Note: English translation is not 100% accurate
رثاء
العظماء لا يرحلون
2 فبراير 2015
المصدر : الأنباء
بقلم: سهيلة فهد المالك الصباح
بالأمس مرت الذكرى، رجعت إلى البيت.. أتصورك في عيني.. أحملك في صدري.. تحتضنني بين ذراعيك.. نظرت إليك.. تأملت في وجهك، هو أنت: قسماتك -كما هي - إباء ورجولة، شهامة ومروءة.. عيناك -كما هما - دفء وإشراق، قوة وأمل.. نعم يا أبي، هو أنت.. لم تمض.. ما زلت معي.. سمعت صوتك، دنوت منك، شممت رائحة عطرك، ترددت أنفاسك على مسمعي.. ثم التفت من حولي فلم أجدك، فقلت: لابد أنك تعود. رحلت؟ لا لم ترحل، العظماء لا يرحلون. انتظرت المغيب، لعلك تعود -كما كنت تعود - لكنك لم تأت..تملكني الذهول، وغلبتني الدموع.. متى تعود يا أبي؟ يداهمني الشوق إليك، ويهزني الحنين إلى لقياك.. طال غيابك، فهلا عدت يا أبي؟
ويرخي الليل سدوله، ومع الليل تهدأ النفوس، وتطمئن القلوب، وتنام العيون قريرة هانئة، لكن أنى للقلب الذي غمره الحزن أن يطمئن؟ وأنى للعين التي اغرورقت بالدموع أن يتسلل إليها النوم؟.. وراح الفكر يسبح في آفاق الماضي.. الماضي الزاخر بالتاريخ والمواقف.. الماضي الذي غيب فيه القدر سيفا كان على امتداد الأيام ماضيا، ونجما ظل على الدوام متألقا، وفهدا مشهودا في ميادين المكرمات.. ماضيا لم يمح من الذاكرة.. مازال حيا في القلب.. ماثلا أمام النظر.
ومع الصباح.. زرتك في قبرك.. أسندت رأسي على صدرك.. حاولت أن أحبس دمعتي، لأنني أعرف انك لا تحب البكاء، وما بكيت قط.. كنت تقول: الصغار لا يبكون فكيف يبكي الكبار؟.. التفت يمينا أخفي دمعتي.. أقاومها.. لكني ما لبثت أن غلبني بكائي.. مددت يدك.. نعم مددت يدك تمسح دموعي -كما كنت - دوما تمسحها.
قلت لك: هيا يا أبي يسوؤني أن تبقى وحيدا هنا، من غير أنيس ولا جليس.. قابلتني بابتسامتك المعهودة والحقيقة الخالدة: إن من يغادر إلى دار البقاء لا يمكن أن يعود إلى دنيا الفناء، والانس الحقيقي إنما يكون بجوار رب الأرض والسماء. والدي الحبيب: قبل أن أودعك أخاطب روحك الطاهرة: نعم.. ما عصيت لك أمرا، وكنت بارة بك، ولكنني أقر أني ما وفيتك حقك، ولا قدرتك حق قدرك، فاقبل يا أبت عذري، وارض عني، فإني لا أطيق على سخطك صبرا.أبكيك -أبي- وأنت أحق من أبكيه، أبكيك وأنا أحق من يبكيك.. برحيلك ضاع عنواني.. وبنأيك تصدع كياني، وبغيابك ماتت أفراحي.. كنت سر نعيمي وسعادتي، وفراقك سر حزني وشقائي.. كنت وجودي كله، فلك الوفاء كله.. كنت تاجي وفخاري، ودعني أردد مع الشاعر:
وهل أبكيك أم أشدو بفخر حالتيّ لها دليل
فلا شدوي إذا أقدمت يكفي ولا دون الردى حزن يحول
فرحمك الله -يا أبي - رحمة واسعة، وتغمدك بمغفرته وعفوه، وأعلى مقامك في عليين، في جنات النعيم، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.