مازلنا في رحاب سورة مريم، تلك السورة التي لم تسم سورة باسم امرأة الا هذه، والمرأة دلالة على الرحمة والحنان، وهذا ما نزلت به هذه السورة التي حملت لفظة الرحمن اكثر مما حملته اي سورة اخرى، فإن لفظ الرحمن كما عد العادون تكرر نحو 58 مرة في القرآن جاء ربعها في سورة مريم، حيث تكرر 16 مرة.
وعيد شديد
قال تعالى (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا)، هؤلاء من تركوا الصلاة واتبعوا خطوات الشيطان هددهم الله عز وجل ووعدهم بوعيد شديد سيلقون غيا، الغي «جهنم»، وقيل واد في جهنم تستعيذ منه بقية جهنم، هؤلاء اضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، والشهوة هي كل ما تشتهيه النفس ومنها شهوة تأخير الصلاة او ترك النوافل او ترك الورد القرآني وكلها من الشهوات.
إياك أن تيأس
(إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا)، يا الله على رحمة الله رحمن رحيم سبحانه حتى اولئك الذين اضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ما اغلق الله امامهم باب التوبة والانابة، فهو باب مفتوح ايها العاصي، تب الى الله وعد اليه فقد وعدك بأمل كبير وسيبدل سيئاتك حسنات.
وعد الله حق
(جنات عدن التي وعد الرحمن) الوعد ممن؟ من الله عز وجل، ومن اصدق من الله قيلا وهذا اكبر شرف لكل مؤمن.
وهم في جنات عدن (لا يسمعون فيها لغوا الا سلاما)، السلام من الله من الملائكة والسلام بعضهم على بعض (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا)، لا تعب لهذا الجسد ولا نصب ولا صخب، يأتيك الرزق كما كان يأتيك ليلا ونهارا سيأتيك ايضا في الجنة بأوقاتها، الجنة ليس فيها ليل او نهار، ولكن الله عز وجل يضرب لنا الامثال حتى يقربها الى الاذهان (تلك الجنة) الجنة ليست واحدة ولكنها جنات، فلما دخلت على كلمة جنة افادت الاستغراق، هذه الجنة هي التي نورثها عبادنا المتقين المطيعين لله عز وجل في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس كما قال تعالى في اول سورة المؤمنون (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون).
(وما نتنزل الا بأمر ربك) على لسان جبريل عليه السلام، وسبب نزول الآية عندما اشتاق النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام ومن كثرة فرحه بلقائه كان يود ان يكثر له الزيارة والا يتأخر، فقال صلى الله عليه وسلم: ما يمنعك عنا؟ فانزل الله قوله تعالى (وما نتنزل الا بأمر ربك).
تأدب مع الله
(وما كان ربك نسيا) يعني تأدب ايها الانسان مع ربك اذا امرك افعل واذا نهاك توقف وانته واذا سكت فاسكت حيث سكت الله عز وجل (رب السماوات والارض)، الله اكبر، مالك الملك، مالك السماوات واجرامها وافلاكها ومن فيها ومالك الاراضين السبع ومن فيها وما بينهما من آفاق واجواء لا يغيب عن ملكه ذرة ولا حبة من خردل ولا تسقط من اوراق الشجر الا وهي مكتوبة عنده (فاعبده واصطبر لعبادته) ومن اعلى مراتب الصبر لعبادته (هل تعلم له سميا) هل تعلم لله شبيها؟ حاشا لله ليس له نظير ولا مثيل، هذا هو ربك الاله الذي يستحق العبادة وحده (فاعبده) الامر لمن؟ لأكمل الخلق عبادة صلى الله عليه وسلم فاذا كان الامر لمحمد صلى الله عليه وسلم فكيف يكون لغيره؟ لابد من مضاعفة الاجتهاد.
غرور أهل الكبر
(ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا)، عادة لفظ الانسان اذا ذكر في القرآن يعني الكافر، هذا الكافر افترض السؤال وافترض ان اجابة هذا السؤال غير موجودة يعني هو السائل وهو المجيب وضع نفسه هو الطالب والحكم وهذا غرور اهل الكبر واهل الكفر يفترون بما عندهم، والله قال له انظر فقط الى نفسك ولم يذكر شواهد كثيرة مثل الكون والنبات وغيرهما.
مشهد عظيم
يقول الله عز وجل (فوربك) الآن يأتي الوعيد، فأقسم الله عز وجل بذاته العليا (لنحشرنهم والشياطين) هم ومن اوعز اليهم ومن حركهم من شياطين الانس والجن الكل يحشرون سويا (ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا) الجثو يدل على غاية المهانة على ركبهم مذلولين خاضعين يرون جهنم بأعينهم.
(ثم لننزعن من كل شيعة) اي من كل فرقة (أيهم أشد على الرحمن عتيا) أيهم كان مستكبرا غاية التكبر على الله عز وجل (ثم لنحن أعلمُ بالذين هم أولى بها صليا)، الله خبير بعباده يعلم من يستحق العذاب ومن يستحق نار جهنم فيخلد فيها (وإن منكم إلا واردها) اشد آية في القرآن حتى المؤمنون يا رب؟ نعم حتى المؤمنون سيردون النار، (ثم ننجي الذين اتقوا) يقول ابن كثير اذا مر الخلائق كلهم على النار سقط فيها من سقط من الكفار والعصاة ذوي المعاصي من المؤمنين بحسبهم، نجى الله المؤمنين المتقين منهم بحسب اعمالهم.
مقاييس الظالمين
(ونذر الظالمين فيها جثيا) هؤلاء الظالمون يخبرنا الله عز وجل ما كان من حالهم وما المقاييس عندهم (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أيُ الفريقين خيرٌ مقاما واحسنُ نديا)، يقولون عن الذين آمنوا مفتخرين عليهم ومحتجين على صحة ما هم عليه من الدين الباطل بأنهم خير مقاما واحسن نديا، حكموا بحكم المادية.
ورد الله تعالى على شبهتهم بقوله (وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن اثاثا ورئيا) لقد نسوا من كان قبلهم، فهذه مدائن صالح تشهد على ذلك.
آية التهليل
(قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا)، قل يا محمد لهؤلاء المشركين بربهم المدعين انهم على الحق وانكم على الباطل، هؤلاء يمدُ الله عز وجل لهم في الضلالة مدا، يمدد لهم مما عندهم من اموال وبنين، فأمهلهم حتى يلاقوا ما يوعدون من الله (اما العذاب واما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا).
(ويزيد الله الذين اهتدوا هدى) هذا وعد الله بزيادة هداه للمهتدين والباقيات الصالحات من اول لا اله الا الله الى اركان الاسلام وذكر الله والتسبيح والتهليل والتحميد والحوقلة، كل عمل صالح دلت عليه سنة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يبقى لك ايها العبد بعد موتك وترى اثره عند ربك.