Note: English translation is not 100% accurate
المالديف رحلة في عمق الجمــــــــــــالَ
24 أكتوبر 2015
المصدر : الأنباء




في «جزيرة الشمس» ينشر القمر على أجوائها قصائد الود
لا تحاول أن تغمض عينيك حتى لا يفوتك الإبداع الرباني
«ماليه» جزيرة مزدحمة بالسكان خالية من القطط
رمل ساحلها يحتضن الكريستال بين حبيباته
لا يهدأ تفكيرها في كيف سيكون عليه مستقبلهاأنوار التنيب من دون ترتيب مسبق..قررت أن أزور المالديف وبالتحديد «جزيرة الشمس Sun Island» أولا.. ثم أختمها في العاصمة «ماليه» لأبحث عن حقيقة تلك الجملة التي تقول إنها جزء من جنان الأرض، لذا حملت شنطتي الثقيلة، ولم أنس أن آخذ معي بعض الكتب التي لم أقرأها وقلت في نفسي«لعل وعسى أن أستفيد من ذلك الوقت الذي سأقضيه بين أحضانها لقراءة تلك الإصدارات». ولكن الغريب أنني بمجرد ان وضعت قدمي على أرضها.. نسيت أن أبحث عن حقيقة الجملة التي جئت من أجلها، لأنها لا تحتاج إلى بحث ولا سؤال ولا إلى انتظار لإجابات، فكل ما فيها يقول لك إنها بلد يغمره السلام مثلما يغمره الماء والمطر، يكسوه الحلم مثلما يكسوه بساطه الأخضر الزاهي. لذا لن أتردد أن أقول هذه الكلمات القليلة البسيطة في وصف حسنها الأخاذ، ولك أن تتخيل عزيزي القارئ تلك الصور التي ربما تصل بها إلى ما أريد أن أترجمه في هذه الصفحة..
في محطتي الأولى «جزيرة الشمس»
حينما تريد أن تكتب عن امرأة ذات جمال هادئ تعيش الحياة بواقعية لتحيا بالحب الذي يفيض من عينيها على أمل أن تظل في الذاكرة كلوحة الموناليزا التي مازال الكثير يسأل عن سر جمالها وسر بقائها بشكل منفرد، أول ما يلفت نظرك حينما تقع عيناك على فستانها الأخضر ذي الحاشية العريضة الزرقاء.. تنجذب إليها لا إراديا، لتلتقط صورا من كل زاوية لدرجة أن بصرك يحتار أي جزء من هذا الجمال تبدأ في التقاطه بالكاميرا التي بين يديك أم التي تود أن تحتفظ بها في ذهنك، وتخزنها إلى الوقت التي تعود به إلى الوطن، ليبقيك في حالة استرخاء ومتعة..
إنها اللوحة التي تختال أمامك بألوان حقيقية لم ترها في صورة من قبل.. أبدع في رسمها الخالق سبحانه.. لتقول في نفسك وأنت تراها ماثلة أمامك بألوانها الزاهية وهوائها الرطب وأمواجها الكبيرة.. كيف إذن هي جنته؟!
إنها الأنثى الفاتنة الآسيوية ذات السحنة السمراء والعيون الواسعة العسلية، وقلما تجد هذا الجمال المنفرد على خارطة الكرة الأرضية.
في التاريخ قرأنا باستمتاع عن قصة ألف ليلة وليلة، حيث كان السلطان يطلب كل ليلة جارية لكي تحكي له حكاية مشوقة، ولكن مع هذا الكم من الحكايات المختلفة، لم ترق له حكاية من حكاياتهن، ما عدا واحدة منهن استطاعت بذكائها أن تكون هي التي لديها السلطة، في أن تنال ثقة واستحسان السلطان في القصة التي تلقيها على مسمعه كل ليلة، لكن الوضع في «جزيرة الشمس» مختلف، فكل مساء يطل عليها «سلطانها» القمر فينشر على أجوائها قصائد الود، فقط من أجل أن ينال ودها، لتبقيه بين يديها المنفردتين حتى يطلع عليها الصباح البراق بضوء شمسه المتلألئ على مياه محيطها العميق.
إنها المرأة التي..
عرفت كيف تحافظ على أنوثتها دون أن تبالي بالوقت أو الزمان الذي يمر على سنوات عمرها.. فالوقت عندها مرتبط ببقائها.. والزمن لا يعني لها شيئا مادامت باقية على سطح الأرض وقبل أن يغطيها الماء وتختفي في أعماقه وتصبح كباقي أخواتها أطلال مدينة تحت الأرض، لذا هي تعيش الساعة الآنية بعيدة عن كل ما يوترها أو يهز أغصان أشجارها، وتستمتع بالجمال الذي حباها به الرحمن وتحت أنغام المطر الذي يبلل شعرها دائما.. من دون موعد سابق تمر الغيوم عليها وتمشط عشبها الأخضر..
فاتنة كحورية تظن أنها خرجت من عمق البحر فقط لتقع في حبها، وتظل أسيرا لعينيها الحالمتين..
ربما كان شهريار مستمتعا بالقصص الخيالية التي تقرأها عليه جاريته.. لكن في «جزيرة الشمس» يختلف الأمر.. فالقمر يحاورها كل ليلة ويحكي لها قصة الحب التي لا تنتهي حتى تبقى منتبهة له ولا يشاركه فيها احد حتى الصباح، وتتساءل إلى متى سيظل هائما بها؟
المالديف.. تغريك في بحرها ومائها الصافي الشفاف الذي كأنه مرآة ترى منه الأسماك الملونة بأحجامها وأشكالها المختلفة.. تخدعك بأنها قريبة منك.. لكن تفاجأ بالعمق وغزارة الماء.. حتى الأمواج تلاحقك بعنفوانها لدرجة تصور لك أنها ستتمدد على شاطئك وتستولي على المسافة التي تجد فيها مطرحا هانئا لقدميك المغموستين بترابها.
أما رمل ساحلها فتراه يبرق نهارا تحت أشعة الشمس كأنه يحتضن الكريستال بين حبيباته.. الصفاء الذي تفاجأ به واللون الأزرق المنعكس من السماء والبحر، يتبادلان معها لغة صامتة لا تعرف معناها إلا من خلال أحاسيسك التي تتولد من تلك اللحظات التي تملأ بها رئتيك بأوكسجينها العذب.
لذا لا تحاول أن تغمض عينيك حتى لا يفوتك الإبداع الرباني المرسوم في كل زاوية ومكان من خارطة قلبها.
الكثير منا عندما يذهب في زيارة إلى الجزر السياحية في المالديف يكون أول أهدافه هو أن يغرس رجليه في رمل شاطئها الشفاف اللامع.. ويغوص حالما بين أسماكها الملونة لعله يتحرر من ارتباطه الفكري والنفسي الذي يلازمه من جراء ضغوط الحياة الاجتماعية والعمل المستمرة.
وبالنسبة لي كنت قد جلبت معي كتبا جميلة لقراءتها، ولكنني فوجئت بعد أيام بأنني نسيت أن هناك ما ينتظرني في شنطتي، ووجدت نفسي أقرأها (هي) وأتصادق مع الحروف الأبجدية لأكتبها، فأحلق بخيالي مع الطيور الملونة التي ترفرف في أفقها أحيانا.. أو تحط على أشجارها الباسقة أحيانا أخرى.
ثم بعد هذا التحليق الممتع، تجد أن الكلمات التي كتبتها عنها لا ترتقي إلى الصورة الجميلة التي رأيتها بعينيك، وظلت تتراقص أمام بصرك بزيها الذي يزيدها حسنا وجمالا، وتعود متعمدة إلى خيالك ليلا ونهارا.. لتغريك بالكتابة عنها هي فقط، كما تفعل ذلك كل يوم مع قمرها وشهريارها، وليس لك إلا أن تذعن لهذا الإغراء الجذاب.
وأصعب لحظة عندما تنتبه إلى الوقت وقد سرقته منك تلك الفاتنة بتعمد واضح، وتقول في نفسك بشيء من الأسى «ياااه.. كيف انطوت الأيام الجميلة بهذه السرعة» حتى إذا ذهبت لتقفل حقيبتك مجبرا، تعرف أنك لم تأخذ منها سوى صور لذكرى مليئة بالمتعة والجمال.
محطتي الثانية العاصمة «ماليه»
الجزيرة المزدحمة بالسكان الخالية من القطط والكلاب، ذات الشوارع الضيقة الممتلئة بالدراجات، كان من حظي أن أكون هناك في الوقت الذي تحتفل به جزر (المالديف) بيومها الوطني، ولأن العاصمة هي التي تحضن أكبر نسبة من مواطنيها وأكثر المعالم التاريخية التراثية، كانت الألوان تكسوها والأضواء تتلألأ في مسائها الصاخب بالفرح وأغاني الوفاء وأشعار الولاء لهذا الوطن المعطاء، لذا كانت الأجواء السعيدة تغمرها وتعيش بكامل طاقتها الجميلة مع ضحكات الأطفال الذين يرتدون الأعلام الوطنية وترفرف بين أياديهم الصغيرة، حب الوطن هو الشيء الوحيد الذي لا تستطيع أن تسأل أي إنسان على وجه الأرض، كيف سكن القلب وكيف يكون هذا الحب؟.. لذا لم أتردد أن أحمل بيدي أعلام المالديف وأقطع طرقاتها الضيقة مشيا بالقدمين، أشارك الفرح بفرح مشابه له، وأتجول بين محطاتها التاريخية ومعالمها، بدأت انطلاقتي من جامعة المالديف الإسلامية إلى أقدم جامع ومن ثم اتجهت إلى بعض المعالم الوطنية ومنها إلى ساحة الاحتفال التي يتجمع أغلب الأسر مع أطفالهم الذين اتخذوا من النوافير مسرحا للرقص تحت مياهها.
ماليه العاصمة.. تختلف جدا عن باقي جزرها لأنها مركز الحكومة وأغلب المعاملات الخاصة بسكانها.. جزيرة تنام ولا تنام لأن أمواجها الزرقاء تحاكي مرساها الذي يستقبل طوال نهاره الضيوف من كل بلاد العالم.. جزيرة لا يهدأ تفكيرها بكيف سيكون عليه مستقبلها وهي مهددة بارتفاع الموج الذي يعلو يوما بعد يوم على أراضيها.. فقد توجعت من قبل بالتوسونامي الذي ابتلع عددا من جزرها وأخفاها في قاع المحيط، ومن حقها أن تتساءل كيف ستنجو بسكانها مستقبلا؟
عند ختام جولتي التي بدأتها من الصباح حتى المساء، استنشقت بقوة كمية من هوائها الرطب وحبسته في صدري لاحظي بذاكرة رطبة بألوان بحرها الرقراق وخضرتها الساحرة، حتى إذا عدت إلى الكويت.. قلت بيني وبين نفسي: آه يا المالديف.. يا قطعة من جنة في الأرض.
رحلتي إلى المالديف لم تكن فقط رحلة سياحية.. إنما كانت رحلة في عمق الجمال واكتشاف الحياة التي قد تظن في يوم ما أنها أصبحت باهتة اللون.. لا ترى منها إلا ظلال البشر الذين يتصارعون على الحياة، ولكن الحقيقة أن هناك كثيرا من الإبداع الرباني الذي ينتظرك لو قررت في داخلك أن الحياة تستحق أن تراها بمنظار آخر وبعين واعية، تفسح من خلالهما طريقا للجمال ليمر في أعماق صدرك وتتنفسه رئتاك.