانيون كلمتهم، أدرك الغرب أن سياسة تصادمية مع أوكرانيا قد لا تكون ذات جدوى، فاعتمد سياسة ظاهرها التقارب وباطنها المراوغة، فباركت أميركا نجاح يانوكوفيتش في الانتخابات، ومثل ذلك فعل الاتحاد الأوروبي، وانتهزوا الفرصة الملائمة لإلقاء مشروع «الشراكة الشرقية»، الذي أدى رفضه من جانب الحكومة الأوكرانية بحجة الأمن القومي إلى نشوب احتجاجات عارمة من الأوكرانيين الموالين للاندماج بالغرب. (يضم البرنامج إضافة إلى أوكرانيا ومولدافيا وجورجيا كلا من أذربيجان وأرمينيا وبيلاروسيا). وتحولت هذه التظاهرات مع مرور الزمن إلى دامية بين فريقين أحدهما يدفع في اتجاه أوروبا واتحادها وهو جانب المعارضة، وآخر في اتجاه روسيا وهي الرئاسة والحكومة والنظام. وتحولت الأمور رويدا إلى ما يشبه الربيع العربي. المعارضة احتلت الميادين، والساحة المسماة بـ «الاستقلال» رافعة شعارات لمحاربة الفساد، والحلم الأوروبي.
تعد أوكرانيا إحدى أهم البلدان استراتيجياً في الصراع الدائر بين القوى العظمى حاليا نظرا الى موقعها الاستراتيجي وغناها بالثروات الباطنية. وهي دولة محورية في منطقة دول البحر الأسود نظرا لموقعها الجغرافي المميز الذي يربط دول الاتحاد الأوروبي بها ولربطها بالبحر الأسود والاتحاد الروسي، وتشكل ممرا إجباريا لحركة التجارة الأوروبية ـ الآسيوية في ترابطها بالاتحاد الروسي. بناء على هذا الموقع الجغرافي أضحت مركز اهتمام كبير لدى الغرب وأميركا.
العلاقات الروسية ـ الأوكرانية لا يمكن حصرها بالمكاسب أو الخسائر الاقتصادية المتوقعة تبعا لطبيعة التقارب أو التباعد بين البلدين، لأن الترابط العضوي الذي ترسخ على مدى قرون يمنح كييف أولوية قصوى بالنسبة إلى الكرملين.
وحتى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وإعلان استقلال أوكرانيا، ظلت العلاقات بين الطرفين أشبه بعلاقات بلد واحد تفصل أطرافه حدود وحواجز وقوانين محلية.
والتحاق أوكرانيا بأوروبا سيعني التزامها بعدد من المواثيق المشتركة التي من بينها اتخاذ سياسات دولية وإقليمية تعارض مصالح موسكو، إضافة الى إمكانية انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، ما يعني إحكام تطويق روسيا عسكريا، ونشر الصواريخ الغربية تحت نوافذ الكرملين مباشرة. كما أنه على الصعيد الاقتصادي ـ الصناعي، ثمة خسائر لا تعوض أيضا. ولكن المشكلة ستكمن في تعرض روسيا لهزيمة سياسية وديبلوماسية من العيار الثقيل ستكون الأكثر إيلاما منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، لأن منطقة النفوذ الروسي ستنكمش بقوة، ولا يستبعد أن يحفز تطور من هذا النوع بلدانا أخرى على أن تحذو الطريق ذاته مثل مولدافيا وأذربيجان، خصوصا أن روسيا خسرت جورجيا أصلا منذ الحرب بين البلدين في العام 2008 التي أسفرت عن سلخ إقليمين جورجيين هما ابخازيا وأوسيتيا الجنوبية واعتراف موسكو بهما جمهوريتين مستقلتين. وبالمقابل، تمثل أوكرانيا أهمية محورية لتوسع الاتحاد الأوروبي شرقا على حساب روسيا، بعد أن أصبحت پولندا عضوا في الاتحاد، وأصبحت رومانيا وبلغاريا مؤهلتين للعضوية فيه، كما تمثل محورا مهما للولايات المتحدة في صراعها لتحجيم صحوة الدب الروسي.
وسط كل ذلك، تثير الأزمة الأوكرانية تساؤلات حول مدى انعكاساتها على سورية، باعتبار أن الصراع الروسي ـ الغربي يدور راهنا على جبهتين في الشمال أوكرانيا وفي الجنوب سورية.
كلتا الدولتين هما داخل المدى الإقليمي المباشر لروسيا. في سورية القتال على أشده من ضواحي دمشق إلى ضواحي جنيف. بصورة ما، ومع فتح جبهتين بين الجنوب والشمال على روسيا يبدو وكأن الغربيين يعيدون أو يحاولون إعادة تطبيق المعادلة التي أدت إلى إسقاط الاتحاد السوفييتي وهي فتح جبهتين ضد موسكو في آن واحد في العام 1980: في بولونيا وأفغانستان. في بولونيا جرى استنفار قوى عميقة دينية مسيحية وليبرالية مدعومة بنخب كاثوليكية ويهودية وفي أفغانستان تحرك المارد الديني الإسلامي.
اليوم معركة على جبهتين مع فارق ما آلت إليه الجغرافيا السياسية. الاتحاد السوفييتي كان دولة عالمية عظمى، روسيا الحالية هي دولة إقليمية عظمى مع نفوذ دولي يكفيها لاستخدامه في الدفاع عن أقاليمها الممتدة من بحر البلطيق إلى بحر اليابان.
المختلف راهنا أنها تخوض معركة الروسية الأرثوذكسية في أوروبا الشرقية والقوقاز ومعركة مواجهة الإسلام السني الراديكالي في القوقاز بل داخل روسيا والشرق الأوسط الآسيوي بصورة خاصة وقلبه سورية.
وفي طرح سياسي جديد وفي ظل السباق بين الاتحاد الأوروبي وروسيا وأميركا على مناطق النفوذ، واعتراف روسيا وأميركا بالعجز عن حل الأزمة في سورية، هل ستكون سورية مقابل أوكرانيا؟ يمكن لنتائج الأزمة الأوكرانية أن تؤثر على موقف روسيا في الأزمة السورية من خلال سيناريوهين على الأقل.
فدعم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة للمعارضة في أوكرانيا سيضع الديبلوماسية الروسية على حافة الهاوية، وبالتالي قد يجعلها أكثر تعنتا في التنازل عن سورية.
أما إذا تمكن يانكوفيتش، بدعم روسي قوي، من النجاة من محاولات المعارضة لعزله، حينئذ سيظل الرجل القوي في أوكرانيا، أو قد يجري استبداله بمتشدد آخر موال لروسيا، وحينئذ لن يصب ذلك في صالح النظام السوري.
فقد تكون الديبلوماسية الروسية أكثر استعدادا لفكرة تشكيل حكومة انتقالية في سورية من دون الأسد، شريطة أن تتلقى ضمانات بشأن مصالحها الأساسية في بلاد الشام.
لقد دخلت سورية الآن في سباق مزايدات بين الروس والأميركيين. الروس حاليا، هم العمود الفقري لبقاء الأسد، لكن ما جد في التداعيات هو بروز أوكرانيا كنزاع أطلسي روسي، وقد يكون مجال المساومة بين حل الوضع السوري برؤية أميركية، أم تعقيد وضع أوكرانيا أو تركها لروسيا في صفقة جديدة أخرى.