Note: English translation is not 100% accurate
في غفلة الزمن.. بقلم: حنان القطان
19 يونيو 2015
المصدر : الأنباء
يقبل علينا رمضان.. شهر الرحمة والغفران.. فنحتفل احتفالا بما لا يرضي الله.. فبدل أن يكون رمضان صرخة يقظة لاستدراك ما فات طوال العام من غفلة.. نجد أنفسنا نجعله شهرا لحشود الاقتيات.. وتجمع المترفات.. وتنافس المقتنيات.
شهر رمضان موسم تدريبي لبناء التقوى في القلوب حتى تثمر طوال السنة سلوكا قويما.. فتنعم الشعوب الإسلامية بالسلامة والبناء.. تمنع التقوى المسلم من ارتكاب المعاصي والمظالم.. تنصبغ كل الجوارح في رمضان من تدبر وتلاوة وقيام وصيام لتلبس النفس والجسد بالتقوى.
قال تعالى: (يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)
فلنسمح لرمضان أن يغيرنا.. أن يصلح قلوبنا ويعالج مشاكل نفوسنا.. هناك ستة تاءات في رمضان ترافق الصائم اليقظ الواعي.
الأولى: تغير.. تغيير نمط حياتك وتغيير لعاداتك السلبية بإرادة واختيار فكبح النفس عما تعودت عليه من سلبيات وإحلال محلها الصالحات من السلوكيات لمدة ثلاثين يوما كفيل بأن يبرمج عقلك وسلوكك للخير والفلاح.
الثانية: تسامح.. تعلم أنه لا يرفع عمل لمشاحن فابدأ الآن بمسامحة الناس والأرحام.
الثالثة: توافق.. مشاركة الفطور الجماعي واصطفافك في التراويح والقيام بين صفوف المصلين داعم للتوافق الاجتماعي والتراحم المولد للصحة النفسية.
الرابعة: تسابق.. ماراثون الخيرات وسباق الصالحات بدأ فكن أول المشاركين.
الخامس: تطهر.. تطهير القلوب بمنقاة القرآن.. ومصفاة التدبر والإيمان.
السادس: توفيق.. توفيق ونجاح بخواتيم مرضية في الختمة القرآنية.. والاعتكاف في المساجد النورانية.. وحضور مجالس الذكر الإيمانية.
بهذا المنهج الجميل نحقق لرمضان هدفه ومبتغاه.
دعونا ندخل بيت النبوة ونتأمل النبي عندما يصبح فيسأل أهل بيته: أثم ما يفطر به؟
فيقال: لا يا رسول الله. فينوي الصيام ويستقبل يومه ببشاشة الشبعان وسماحة الغني المترف.. ويذهب وهو جائع فيلتقي بالناس برحابة صدر وسعة بال متيقنا برزق ربه محسنا الظن به.
إنها نفس عظيمة جديرة أن نجعلها قبلة لنفوسنا المتألمة التي يسرع الضجر فيها إن لم تجد ما ترغب به.. إن الإنسان الذي يدير رغباته ويكبح شهواته جدير به نهضة أمته وانتصار شعبه.. فها هو غاندي حرر الهند من الاستعمار البريطاني بالزهد في منتجات الانجليز المستعمرين وحمل شعار القوت من نبات الأرض لسد الحاجة وليس للإشباع.. فقام الشعب معه يتخلص من الفائض ويشارك الفقراء حياتهم فانتصرت الهند بعد كساد الإنجليز عندهم.. فاضطرت إنجلترا لدعوته للمفاوضات بسبب بطالة الانجليز في الهند وكساد شركاتهم وما كان لهم إلا الخروج من الهند.
من أعظم دروس رمضان أن نربي أنفسنا وأبناءنا على خشونة الحياة والاكتفاء بالقليل من الطعام والتفرغ للعمل والعطاء.. لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يربينا على ذلك ويهيئنا على الانتصار النفسي إذا نزلت بنا محنة فقد جاء في الحديث: «اخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم».
ومن أجمل ما قرأت من الوصايا وصية عثمان النوري لابنه يعظه فيقول «يا بني كل مما يليك، واعلم أنه إذا كان في الطعام لقمة كريمة أو شيء مستطرف فإنما ذلك للشيخ المعظم أو الصبي المدلل، ولست واحدا منهما.
يا بني عود نفسك مجاهدة الهوى والشهوة، ولا تنهش كالسباع، ولا تقضم كالبغال، ولا تلقم لقم الجمال، فإن الله جعلك إنسانا فلا تجعل نفسك بهيمة، واعلم أن الشبع داعية البشم، والبشم داعية السقم، والسقم داعية الموت، ومن مات هذه الميتة فقد مات ميتة لئيمة، لأنه قاتل نفسه، وقاتل نفسه ألأم من قاتل غيره.
يا بني والله ما أدى حق الركوع والسجود ممتلئ قط، ولا خضع لله ذو بطنة، والصوم مصحة، والوجبات عيش الصالحين.
يا بني قد بلغت تسعين عاما ما نقصت لي سن، ولا انتشر لي عصب، ولا عرفت دنين أنف، ولا سيلان عين، ولا سلس بول، وما لذلك علة إلا التخفف من الزاد. فإن كنت تحب الحياة فهذه سبيل الحياة، وإن كنت تحب الموت فتلك سبيل الموت، ولا أبعد الله غيرك..».
هذه وصية عظيمة بعيدة عن عبادة الجسد فيها من السمو الروحي والتحرر من شهوات الغافلين.. فنحن نأكل ونلبس لننعم بعبادة الله ونستعين بالنعم على جودة الطاعة وحسن العطاء.. نأكل لنعيش فنتعبد ونعمر لا نعيش لنأكل ونخلد.. لذلك قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون).
وقال في الغافلين: (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون).
وقال سبحانه: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم).
ومن منهج الطعام لدى المؤمن ألا يسرف (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين).
ولا ننسى في هذا الشهر العظيم رحمة المحتاج والعطف على المحروم وإغاثة الملهوف بالصدقة والإفطار وتلمس الحاجات.
وبعد انقضاء مدة الحياة السريعة المفعمة بالعمل الصالح والتقوى يقول الله للرابحين والفائزين في الجنة: (كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية)، (كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون)،
اللهم بلغنا رمضان ووفقنا لحسن صيامه وقيامه وبلغنا ليلة القدر واكتبنا من المعتوقين من النار الفائزين بالفردوس الأعلى.