الوطن ليس قطعة من الأرض فقط، لكنه مصنع للرجال وإذا قام باغٍ أو محتل أو مستعمر بمحاولة إغلاقه، فبعض الرجال قادرون على إعادة فتحه في الخارج ريثما يندحر الغزاة!
والكويت حالة على حدة، فهي تصنع رجالها وتقوم بإعادة ربط حبل السُرة بين ترابها وروح رجالها، فتقصر المسافات، وتتقلص الأزمنة، ويصبح الوطنُ حالة من الحب الذي لا تستطيع قوة في الأرض أن تزحزحه عن مكانه قيد ذرة.
عندما اختار صاحب السمو الأمير وليَّ عهده، وقدّمه الى مجلس الأمة كادت الدهشة ترتسم على وجوه كل الاعضاء، فليس هناك من يعترض أو يتردد أو يُعيد التفكير لعله يأتي بنتيجة أخرى غير الإجماع، فالشيخ نواف الأحمد في كل بيت كويتي، وفي كل شبر من أرضها، وفي كل قلب.
قال لي د. عبدالرحمن العوضي في حوار جانبي بحفل في الكويت: الشيخ نواف الأحمد رجل دولة من الطراز الأول، وهو قادر على تحمل مسؤوليات يعجز عن حملها أولو القوة من الرجال.
الأرض الصُلبة التي تضرب جذورها في العمق المكاني والزماني، تستطيع أيضا أن تمد جذورها الى البحر، وتعرف عاشقها من علاقته بالبحر والصيد والأمواج وركوب الأخطار، وكلها اجتمعت في الشيخ نواف الأحمد.كان سمو الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح، رحمه الله، قلقا بشدة وهو على الحدود السعودية يُعد العدة للبدء في مقاومة جحافل الغزو، كأكثر قوى المقاومة على مدار التاريخ، أي تمد مقاومتها في كل مكان، وطلب من وزير الدفاع الشيخ نواف الأحمد أن يعيد ترتيب أولوياته مع جنوده في المقاومة من مكان أكثر أمنا، لكن الشيخ نواف الأحمد انتظر مع جنوده حتى اللحظة الفاصلة بين قبضة العدو و.. بين اختيار مكان آخر يعجّل في عودته الى الوطن المحرر.
قادر على تكييف كفاءاته وإمكانياته وقدراته في أي منصب يتولاه، وكان يردد دائما وبتواضع شديد أن مكانه حيث يأمر صاحب السمو الأمير.
وظن الأعداء أن الديرة أضعف من أن تتصدى للإرهاب، فعاد الأمن إليها عندما تولى وزارة الداخلية في أحلك أوقات التربص الخارجي بالكويت.
تولى وزارة الدفاع حيث سنَّ جيران الشمال أنيابهم بأوامر من طاغيتهم، ولم يَخف، ولم يتردد في حشد الاقل لمواجهة الاكبر، وسربوا شائعة إصابته الخطيرة ليفتوا في عضد جنوده، لكن روحه، وهو حي أطال الله عمره، كانت قد سرت في صدور جنوده، فقاوموا بها، حتى تأكدوا أن قائدهم معهم جسدا وروحا.
كان وزيرا للشؤون الاجتماعية والعمل، وظهر جانب آخر لم يكن يعرفه أكثر الناس، أي التناغم والانسجام بين الحسم في شدته، والرحمة في عمقها، فكان الملاذ والملجأ لكل من بحث عن العدل في المساعدة والدعم المالي والتعاطف الاسري، وكان الكويتيون وغير الكويتيين على قدم المساواة حتى انه أمر بأن تلحق الأسرة بربها الوافد وإمام المسجد المقيم في الكويت.
كان نائبا لرئيس الحرس الوطني، وكأن العسكرية بيته الثاني فقضى سنوات أثرى فيها هذا الجهاز بالقوة والسلاح والتدريب وأدخل مناهج علمية وأرسل شبابا لتلقي أحدث طرق التعامل مع البرمجة والحاسوب. ظل، رعاه الله، متسامحا معي في كل الامور التي أبلغت سموه انتقادي، محبة في الكويت، وعندما استقبلني في مكتبه بوزارة الداخلية ولم أقم باختيار كلماتي بعناية، وقلت لسموه ان ركاب الطائرة البريطانية القادمة من لندن صدموا لسلحفاتية مكتب التأشيرات، وتأخر فتحه، وان الركاب تهامسوا عن وزارة الداخلية، ارتسمت فورا علائم الغضب على وجهه الكريم، ووعدني بأنني سأرى في مطار الكويت في زيارتي القادمة شيئا يدخل السرور، ويحسّن صور الكويت، وفعلا أوفىَ بوعده.لم يسع الى منصب، ولم يفرح بالصعود الوظيفي، فكان يتلقى توجيهات صاحب السمو كجندي في اليوم الأول لمعسكر تدريب، حتى عندما أصبح الرجل الثاني في الكويت لم تظهر على يومياته أي تغييرات كبيرة، فهو هادئ الطبع، يعشق البيت وأولاده، وظيفته زوج مثالي ووالد يُربي ويعلّم وينصح ويسمع ويقدس الحياة الأسرية حتى على مائدة الطعام العائلية التي ليس فيها من يشغله آي فون أو موبايل أو رسائل جانبية، فهذا وقت الأب والأم.
عندما يشرع في الاجابة عن سؤال فإنه ينصت للنهاية، ويفكر، ويمنح محدثه حقه في بشاشة الوجه ليضفي روح الاطمئنان.
كل المسؤولين الكبار في العالم أجمع يستريحون من وعثاء العمل المستمر والاجهاد بالسفر والتريح والاسترخاء في أحضان الطبيعة، أما سمو ولي العهد الشيخ نواف الأحمد فراحته في الكويت، وسفره البعيد بين برها وبحرها، بين صحرائها و.. بيته الدافئ.
يشتاق للكويت فور وصوله الى المطار مغادرا، وفور انتهاء مهام العمل في الخارج يختصر ما بقي من أيام الى ساعات، ثم الى دقائق كأن الكويت لا تستطيع صبرا، والحقيقة أن سموه هو الذي لا يستطيع بُعدا.
يستمع الى أولاده مهما كانت شكاواهم، ويتفهم منطقهم، ويخفي حسم المنصب خلف حب الأب، فالأولوية للأبوة.
مضى ثلاثون عاما على معرفتي بسمو الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، ورأيت في سموه كل الصفات الجميلة والنبيلة وفي مقدمتها الحياء والوفاء والشرف والشجاعة والوطنية.
لم تخرج من بين شفتي في ثلاثة عقود كلمة أسرّ لي بها في لقاء خاص، وغضب مني مرة واحدة (ابريل 2008)، لكن معادن الرجال تعيد تلميع الغضب وإزالة ما علق به من عتاب، ليتحول الى تسامح عجيب كأن الحادث أزيل من الزمن نهائيا.
كانت أسعد لحظة في علاقتي الجميلة عندما جاءني صوته الدافئ في مكالمة هاتفية، فبراير 2006، كأن الديرة حملتها لي في أوسلو وقد عرف أنني أريد تهنئة سموه بثقة صاحب السمو ومجلس الأمة وليا للعهد.
اليوم 25 يونيو 2015 أقدم تهنئتي القلبية والخالصة لسمو ولي العهد الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح بعيد ميلاده، داعيا المولى، عز وجل، أن يطيل عُمره، ويمده بالصحة والسعادة والهناء وبمزيد من حب أهل الكويت وأصدقاء هذا البلد الطيب. وحفظ الله الكويت من أي مكروه.
[email protected]