بقلم الدكتور : يوسف يعقوب البصارة
خبير واستشاري في سياسات العلوم والتكنولوجيا واستراتيجيات البحث العلمي
لقد غدا البحث العلمي من أهم عناصر التقدم الصناعي والرفاه الاجتماعي للمجتمعات، لاسيما مجتمعات الدول المتقدمة التي أولت البحث العلمي وأنشطته المختلفة كل أنواع الدعم والإمكانات بعد الحرب العالمية الثانية، ان دالة الانتاج «Production Function» لها علاقة مع ثلاثة عوامل:
٭ رأس المال «Capital» والأرض «Land» والعمالة «Labour»، إلا أن هذه المعادلة لم يكتب لها النجاح والتطبيق الأمثل إلا بعد إضافة عامل رابع يتعلق بالتكنولوجيا والمعرفة التكنولوجية «Technology And Technological Know - How» والتي تتبع وتتطور من خلال البحث العلمي والتطوير «Research And Development».
وحيث ان تركيبة الاقتصاد والنظم السياسية تتباين بين الدول المتقدمة والدول النامية، فإن مؤسسات البحث العلمي والتطوير تكاد تكون في معظم الدول المتقدمة مستقلة عن البيروقراطية الحكومية - عدا المؤسسات التي تبحث في مجالات الدفاع والأمن - إذ يعتمد معظمها على القطاع الخاص وشركات الإنتاج، أما في الدول النامية فان معظم ان لم يكن جل، مراكز البحث العلمي تكاد تكون مركزية، إذ تمول ويشرف عليها وتدار كلية من قبل الحكومات، ولا مراء في ان لكلا هذين النظامين سلبيات وإيجابيات، إذ يعتمد تطور المجتمع والاستفادة من نتائج البحث العلمي على ميزان السلبيات والإيجابيات.
يعتمد نجاح وتعثر مؤسسات البحث العلمي والتطور على عدة عوامل منها:
٭ الدعم المادي.
٭ القوى العاملة.
٭ المفهوم والتقدير السياسي والنظرة الاجتماعية لدور الأبحاث في تطوير المجتمع.
٭ تشريع سياسات للبحث العلمي.
٭ توافر المعلومــــــــــات العلمية والتكنولوجية.
٭ إيجاد قنوات لتطبيق نتائج البحث العلمي في مختلف المؤسسات وقطاع المجتمع.
لا مراء ان للبحث العلمي وتطبيقاته التكنولوجية دورا ضليعا في تطور ورفاهية المجتمعات.
وعليه يمكن اعتبار إجراء البحوث العلمية مقياسا لتقدم الدول ونموها الاجتماعي والاقتصادي والصناعي، فالدول التي تخطط لتطبيقات مخرجات البحث العلمي، لا غرو انها تتبوأ الصدارة في مجالات عديدة، بل قد تسيطر على مجريات الأمور العالمية.
يرتبط البحث العلمي وتطبيقاته بالتنمية الوطنية والاعمار ارتباطا وثيقا لا يمكن فصله إذ إن الدول المتقدمة صناعيا بارعة في ترسيخ هذا التزاوج والاستفادة منه لأقصى مدى.
على ضوء ما سبق، نرى ان الدول المتقدمة لا تخطو خطوة في اي مجال الا بعد دراسة مستفيضة، وهذا ما يجعلها مستقرة اجتماعيا واقتصاديا وعلميا أو بمعنى آخر أن البحث العلمي يشكل جزءا لا يتجزأ من منظومة تنميتها الشاملة، وعلى نقيض ذلك نجد أن حال الدول النامية ترتجل لا منهجيا الحلول للمشاكل التي تواجهها والتي تكون بعيدة جدا عن الأسلوب العلمي الموضوعي.
لا جرم أن مشكلة أو التحدي في توجيه البحث العلمي الى أغراض التنمية في الدول النامية تتبع من ان التنمية وحتى مفهوم التنمية في هذه المجموعة مازالت تحبو أو أن التخطيط لها يتم بطرق ووسائل عشوائية أو ارتجالية أو مقلدة لنموذج من الدول الصناعية المتقدمة، والذي قد لا يكون موائما لهذه المجتمعات، وفي دول أخرى لا يكترث صانعو القرار السياسي بذلك، لذا تنتكس أنشطة البحث العلمي في هذه المجتمعات نتيجة لهذا التخبط أو غياب التخطيط لتغدو ممارسات ونتائج الجهود لا تمس او تتبع من او تتواكب مع احتياجات المجتمع وأسس التنمية، وقد لا ينظر اليها كأبحاث علمية رصينة او ذات مردود اجتماعي واقتصادي، كما قد يتساءل البعض عن أهمية مؤسسات البحث العلمي لمجتمعاتها، وقد يعلل بعض الباحثين الى أن مثل هذا التجافي والتباعد بين البحث العلمي والتنمية في الدول النامية تنجم عنه أبحاث ليست ذات صلة بالتنمية الوطنية، اذ يسعى من خلالها الباحثون للنشر في دوريات علمية عالمية بغرض الترقية او بغرض حضور محافل علمية عالمية ليس إلا.
تعريف البحث العلمي
هو الدراسة العميقة والحقيقية لمشكلة من المشكلات التي تواجه المجتمع وقطاعاته المختلفة في اي ميدان من ميادين العلوم الطبيعية والتكنولوجية والهندسية والطبية وفي فرع من فروع المعرفة الإنسانية، وذلك باتباع أساليب عملية مقننة، معتمدة على التخطيط والمنهجية العلمية الصائبة.
وحري بالذكر ألا تقتصر أنشطة البحث والتطوير والدراسات العلمية على قطاعات علمية بحتة مثل: البترول، البيئة والتلوث والمياه.. إلخ.
إذ ان مشاكل اجتماعية اخرى مثل انتشار المخدرات، وجنوح الأحداث، والطلاق والعنوسة.. إلخ لهي من أمور تهم صانع القرار السياسي على حد سواء.
أنواع البحث العلمي:
إن البحث العلمي، وإن كان يصبو الى تحقيق أهداف عدة تطرقنا اليها آنفا، إلا ان لهذا النشاط عدة أنواع تختلف حسب مواقع إنجازها ونوعية وكمية الصرف عليها والهدف من ممارستها.
ونستعرض فيما يلي أنواع البحث العلمي المتعارف عليها عالميا.
1 ـ أبحاث أساسية وأكاديمية
وتهدف هذه الأبحاث الى زيادة المعرفة الإنسانية والكشف عن الحقائق والنظريات (العلم من أجل العلم) دون الاكتراث بتطبيق النتائج، وتشمل شتى التخصصات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية.
مما سبق نستنبط ان البحث الاساسي ينبع من رغبة الباحث في استيعاب وتفهم ظاهرة علمية معينة، او استكشاف أسرارها، وفي زيادة المعرفة بها، وما يتبع ذلك من نشر علمي او إلقاء لمحاضرات في مؤتمرات علمية، حيث يؤدي ذلك الى مساندة الباحث عند التقدم لترقية علمية.
2 ـ أبحاث تطبيقية
وهي مجالات الأبحاث التي تتوق الى اكتشاف حقول وآفاق علمية جديدة بهدف تطبيقي مباشر، او هي تلك الأنشطة البحثية التي تسعى لابتكار الحلول لمشاكل تجابه قطاعات المجتمع، او قد تكون معضلة في عجلة التنمية والسبق والتطور.
تجرى هذه الأبحاث عادة في مراكز ومعاهد متخصصة للأبحاث التطبيقية.
وفي الكثير من الأحيان تكون طريقة إجراء الأبحاث التطبيقية معروفة بصورة او بأخرى، فبعد ان يتم تحديد المشكلة من خلال دراستها وتحليلها من جميع النواحي، يتم اختيار أفضل الطرق والأساليب العلمية لإجراء البحث ويخصص الزمن المناسب والقوى العاملة الكافية والمتخصصة.
وترصد الميزانية المطلوبة ويتم تجهيز المعدات والأجهزة الضرورية لذلك.
يتم إجراء هذا النمط من الأبحاث للتوصل الى نتائج يمكن تطبيقها علميا او التوصل الى نتائج تثبت بصورة قاطعة في موضوع معين سواء بالسلب او الإيجاب، او التوصل الى زيادة المعرفة التكنولوجية وإلى دراسات جدوى فنية او اقتصادية بحيث يكون لها في النهاية مردود اجتماعي واقتصادي على مسيرة التنمية كإنتاج مواد أو سلع جديدة.
3 ـ الأبحاث التطويرية
وهي الأنشطة البحثية التي تهدف الى تحسين منتجات ومواد موجودة وزيادة كفاءتها او تطوير وتعزيز آليات الإنتاج او الحصول على منتجات ومواد جديدة.
ينفذ هذا النمط من الأبحاث عادة في معامل ومختبرات تابعة لشركات إنتاجية وصناعية.
فالكثير من المؤسسات والشركات الصناعية الكبرى في الدول المتقدمة تملك المال والخبرات والباحثين والفنيين والقوى العاملة اللازمة لإنشاء مراكز بحثية تابعة لها.
وتكون مهمة هذه المراكز إجراء الأبحاث التطبيقية ذات العلاقة بأهداف ورؤى هذه المؤسسة الصناعية.
إن جل هذه الأبحاث مخصص لتطوير وتحسين المنتجات التي تنتجها مصانع هذه المؤسسة بغية السبق في الأسواق ومن ثم جباية أرباح أكثر كما تقوم هذه المراكز بإجراء الأبحاث للحصول على منتجات جديدة تصنع بعد ذلك وتطرح الأسواق.
4 ـ الاستشارات والدراسات
يعتمد هذا النوع من الجهد على اختيار أفضل الحلول او المقترحات العلمية من بين ما هو متاح على الساحة العلمية ليتناسب مع طبيعة المجتمع او قطاعات الخدمات والإنتاج.
وفي كثير من الأحيان يعتمد هذا النشاط على أدوات مكتبية ومراكز إذا كان ذا طبيعة اجتماعية او أدبية او تربوية مقارنة بما سلف ذكره من أبحاث حين يكون للمختبر دور مهم في ذلك.
متطلبات ومستلزمات البحث العلمي
تكاد تكون متطلبات ومستلزمات البحث العلمي البشرية او المادية او المؤسساتية عامة لكل الدول (وإن تباينت أولويات البحث العلمي لديها)، حيث تشكل تلك المستلزمات اللبنة الأساسية والركن الركين للنهوض بالبحث العلمي.
ونستعرض فيما يلي سردا لأهم تلك المستلزمات:
1 ـ استقطاب القوى البشرية وتنميتها
تعتبر مصادر إعداد وتأهيل وتدرب الثروة البشرية، وهي الفيصل بين التقدم والتأخر في عالمنا المعاصر.
فلا يمكن ان يتحقق تقدم بدونها.
ولذلك، فإن أكبر استثمار يجب ان يوجه الى كينونة رأس المال البشري لإعداد قوة العمل المدربة والمتخصصة والباحثة والمخترعة المبدعة.
إن مشكلة مصادر الثروة البشرية (الجامعات والمعاهد التطبيقية) بالدول النامية والتي يعتبر خريجيها إما باحثون علميون، او قادة في الرأي والفكر والإنتاج والتوجيه في المجتمع، تتركز في ان التعليم العالي والجامعي في الدول النامية بوشر به مؤخرا في بعض الدول وقد يكون في طور الإعداد في البعض الآخر.
هذا بالإضافة الى ان أول ما يلفت النظر في التعليم العالي والجامعي في هذه الدول، والأمر ينطبق على الجامعات العربية، ان سياسته تقوم على سياسة التعليم العام نفسها، من حيث أنظمة قبوله، وانتقال المتعلم من مرحلة الى مرحلة أخرى على اساس (المقدرة) وحدها، والمقدرة هنا هي المقدرة على الحفظ وليس الابتكار.
وتزداد المشكلة حدة بسبب قلة الأعداد الملتحقة بهذا النوع من التعليم.
مما يؤدي الى تسجيل طلبة في غير رغباتهم او إمداد سوق العمالة بكم فائض من تخصصات جامعية.
أضف الى ذلك ان بعض الخريجين لا يفضلون العمل في مجال البحث العلمي، لاسيما في التخصصات العلمية والهندسية رغم أهليتهم لذلك.
ويعزى ذلك الى عدم توافر الحوافز المادية، بالمقارنة بزملائهم في الدول المتقدمة، يتطلب ذلك من هذه الجامعات ان ترسم سياسة جديدة لقبول الطلاب، لاسيما في التخصصات الهندسية والعلمية، تهدف الى اختيار افضل العناصر التي يمكن ان تسهم في تنمية وإثراء البحث العلمي، كما يجب ان تتيح طرق التدريس فيها وأنظمة تقويمها اكتشاف العناصر القادرة على مواكبة متطلبات وتحديات مهاراتها البحثية وقدرتها على التفكير والابتكار.
وعلى صانعي القرار السياسي في المجتمعات العربية دراسة وتحديد أسباب عزوف النشء عن التخصصات العلمية وإيجاد الحلول لذلك.
2 ـ توفير المناخ العلمي الملائم للعطاء والإبداع.
3 ـ تنظيم وإدارة البحث العلمي.
4 ـ تمويل البحث العلمي، ويعتبر هذا العنصر من أهم، إن لم يكن أهم، أعمدة مؤسسات الأبحاث.
5 ـ توفير خدمات المعلومات العلمية والتقنية.
6 ـ تشجيع النشر العلمي.
7 ـ تطبيق نتائج الأبحاث العلمية في قطاعات الإنتاج والخدمات المختلفة، ويتم ذلك بتأصيل الروابط مع قطاعات الإنتاج والخدمات.
معوقات البحث العلمي:
يواجه البحث العلمي والتطور التكنولوجي، كأي نشاط علمي يتطلب رصد الموارد وحشد الطاقات، العديد من المشاكل والعقبات التي قد تحد من انطلاقه وتحقيق ما يتوخى منه على الوجه الأكمل.
وقد تتباين هذه المعوقات بين الدول المتقدمة والنامية، او حتى بين مجموعة من الدول.
ونسرد فيما يلي بعضا من هذه المعوقات:
1 ـ عدم تطابق برامج الأبحاث وتطويرها لمواكبة متطلبات التنمية الشاملة.
2 ـ انعدام او ضعف التفاعل بين الجامعات والمعاهد التطبيقية ومؤسسات الأبحاث.
3 ـ غياب التعاون بين قطاع الإنتاج والخدمات ومؤسسات الأبحاث.
4 ـ غياب التنسيق او التنظيم الداخلي بين مؤسسات الأبحاث خلال السعي لتجنب بعض الثغرات مثل: عدم وجود حوافز لدى العلماء الباحثين المهتمين بالبحث العلمي او عدم وجود آليات لتخصيص الموارد المالية للإنفاق على البحث العلمي او تخصيص الموارد البشرية والمالية بصورة عشوائية غير متقنة.
وقد ينعكس ذلك سلبا على مؤسسات التمويل، وذلك بالدعم السخي لبرامج غير ذات أولوية للتنمية الشاملة.
5 ـ المناخ السياسي الملائم، اذ يتوقف على تهيئة مناخ سياسي مشجع للعلم والتكنولوجيا والبحث العلمي على عدة عناصر أهمها: حسن القيادة والمستوى التعليمي للأعضاء المنتخبين في البرلمان وماهية الحكومة والمميزات الاجتماعية والثقافية والمحيط السياسي القائم على ظروف محددة، وتقبل المجتمعات لأهمية الأبحاث العلمية في التنمية المستدامة.
6 ـ عدم إلمام او مشاركة القائمين بالبحث العلمي في خطط التنمية الوطنية.
7- اعتماد المعايير السياسية والاجتماعية لتعيين القائمين على مؤسسة الابحاث دون الاهتمام الفعلي بالجوانب الاكاديمية والخبرة والتخصص، ما يحدّ من تطور هذه المؤسسات اذ ان تعيين المناصب الاخرى في داخل المؤسسة قد يتم بذات الأسلوب.
8- عدم وجود سياسة معلنة للبحث العلمي، وترك هوية البحث العلمي وانشطته وفق رؤية واهواء القائمين على هذه المؤسسات، او الاستعانة بمؤسسات وافراد اجانب ليست لهم دراية او إلمام بطبيعة المجتمع واحتياجاته.
9- عدم اختيار فريق البحث او الباحث لموضوعات مرتبطة بالمجتمع ذاته، وذلك لكون البحث طويل المدة او لاحتياجه الى موارد مالية مناسبة او الحاجة الى اجهزة ومعدات قد لا تكون متوافرة.
وفي بعض الاحيان قد يلجأ الباحث الى تكرار بحث سابق له مع تغيير طفيف في الارقام والاهداف والاساليب.
وقد يؤول ذلك احيانا الى ضعف آلية لربط هذه المؤسسات وقطاعات المجتمع.
10- في كثير من المجتمعات، لاسيما النامية، لا تستأثر مؤسسات البحث العلمي بدعم المجتمع، او بالاحرى للعديد من قطاعات المجتمع، بل وقد ينظر هؤلاء الى هذه المؤسسات نظرة دونية واضعين بالاعتبار التطور العلمي والتقدم التكنولوجي الذي حظيت به المجتمعات المتقدمة ومحاولة مقارنة ذلك بإنتاج وعمل المؤسسات الوطنية، لذلك فإن اية محاولة لتطوير هذه المؤسسات وتشجيعها تستند وبصورة رئيسية الى نظرة المجتمع الايجابية لمؤسسات الابحاث وتقديرها للعاملين بها، والى اهمية جهودهم في التنمية المستدامة.
11- تعاني العديد من المؤسسات العلمية من غياب الاستقرار التنظيمي والتغيرات المتلاحقة والمتعاقبة في مواقعها وتبعيتها.
وقد يقود غياب الاستقرار التنظيمي هذا الى عدم اتاحة الفرصة الكافية لتنفيذ برامج الابحاث، والى عدم الاستقرار الوظيفي بين العاملين به، او في حالات قصور فهم القائمين على هذه المؤسسات بمفهوم وسياسة وفلسفة البحث العلمي يلجأون الى هيئات اجنبية لاعداد برامج بحثية وطنية، وهذه الهيئات قد لا تكون مستوعبة لمتطلبات التنمية في المجتمعات النامية.
عزوف الدارسين عن التخصصات العلمية
تطرقنا آنفا الى اهمية البحث العلمي للتنمية، بيد ان هنالك مشكلة تواجه التعليم الجامعي - وهو الرافد الاساسي للموارد البشرية - وهي عزوف الدارسين عن ارتياد مجالات الابحاث العلمية والعلوم التكنولوجية وازدياد اقبالهم على المجالات الادبية والادارية والفنون وان كانت لهذه التخصصات مساهمة في التنمية، لا ريب.
بالاضافة الى ذلك فإن الجامعات تشهد التسرب من التخصصات العلمية والتكنولوجية مما ينتج عنه مسلمات سلبية تقع على الفرد والمجتمع على حد سواء اذ سيواجه نقصا حادا في الكوادر المتخصصة في هذه المجالات قد ينعكس سلبا على برامج التنمية الوطنية والتنمية المستدامة.
وقد يؤول السبب لعزوف الشباب عن ارتياد المجالات العلمية الى:
٭ ضعف البنية التحتية للتعليم الاساسي وانعدام البرامج التشجيعية للطلبة والاقبال للانخراط في مجالات الأبحاث العلمية والابتكارات، وكذا الافتقار الى مراكز ومؤسسات تعنى بالبحث العلمي وتضاؤل المخصص الحكومي للبحث العلمي.
٭ انعدام التنافس على التخصصات العلمية وغياب التحفيز او تشجيع الابداعات العلمية كما يتم رصد جوائز تشجيعية للتنافس في مجالات اخرى.
٭ تشهد الجامعات تغيير رغبات الطلبة في سنواتهم الاولى من دخولهم لكلياتهم التي اختاروها.
وقد يثير ذلك تساؤلات ودوافع هذه الامور، اي لماذا يقرر الشباب الالتحاق بكلية ثم يعدلون عنها بعد ان تمر سنة دراسية من اعمارهم؟ هل هناك اسباب دعتهم لاتخاذ قرار ثم ادركوا بعد التجربة انهم تعجلوا في اتخاذه؟ لماذا لم يعطوا انفسهم الفرصة الكافية للتعرف على امكانياتهم الذاتية وعلى الكلية التي تناسبهم؟ هل هناك من يجبرهم على اتخاذ قرار غير مناسب اذ ان قرار التحاق الطالب بتخصص معين يتفق مع ميوله وقدراته لابد ان يبدأ قبل الالتحاق لكي يحدد قدراته وامكانياته، وينمي تلك القدرات لديه، ومن ثم معرفة الكليات التي تناسبه.
وهذا الاسلوب معمول به في العالم المتقدم حيث يتم تخصيص لهذا الامر دراسة وامتحان قدرات.
٭ التأثير الاسري له دور كبير في اختيار الأبناء التخصصات التي لا تتفق مع قدراتهم ومهاراتهم وذلك ارضاء لرغبة الاسرة، وايضا قد ينساق الطالب وراء رغبة قرنائه الذين يلتحقون بالكليات العلمية، ونظرا لارتباطه بهم فإنه قد يختار ذات الكلية وقد لا يوفق فيها كذلك قد يتأثر الطالب بالنظرة الاجتماعية للكليات كالهندسة والعلوم الطبية مما يجعل الطالب ينساق وراء هذه النظرة ويخار كلية لا تناسبه ويكون مصيره الفشل والتحويل الى كليات اخرى غير فنية او علمية لاحقا.
٭ تدني مستوى خريجي الثانوية العامة، اذ ان طبيعة الدراسة الاكاديمية في الكليات الجامعية تختلف تماما عن الدراسة في المدارس التعليمية حيث ان الطالب ينتقل من اسلوب التلقين الى اسلوب البحث، وهو مسار جديد عليه، ولذلك على الطالب ان يتحمل في بداية الامر حتى يتأقلم.
ولكن في حالة عدم مقدرته على التأقلم ووصوله لحالة كراهية التخصص والمجال نفسه عليه الا يتسرع في اتخاذ القرار وان يستشير المتخصصين وذوي الخبرة في هذا الشأن قبل التحويل الى كليات اخرى.
٭ محدودية فرص عمل او توافر فرص افضل لخريجي التخصصات الاخرى.
وهكذا تظل المشكلة قائمة والشباب يعزفون وينأون عن العلوم بل وقد ينزحون الى الخارج للبحث عن فرص عمل وعمن يحترم عقولهم المتميزة، وابتكاراتهم الجديدة.
وقد يرى البعض في ان التخصصات غير العلمية لا تتطلب منه المكوث في الجامعة لساعات طويلة، وان التخصصات الاخرى قد تكون سهلة لحياتهم.
وحري بالذكر ان يتيقن صانعوا القرار السياسي ومتخذو القرارات في مجتمعاتنا العربية والاسلامية الى اهمية دور المرأة في عملية التنمية الشاملة، وانها ركن ركين لتحقيق الاهداف التنموية المستدامة، وان تعتبر اخت الرجال وعمودا مهما وركيزة اساسية لهذه الاهداف، وعليهم ان يقروا بأن للمرأة في جميع التخصصات والمجالات بؤرة تتفجر منها الابداع والابتكار متى اعطيت الفرصة وفتح لها المجال لذلك.
والمتمحص لمسيرة العلوم والتتكنولوجيا والبحث العلمي في مجتمعاتنا يرى أن المرأة قد ساهمت مساهمة فاعلة في تحقيق برامج التنمية المستدامة وفي تحقيق تطلعات وآفاق التنمية الاقتصادية الوطنية لمجتمعها.