Note: English translation is not 100% accurate
يا حلوة.. ما الخبر؟ - بقلم: محمود صلاح
28 نوفمبر 2015
المصدر : الأنباء

بقلم: محمود صلاح
أبدا لم أكن أسمعها «تغني»
كان صوتها يدق شغاف قلبي. مثل عصفور براءتي الذي ينقر كل صباح على نافذة أحلامي، كنت دائما أسمعها «تعزف». بصوت هو فرقة موسيقية كاملة. كنت ـ ومازلت ـ أسمع في ذلك الصوت نداء ملائكيا قادما من السماء. كأنه صوت مؤذن جميل يطلبني لصلاة الفجر.
هكذا كانت ـ ومازالت ـ فيروز عندي.
****
وأنظر كيف كنت إنسانا محظوظا. حين سمعتها ورأيتها وتعرفت عليها وجلست معها، في ليلة واحدة ـ ويا لها من ليلة ـ صافحت بأحداثها الغريبة ضوء الصباح.. فما عدت أفرق بين تلك الليلة وذلك النهار.
حدث ذلك في الكويت قبل سنوات. حين ذهبت في زيارة قصيرة لأيام معدودات، وبينما كنت أستعد لحزم أمتعتي في الليلة التي تسبق سفري تلقيت مكالمة هاتفية من واحدة من أقرب صديقات فيروز الى نفسها. ان سفيرة لبنان الى القمر التي يلتف حولها الملايين، لا تتدثر سوى بدفء أصدقاء قلائل. هم فقط الذين تستريح اليهم. ومعهم فقط تنزع عباءة «صورة الفنان الشامخ» التي يفرضها عليه جمهوره. مع نخبة أصدقائها لا تغنى. فيروز تدندن. تتحدث تداعب. تضحك. تحاور، تكشف عن «فيروز الفنانة».. ربما أعلى الى حيث المنطقة التي يلعب فيها أطفال الملائكة.
على الهاتف سألتني صديقة فيروز المقربة: ماذا تفعل؟ قلت: ألملم شتات أوراقي وملابسي استعدادا للرحيل؟ قالت بدهشة: أو ترحل قبل أن تراها؟ كنت أعلم أن فيروز ستقوم بإحياء حفلتين على «مسرح سينما الأندلس وكنت حزينا لاضطراري لمغادرة الكويت لارتباطي بأعمال صحافية في القاهرة قبل موعد حفلتي فيروز. لكن لم يخطر على بالي أبدا أنها تتحدث عنها. لقد قالت «قبل أن تراها» ليس وقبل ان تسمعها.
قلت: تعلمين انني أتشرف دائما بلقاء أصدقائك. لكنك تعلمين أيضا أن إبراهيم سعدة رئيس تحرير «أخبار اليوم» قد حدد موعد عودتي. ولم أتعود مخالفة أوامره.
قالت وهي تضحك: لو من أجل عيون فيروز؟
فيروز معي في كل لحظات يومي ومعظم ساعات ليلي! اسطواناتها لا تتوقف في مكتبي أو سيارتي أو بيتي. صوتها يجري في شراييني مع كرات الدم الحمراء والبيضاء.
قالت صديقة فيروز: لقد قلت «تراها».. ولم أقل «تسمعها».
سألتها غير مصدق: هل تعنين..؟
قاطعتني بمرح: نعم.. لقد كانت نهاد وهذا اسم فيروز الحقيقي تحدثني عبر الهاتف منذ دقائق. أخبرتها بأنك في الكويت ورحبت بأن تراك وتتحدث إليك فور انتهاء حفلتها الأولى.. فما رأيك؟ رددت على الفور: حقيبة سفري يمكن أن تنتظر.
سألتني ضاحكة: ورئيس تحريرك؟
قلت: لا مانع «عندي» أن يفصلني من عملي من أجل فيروز، لكني أعتقد أنه لا مانع «عندك» أن تتوسطي لي عنده.
قالت قبل أن تنهي المكالمة: وقد فعلت.. فاهدأ واستعد للقاء فيروز بعد الحفلة الأولى.. موعدك معها.
قلت: موعد أنتظره من أعوام طويلة.
****
كأنني ذاهب الى لقاء حبيبة..
اشتريت بدلة جديدة. أكثر من ربطة عنق. ذهبت لأقص شعري. نمت طوال النهار. لكني لم أنم. هل يعد نائما من رقد يتقلب مغمض العينين في الفراش يمتلئ لهفة وتوترا وشوقا؟ وهل صحيح سأسمعها وأراها في ليلة واحدة؟ كالنائم كنت أسبح في بحيرات صوتها القادم من جهاز تسجيل صغير بجوار الفراش. وبين النوم واليقظة تخيلت انني رأيتها وهي لم تزل بعد الصبية الجميلة «نهاد حداد» التي ولدت وعاشت سني صباها في بيت متواضع، تساعد أمها في أعمال المنزل. وتصدح بصوت أخاذ أغاني أسمهان وهي تعجن الطحين.
رأيت الصبية التي كبرت وأصبحت «فيروز لبنان» كما أصبح «لبنان فيروز». عبر أكثر من 40 عاما من الشدو ونثر الحب على الملايين. بدأت منذ تلقت مع زوجها الراحل عاصي الرحباني دعوة رسمية لتقديم بعض أغانيها في الإذاعة المصرية بالقاهرة.
وساءلت نفسي: فيروز.. كم مليون عربي عشق على صوتك، كم مليون ساهر قضى ليله يبث نجواه في موسيقى حنجرتك السماوية؟ وسألتها بين منامي ويقظتي: سيدة قلبي وقلوب الناس.. كيف شكلك يا أجمل زهور حديقة الأغنية؟ وكيف أمكنك يا حلوة أن تسرقي الفرح من أعماق نفسك لتعطي الآخرين شجاعة السعادة ولذة الثقة؟ وما الذي حدث لنفسك النبيلة طوال سنوات عذاب ووحدة وأنت تزرعين في كل لحظة فيها الرحمة والحب والجمال في قلوب الناس؟
ساءلت نفسي..
وجاءني الصوت الجميل عبر جهاز التسجيل
من يوم تغربنا قلبي
قلبي عم بيلم جراح
يا ريتا بتخلص هالغربة
تا قلبي يرتاح
****
عطر ورجال مبتسمون ونساء جميلات.. فرحة وانتظار. رهبة واشتياق، هكذا رأيت الناس يدخلون الى مسرح «سينما الأندلس» في تلك الليلة. وخارج المسرح كان المئات من اللبنانيين قد حضروا مع زوجاتهم في أبهى ثياب سهرة. رغم أنهم لم يكونوا من المحظوظين الذين حصلوا على تذاكر الدخول وقد نفدت بكاملها حتى قبل حضور فيروز الى الكويت، لكن هكذا اللبنانيون يكفيهم أن يقضوا السهرة على الرصيف خارج المسرح. لقد جاءوا من أجل «سيدة لبنان»، حتى وإن لم يستطيعوا سماعها وهي تغني.
مضى الوقت جميلا..
وكلما اقترب موعد رفع الستار كنت أشعر بالجالسين حولي ينتفضون شوقا. بدأ الجميع يستعد عندما تناهت الى الأسماع أصوات الموسيقيين وقد صعدوا الى خشبة المسرح وبدأوا في ضبط الآلات الموسيقية، لكن فجأة حدث ما لم يكن يخطر على بال.
ظهر أحد رجال الأمن على خشبة المسرح. تردد قليلا وعلامات الضيق على وجهه.
ثم قال بصوت حاول أن يجعله هادئا: رجاء ألا تنزعجوا.. لقد تلقينا بلاغا هاتفيا يزعم وجود قنبلة في المكان.. فنتمنى أن تغادروا المسرح في هدوء حتى نتأكد من صحة البلاغ!
ساد صمت غريب المكان..
لم يتحرك أحد من مكانه وكأن الجميع قد تسمروا الى مقاعدهم.
عاد رجل الأمن ليقول: نرجوكم مغادرة المسرح لدقائق.. ان البلاغ جد خطير.
لم يتحرك أحد.
جاء صوت من آخر القاعة يقول بلا تردد: لن نغادر المكان، واذا كان أحد يريد ايذاءها، فقد حضرنا من أجلها.. وسنبقى معها!
انتبهت من صدمتي على صوت يصرخ في وجهي..
كانت صديقة فيروز: نهاد.. يجب أن أذهب لأطمئن عليها.
لم تعطني الفرصة، سحبتني وراءها لنكتشف أن رجال الأمن اخبروا فيروز بأمر بلاغ القنبلة، في اللحظات الأخيرة التي كانت تستعد فيها للصعود الى خشبة المسرح. ثم حملها عنوة من الباب الخلفي الى خارج المسرح وأجلسوها في سيارة خوفا عليها.
توقفت مع صديقة فيروز عندما خرجنا نبحث عنها عند أغرب مشهد رأته عيناي، كان المئات من اللبنانيين الذين كانوا يقفون خارج المسرح وعلموا بما حدث، قد أسرعوا الى سيارة فيروز وأحاطوا بها، واشعلوا جميعا قداحاتهم وانطلقوا في غناء بعض أغانيها.
وكأنهم يقولون لها: لا تخافي يا حلوتنا.. نحن هنا.. ونحن معك، في تلك الليلة أبدعت فيروز كما لم تبدع من قبل.
اكتشف رجال الأمن بعد ساعة أن البلاغ كاذب، وظهرت فيروز وسط عاصفة جميلة من التصفيق الحماسي. في تلك الليلة «ابتسمت» السيدة الوقورة، لناسها، وغنت من أعماق قلبها. غنت أولا لتنزع ما قد يكون قد علق من خوف في قلوبهم. ثم غنت لتسعدهم. وقد سعدوا وخرجوا يترنحون من نشوة السعادة. مضى الناس الى بيوتهم وقادتني صديقة فيروز الى حيث جناحها في فندق «حياة ريجنسي». فتحت لنا باب الجناح بنفسها وقادتنا ببساطة الى الصالون وجلست الى اريكة شرقية.
سألت صديقتها: شو اللي حصل؟
رأيتها ـ جميلة هذه المرأة ـ استمعت اليها ـ انسانة هذه الانسانة ـ وناقشتها ـ ذكية هذه الفنانة ـ هي نادرة الحديث عن نفسها خاصة مع الصحافيين، لا تحب أجهزة التسجيل التي يحملونها معهم.
قالت لي فيروز وهي تضحك: شو بدك فيني.. احك لي عن نفسك.
عرفت أنها أبدا لا تجري حديثا صحافيا بالصورة التقليدية، أنها حين تسمح لأحد بذلك. فإنه يكون بأن يجلس اليها أكثر من مرة. حيث يدور الحديث حول موضوعات شتى. لا سؤال ولا جواب.
عندما جئت اليها بعد يومين بصورة مما كتبته. لعلها تحذف او تضيف شيئا. أشاحت بالأوراق جانبا..
سألتني: هل قرأت ما كتبته بعد ان انتهيت منه؟ قلت لها: أكثر من مرة.
سألتني: هل أحببته؟
قلت: بصراحة.. نعم.
قالت وهي تعيد لي أوراقي: إذن ادفع بأوراقك الى المطبعة.
واكتشفت ساعتها أن أول ما تؤمن به فيروز هو «الحب»، انها نفسها قصيدة حب صاغتها السماء.
والتقيت بها بعد ذلك أكثر من مرة. وفي كل مرة كنت اذهب فيها الى بيروت كنت أسعى خلفها، وأذكر أنني في احدى الزيارات لم استطع الوصول اليها. كنت على موعد مع الرئيس اللبناني الياس الهراوي. وبعد ان انتهيت من اجراء حديث سياسي معه. وقبل أن أغادر مكتبه.
قلت له: فخامة الرئيس.. ان لدي طلبا عندك.
قال الرئيس الهراوي: بأمرك.
قلت له: هل تتوسط لي لكي التقي السيدة فيروز.. لم يبق سوى يوم واحد وأغادر بيروت دون أن أراها.
ضحك الرئيس اللبناني بشدة.
وقال لي: أي شيء أستطيع التوسط فيه من أجلك، الا هذا. إن السيدة فيروز لا ترى الا من تحب أن تراه!
لكن الأجمل من ذلك انني حين ذهبت الى شقتها التي تسكنها في بناية تطل على الروشة وأخبرت «ناطور» البناية باسمي وطلبت منه ان يخبر فيروز انني ارغب فى رؤيتها، ثم انصرفت لم أمش سوى بضع خطوات. حتى فوجئت «بالناطور» يعدو خلفي ويصيح: تعال.. الست فيروز تريدك.
كانت حرب الشهور الستة قد انتهت. وبيروت تضمد جراحها، بينما وقف زميلي المصور الفنان فاروق ابراهيم على الرصيف فى الشارع. يلتقط بالكاميرا صورا لبعض طلقات الرصاص الطائشة التي اصابت شرفة فيروز. كنت أصعد الدرجات عدوا وجدتها عند باب الشقة تمد ابتسامتها الرائعة ويدها الرقيقة مرحبة.
وقفت أمامها أتصبب عرقا امتلئ شوقا.
بنفس الصوت الحبيب سألتني: شو بك محمود؟ لم أرد..
لم اقل لها كم ليلة انتظرتها
وكم ليلة تمنيت أن أغني لها أغنيتها:
«في السهرة انتظر..
يطول بي السهر..
فيسألني القمر..
يا حلوة. ما الخبر؟».