Note: English translation is not 100% accurate
تقرير إخباري
«نقضي على العدو قبل أن يقضي علينا».. عقدة تاريخية لاتزال تحكم إسرائيل
3 أكتوبر 2015
المصدر : تونس ـ الأناضول
نقضي على العدو قبل ان يقضي علينا، شعار أو عقدة تاريخية يمكنها أن تلخص السياسة الإسرائيلية وما يشوبها من هوس لازمها على مدى عقود، وهو شعار يستمد جذوره مما يعرف بـمتلازمة أماليك، التي تقوم عليها الأسطورة المؤسسة للعدوانية الإسرائيلية، بما يغطي المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الحقيقية للدولة العبرية في الوقت الراهن، بحسب سيباستيان بوسوا، الدكتور الفرنسي في العلوم السياسية ورئيس حلقة الباحثين في شؤون الشرق الأوسط بباريس.وفي لقاء نظم بالمعهد الفرنسي في تونس لعرض ومناقشة مؤلفه الجديد، إسرائيل بين أربعة جدران، السياسة الأمنية في طريق مسدود، ، يوضح بوسوا أن فهم الركائز التي تقوم عليها السياسة الأمنية الإسرائلية العدوانية، يستدعي النبش في تاريخ وميثولوجيا الشعب اليهودي المؤسسة، والملقية ظلالها إلى اليوم على سياسة اسرائيلية موصومة بالهوس.
الخبير أشار إلى أن الاسرائيليين يشعرون بالخطر بشكل مستمر، فقد استقر في أذهانهم دوما صورة العدو اللدود الساعي إلى تدمير الشعب اليهودي، ومن هنا ينبغي القضاء على هذا العدو، قبل أن يبادر بالقضاء عليهم، هي إذن مسألة حياة أو موت تعود جذورها إلى أسطورة أماليك.
وينقل سفر الخروج لدى أتباع الديانة اليهودية (الاصحاح 17: 8-16) عدوان قبيلة أماليك (قبائل يمنية بدوية) على شعب إسرائيل خلال خروجهم من مصر، لتتسرب الأسطورة الدينية شيئا فشيئا إلى السياسة وتطفو العقدة على السطح، مع كل تهديد يشعر به اليهود. ويختلف العدو بحسب الظروف والسياق، ففي عام 2012، كان العدو إيران، حينها أطلقت إسرائيل حملة إعلامية ضد ما اعتبرته تهديدا نوويا إيرانيا، وقد سعى رئيس الحكومة الإسرائيلية وقتها، بنيامين نتنياهو، بإصرار شديد إلى مهاجمة طهران، غير أن تحفظ المجموعة الدولية على الأمر حينه، جعل إسرائيل تراجع استراتيجيتها وتسعى إلى التفاوض مع العدو، عوضا عن مهاجمته بشكل مباشر، وفقا للخبير. المبدأ نفسه - كما يشير بوسوا - تحدث عنه الباحث الفرنسي سيلفان سيبيل في كتابه المحاصرون: المجتمع الإسرائيلي في طريق مسدود، موضحا انه يحكم ويسطر السياسة الاسرائيلية تحت جميع الظروف ويترجم غالبا في سلوك عنيف وعنصري ضد العرب وفي الإبقاء عمليا على حالة حرب دائمة معهم منذ 1948، فإسرائيل لم تتوقف يوما عن اعتبار أنها محاصرة بالاعداء.
هوس أمني كانت له انعكاسات سلبية على صورة الجيش الإسرائيلي، بعد أن كان يثير إعجاب الجميع في كل ركن من أركان الدولة العبرية على اثر خروجه منتصرا من جميع الحروب التي خاضها إلى حدود 1980، بعدها، تتالت الهزائم في كل من لبنان عامي 1982 و2006، ثم في قطاع غزة أعوام 2009 و2012 و2014 وتورط الجيش في استعمال مفرط للقوة أدى الى قتل العديد من المدنيين الفلسطينيين (75 % منهم أعمارهم تقل عن 20 عاما)، بما جعل صورته تتلقى ضربات موجعة، وما أعاد شعور الذعر وعدم الإحساس بالأمان لدى الإسرائيليين، بحسب بوسوا.
شعور تفاقم على مر السنين وانطلقت أولى بوادره مع حرب كيبور (الحرب العربية ـ الإسرائيلية في أكتوبر 1973)، حين فوجئت الدولة العبرية في بدايتها باختراق مدو للجيشين المصري والسوري، قبل أن تليها عام 1996 سلسلة من العمليات الفدائية التي نفذها استشهاديون فلسطينيون، أي بضع سنوات بعد اتفاق أوسلو (1993) للحكم الذاتي الفلسطيني الذي كان من المقرر أن يمهد لوضع حد للصراع.
الشعب اليهودي الهائم في الأرض منذ ألفيتين، جعل إذن من الهوس بالأمن مبدأ سياسيا لا بديل عنه يأتي في سلم الأولويات قبل المعطيين الاجتماعي والاقتصادي، على الرغم من الاحتجاجات التي بدأت تطل برأسها منذ 2011.
ويشير بوسوا في هذا الجانب إلى أن ثلث الشعب الإسرائيلي يعيش تحت خط الفقر، في وقت ما تزال فيه الدولة العبرية تخصص 20 % من ميزانيتها للدفاع والأمن على حساب التنمية الاقتصادية والمحافظة على المنجزات الاجتماعية، غير أن الشعب لم يكن لتغيب عن ذهنه هذه المفارقة وتجسد رد فعله عام 2011، في خروج الإسرائيليين إلى الشوارع في مسيرات جمعت نصف مليون شخص احتجاجا على الحروب، في مشهد غير مسبوق منذ 1948.
بوسوا اعتبر في مؤلفه أن المظاهرات الإسرائيلية حينها كانت أقرب في مطلبيتها إلى الاحتجاجات الأوروبية منها إلى الانتفاضات العربية، بعد أن ركزت المطالب على المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، على غرار ارتفاع أسعار الإيجارات ومشاكل الأمن الاجتماعي وارتفاع أسعار المواد الأولية ونقص الدعم الممنوح للفئات الهشة، والثمن الذي يكلفه الإبقاء على وضع الاحتلال.
الساسة في إسرائيل، ضربوا عرض الحائط بجميع هذه المشاكل الاجتماعية وانبروا كعادتهم في تعزيز الجانب الأمني غير عابئين بمطالب شعبهم، وذلك قائم بشكل لا يدع مجالا للشك على مبدأ امني يطلق عليه بيتاكون (الأمن باللغة العبرية) وهو يستند إلى تجربة الماضي منذ تشكل الييشوف (الطائفة اليهودية المتواجدة بفلسطين قبل 1948).
هو إذن سيف داموقليس وهمي يشعر به الاسرائيليون مصلتا على رقابهم في كل حين وضرورة ايديولوجية البقاء، دفعتهم عام 2002 إلى تشييد جدار بما يرمز إليه فعل الانعزال في التراكمات الأدبية للمعنى، وفي مداخل علم النفس، أو ايديولوجيا الجدار التي تعود إليها الأسس المكونة للحركة الصهيونية، بحسب بوسوا.
زاييف جابوتينسكي، منظر اليمين الإسرائيلي والأب الروحي لحزب الليكود المدار حاليا من قبل نتنياهو، كتب عام 1923 في مؤلفه جدار الحديد، أنه مادام في ذهن العرب أي شرارة أمل في أنهم سيتمكنون من التخلص منا، فلن يمكن لأجمل الكلمات وأكثر العهود جاذبية أن تنزع هذا الأمل من أذهان العرب، ولكن، أي امة حية ليس بإمكانها ان تقدم تنازلات إلا إذا فقدت أي امل في التخلص منا وذلك عبر سد جميع الثغرات في جدار الحديد، يضيف الباحث الفرنسي.
ويعلق بوسوا على النقطة الأخيرة بالقول إن كل ما تفعله إسرائيل انطلاقا من هذه الأساطير هو الانغلاق على نفسها بين أربعة جدران: فأما الجدار الأول، فيمتد على مسافة كيلومتر على الحدود مع لبنان، والثاني 900 كيلومتر مع الضفة الغربية، والثالث 120 كيلومترا على الجولان السورية، ورابعهم، الجدار المشيد حديثا جنوبي البلاد على الحدود مع مصر (250 كيلومترا) بدعوى السيطرة على الهجرة غير المراقبة. كما تلجا إسرائيل من أجل الحفاظ على أمنها إلى الاحتلال وهي تعتبر ذلك أداة فعالة للوصول إلى الأغراض المنشودة، عبر حروب يعتبرها الإسرائيليون دفاعية خالية من أي أهداف توسعية. وعلى هذه الوتيرة تضاعفت سيطرة الجيش الإسرائيلي على الاراضي 3 مرات مع احتلال قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء ومرتفعات الجولان والضفة الغربية والقدس الشرقية خلال حرب الايام الستة (يونيو 1967)، حرب وصفها جنرالات الجيش الإسرائيلي حينها بالوقائية ضد جيرانها العرب.
في الوقت الراهن، تواصل إسرائيل توسعها عبر بناء أكثر من 3000 مسكن في مستوطنات القدس الشرقية التي تقضم جزءا من التراب الفلسطيني، بما يمنع قيام دولة فلسطينية في ظل تفكك أجزاء المجال، حتى مع رفع العلم الفلسطيني لأول مرة في مقر منظمة الأمم المتحدة بنيويورك الأربعاء الماضي إلى جانب أعلام 193 من الدول الأعضاء.
تيو كلاين، الرئيس السابق للمجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية بفرنسا (كريف) وصاحب كتاب (الخروج من الغيتوـ 2008)، أكد من جانبه ان اسرائيل تعيش اليوم عزلة شبيهة بعزلة الغيتو، وهو تصريح يعيد إلى الأذهان ما صرح به زير الخارجية الأميركي جون كيري في عام 2014، من أن الدولة العبرية في طريقها لأن تصير دولة للأبارتايد (دولة ميز عنصري). محصلة الحديث كما يعرضها بوسوا أن إسرائيل تعيش اليوم كما منذ القدم في خوف، تراوح مكانها سياسيا وتعاني مشاكل اقتصادية واجتماعية لا أول لها ولا آخر، وزاد في تعكير الوضع تلاشي دور اليسار على الساحة السياسية مقابل اتساع رقعة تأثير الأحزاب اليمينية الراديكالية في منطقة تغلي تحت مرجل الأحداث المتسارعة، فأي مستقبل إذن للدولة العبرية في ضوء جملة هذه المعطيات؟.. يتساءل الخبير السياسي.