Note: English translation is not 100% accurate
الحبيب عبدالعزيز البحر.. بقلم: فخري شهاب
4 نوفمبر 2015
المصدر : الأنباء
كان قسيما وسيما فارع القامة، مشيقا أنيقا رشيقا، تزين محياه الوسيم ابتسامة عريضة دائمة صادقة تنم عن الود وتوحي بالإخلاص، وكان شهما، منصفا لا يخشى، ولم تضطره الظروف أن يخشى لومة لائم في الحق مهما كلفه ذلك.وقد عرفته في مواقف في الحياة يعلن عن رأيه ويدافع عنه بصراحة غير معهودة، ويدفع ثمن موقفه مهما كان باهظا ـ ولكن إصراره على مواقفه لم يكن من وحي العاطفة ولا المصلحة الشخصية او الهوى، وقد شهدت ذلك المرة بعد الأخرى، وكان هذا عهدي به حتى فرقتنا الأيام. وقد عرفته عن كثب حين اتفق ان جمعتنا رحلتان في مهمتين رسميتين: اولاهما الى واشنطن لتمثيل الكويت في وفدها الاول الى صندوق النقد الدولي وبنك الإعمار الدولي (ما يطلق عليه اليوم «البنك الدولي» اختصارا) ورأسه المغفور له سمو الأمير الراحل الشيخ جابر الاحمد، يوم كان وزيرا للمالية والاقتصاد ـ وذلك بعد إحباط مؤامرة رمت الى منع الكويت من الانتساب الى هاتين المؤسستين شارك فيها العراق وممثل الجمهورية العربية المصرية (وكان اسمه احمد زكي باشا اذا لم تخني الذاكرة، وكان ذلك من تدبير الأخير ومن غير علم القاهرة على الأرجح).اما رحلتنا الثانية فكانت الى نيويورك لمقابلة المستر «يوثانت» سكرتير هيئة الأمم العام حينئذ، لأجل بحث إمكانية التغلب على رفض طلب الكويت في محاولتها الأولى للانتساب لتلك المؤسسة.وكان الزميل «أبوعدنان» مثالا يحتذى في كرمه وصبره وأدبه وفي تصرفاته، كافتها، أثناء العمل او في ساعات الاستجمام.
كان الأخ المرحوم ابوعدنان عضوا في وفد الكويت الأول الى هاتين المؤسستين الدوليتين (صندوق النقد والبنك الدولي)، لأنه بعد استقالته من منصب «مديرية الإسكان» بأشهر عُين أول مدير عام لصندوق التنمية الاقتصادية الكويتي الذي أنشأه المرحوم الشيخ جابر الأحمد (في عهد إدارته وزارة المالية والاقتصاد)، فلما عدنا الى الكويت شاورني في أمر تعيين «مدير إداري» للصندوق الكويتي الذي كان تسلم مسؤولية إدارته قبيل سفرتنا الى واشنطن، وسألني عن رأيي في شاب كان يعمل في وزارة الأشغال في تلك الفترة، فأبديت تشككي في خبرة الرجل ومؤهلاته، فكان رده قلة المؤهلين لمنصب كالذي كان يجري عنه الحديث، فطرأ لي اسم شاب كويتي كان طالبا في جامعة «هارفرد» وقد ذكره لي صديق أميركي يرأس مؤسسة تختص بدراسات الشرق الأوسط في تلك الجامعة، وكان ذلك الشاب الكويتي قد ترك «هارفرد» ليعمل كملحق في وزارة الخارجية الكويتية التي أقيمت فور استقلال الكويت ـ ذلك الشاب هو الصديق الكريم السيد عبداللطيف الحمد، فلما ذكرت الاسم ابتسم المرحوم ابوعدنان! قال ان الشاب الكويتي الذي اقترحت اسمه ممتاز ولكني أجد حرجا في اختياره لما يربطنا من العلاقات العائلية، قلت لا دخل لك انت في هذا: فسيصدر الاقتراح مني، وسأرفعه الى رئيسي ورئيسك المباشر، وزير المالية والاقتصاد، فهو الذي سيأمرك بتعيينه لتلك الوظيفة، وذلك ما تم، وكذلك تأسست العلاقة بين السيد عبداللطيف الحمد والصندوق الكويتي وظهرت كفاءات ذلك الشاب وتحققت آمالي فيه.
أسوق هذه التفاصيل التي يجهلها الجيل الحاضر من المسؤولين لا لطرافتها ولأنها جزء صغير من تاريخ الخدمة المدنية الكويتية وتاريخ الكويت الذي شهدته ولعبت دورا شخصيا فيه فحسب، بل لأعطي مثالا ينعدم وجوده اليوم في النزاهة والمثل العليا التي ألزم ابوعدنان بها نفسه طوال حياته.لقد ندر وجود أمثال أبي عدنان بين الرعيل المؤسس، ولقد انعدموا حقا وصدقا بعد رحيلهم.
كان عبدالعزيز البحر رجلا فريدا: مستقلا، أبيا، لا ترقى الى تصرفاته ولا سلوكه شبهة ولا ريبة، وأنا أكتب رثاءه ووددت ان لو كان قد كتب هو رثائي، أكتب هذه السطور وعيناي تدمعان حتى لا أكاد أرى، وكبدي تتقطع أسفا وجوى: فنحن الاثنين كنا نحسب ان العمر سيمتد الى الأبد، واننا سنعوض أنفسنا يوما ما ـ وسنسر بلقيا احدنا الآخر، ولكن هيهات.. ثم هيهات فعقارب الساعة تجري والقدر غدار وآمال الأحياء سراب خادع.رحمة الله عليك يا أبا عدنان، فلسوف يذكر مآثرك وحميد صفاتك محبوك ما داموا على قيد الحياة.. حتى تجمعنا دار الخلود، وما مات من خلف من أنجبت.وسلام عليك يوم عرفتك، ويوم سعدت بصداقتك ويوم نلتقي بعد فرقة لن تطول.محبك: فخري شهاب