Note: English translation is not 100% accurate
أبكتني خطبة «جمعة»
31 يناير 2015
المصدر : الأنباء
بقلم : احمد عفيفي
ليس من السهل أبدا أن أبكي من اي خطبة في صلاة الجمعة، الا اذا كان هناك حدث جلل وكانت الخطبة بمستوى نفس الحدث، وهذا قليل وقليل جدا ما يحدث، لكن خطبة الشيخ علي جمعة في صلاة «جمعة» امس بمسجد السيدة نفيسة في القاهرة ابكتني وحرقت قلبي، لسبب بسيط جدا لمسته في كل حرف وكلمة نطق بها، كان صادقا وحزينا ومتألما، ولم يستطع منع دمعة حارقة سقطت من عينيه، فأبكى كل المصلين.
ما حدث امس في العريش، ليس هو الأول ولن يكون الأخير، قدرنا أن نحارب إرهابا رهيبا منظما وممولا، ليس إرهاب أشخاص ينتقمون او يريدون لمصر ان تقع ولا يكتب لها الاستقرار، ولا يشتد عودها وتقف مرة أخرى بعد عثرات شديدة كانت جديرة بتحطيم دول عاتية، لكنها مضت ـ ولاتزال ـ وأمامها هدف لا تحيد عنه وهو محو آثار الماضي الذي يبدو ان محوه عسير، والنظر إلى مستقبل أمة بدأت من جديد تتسلل الى دائرة الضوء والاهتمام وقوة الفعل والتأثير، تحاول ان تنهض من كبوتها الاقتصادية بفتح منافذ جديدة كانت مغلقة، تحاول ان تشد من أزر مواطن «غلبان»، فتوفر له لقمة عيش نظيفة، يأكلها ويطعم بها عياله دون ان يطأطئ رأسه ويذل نفسه ويهان، غير ان هذا الاستقرار والمضي فيه بثبات، يقلق منام الآخرين، في الداخل والخارج، فيدفع من في الخارج ويمد من بالداخل بالمال والمعدات، ليقصم ظهر البلد ويضرب عزيمته، ويقسم أهله ما بين راض عن النظام وناقم عليه من غير الإخوان، وكثيرون منا وقع في هذا المأزق، وصرنا نثور لمقتل ناشطة، لها مني كل الاحترام والتبجيل، ولا يهزنا مقتل 30 شهيدا في عملية واحدة من جنود مصر وضباطها «جيش وشرطة»، راحوا في غمضة عين بفعل إرهاب خسيس لن يحقق أبدا أهدافه، وهو يعلم ذلك، فيعمل فقط على زلزلة الأرض من تحتك ويربكك ويبكيك على أبنائك وأهلك، وهو يعلم انك ـ بما لك من تجارب وتاريخ ـ ستقوم من سقطتك وتجفف دموعك وتنتقم، هو يدرك ذلك، لكن يستمتع فقط بدموعك ويطيل عليك فترة استعادة توازنك، ليأتيك بضربة جديدة تربك حساباتك.
لماذا أبكاني الشيخ علي جمعة؟ لأنه ركز على هذه النقطة، نقطة الانقسام الحادث في مصر، ناس تدرك حساسية المرحلة وتعرف ان هناك اخطاء، لكن التركيز عليها يعقد المشكلة ولا يحلها، وناس ترى ان هناك سلبيات في النظام، فتنتهز أي فرصة لتبث سمومها وتنفخ في الجير، وكأنها صادقة في نواياها ولا تبغي الا مصلحة أمة، لكن ان فتشت في قلوبهم ونفوسهم، فستدرك أنهم لا يريدون الا الخراب الذي سيعود عليهم هم بالنفع والمصلحة.
هذا التشتت، وهذا الانقسام، حتى لو كان الجانبان على حق من وجهة نظرهم، هل هذا هو وقته الآن؟! أليس جديرا بنا، لحتمية اللحظة الآنية، ان ننبذ الخلافات واختلاف وجهات النظر، ونتحد كلنا من اجل إنقاذ بلد بحجم مصر من كبوة تخطط لها دول ومؤسسات، تعمل على ان تسقط فيها ولا تقوم منها أبدا؟
لمصلحة من ما يحدث في مصر الآن؟ ـ والكلام لي وليس للشيخ جمعة ـ لا الإعلام المناصر للسيسي بفجاجة وتزلف صح، ولا الإعلام المناهض له والمتربص به أيضا صح، مثلا، إعلامي مع النظام يطالب علانية وزير الداخلية بإبادة حي المطرية عن بكرة أبيه ومحو المنطقة بأهلها من خريطة القاهرة على اعتبار ان الحي يمثل بؤرة إرهابية يخشى منها ان تكرر مأساة منصة «رابعة»، فالحل من وجهة نظر هذا الإعلامي «الجاهل» ان تقتل كل من في المطرية، إرهابيين وأبرياء، في المقابل إعلامي آخر ضد النظام يطالب أي إخواني بقتل كل ضابط شرطة يقابله، ويبشر زوجات الضباط بأن أزواجهن سيخرجون ولا يعودون الا في نعوش، يقولها علانية ويحسب نفسه إعلاميا، والإعلام منه بريء، نموذجان في غاية التخلف والفجاجة، لا عاقل هنا ولا عاقل هناك، والخاسر هو شعب مصر والبلد نفسه.
وأعود للشيخ علي جمعة وخطبته التي أبكتني وهو يدعو ربه ان يصبر أهالي الشهداء ويثبت قلوبهم، ويقسم للجموع بلسان شهداء الواجب، لو أدركنا ما هم فيه من نعيم مقيم لتسابقنا وهرولنا لننال هذا الشرف والرضا الرباني العظيم. كلام رائع ندركه كلنا ونعلم منزلة الشهيد عند ربنا، لكن ماذا نقول لأم فقدت ابنها ربما كان عائلها الوحيد، ولزوجة فقدت زوجها ، ولابن لايزال واقفا في شرفته ينتظر أباه حين يعود، فتصدمه الحقيقة ويعرف بها، غير انه يقرر بقلبه ـ لا بعقله ـ ان يظل في شرفته في انتظار الذي لن يعود.