ياسر العيلة
يعد تقديم الأعمال التراثية في الوقت الحالي مغامرة فنية ليست سهلة، خاصة في ظل تغير ذائقة الجمهور وارتفاع سقف توقعاته، إلا أن مؤسسة «باك ستيج قروب» والنجم محمد الحملي اعتادا خوض الرهانات الصعبة وتقديم أعمال تغرد خارج السرب، مستفيدين من خبرة فنية كبيرة وقدرة لافتة على قراءة ما يلامس وجدان الجمهور.
ومن خلال مسرحية «الدكان»، التي تعرض حاليا بنجاح لافت على خشبة مسرح نادي السالمية، يواصل الحملي مشروعه في إعادة إحياء الأعمال ذات الطابع الكلاسيكي، امتدادا لتجارب ناجحة قدمها سابقا مثل «اليلوة» و«الحفلة» و«مصاص الدماء» و«الخطر معهم»، مؤكدا مجددا أنه أحد أبرز صناع المسرح الكوميدي لدى الجيل الحالي.
ولا يمكن النظر إلى «الدكان» باعتبارها مجرد مسرحية تقليدية، بل حالة فنية تستحضر أجواء الكويت القديمة بكل ما تحمله من دفء وحنين، إذ تنقل المشاهد إلى زمن الفرجان الشعبية التي كانت تنبض بالمحبة والعلاقات الإنسانية البسيطة، في عمل يجمع بين الكوميديا والبعد الإنساني، ويقدم فرجة مسرحية جميلة قريبة من القلب.
وتدور الأحداث داخل «فريج» قديم مهدد بالإزالة، تسعى شركة هندية إلى شرائه وإعادة بنائه، بما في ذلك «الدكان» الذي يمثل محور الحكاية ورمزها الأهم، وبينما يتمسك مالكه بوحمد (عبدالله الخضر) بالمكان باعتباره جزءا من ذاكرته وعمره، يختار الآخرون البيع طمعا في حياة أفضل، لتتحول القضية تدريجيا إلى صراع حول الهوية والانتماء وقيمة المحافظة على الإرث والذكريات، في نص يحمل العديد من الإسقاطات والدلالات المعاصرة.
ومن نقاط القوة في العمل حضوره التراثي الجميل، حيث حضرت الأغاني الشعبية والرقصات الكويتية بصورة طبيعية وغير مفتعلة، مستفيدة من وجود محل للآلات الموسيقية داخل «الفريج»، لتقدم لوحات غنائية محببة، فيما شكل تقديم فن «الطنبورة» في «لوبي المسرح» خلال الاستراحة، بمشاركة أبطال العمل وصوت الفنان سلطان المفتاح، تجربة تفاعلية مميزة عززت من فكرة أن «الدكان» ليست مجرد عرض مسرحي، بل تجربة فنية متكاملة يعيشها الجمهور منذ دخوله وحتى إسدال الستار.
وعلى مستوى الأداء، قدم محمد الحملي شخصية «بو فواز» تاجر الأقمشة المحتال بخفة ظل وحضور محبب، فيما برهن كمخرج على قدرته المعتادة في إدارة حركة الممثلين والمجاميع وتقديم فرجة كوميدية متكاملة. أما عبدالله الخضر فقدم واحدا من أجمل أدواره المسرحية، متنقلا بين أكثر من شخصية بسلاسة واقتدار، في أداء استحق معه تصفيق الجمهور أكثر من مرة، مؤكدا امتلاكه موهبة كوميدية فطرية وحضورا استثنائيا على خشبة المسرح.
وشكلت حصة النبهان، من خلال شخصية «شاندرا»، أحد أبرز عناصر الحيوية في العرض، حيث قدمت دورها بخفة ورشاقة وأضافت لمسة استعراضية جميلة زادت من بهجة العمل، بينما كان ناصر البلوشي بمثابة «فاكهة المسرحية» عبر شخصية «نجلاء» صاحبة دكان الباجلا، مقدما أداء كوميديا لافتا يعد من أبرز محطات مشواره الفني. كما أبدع علي العلي في تجسيد شخصية «بوعلي»، ووظف خبرته الطويلة في رسم ملامح الشخصية، فيما نجح عبدالمحسن العمر في المزج بين الجدية والكوميديا من خلال شخصية «أبوتر» شرطي الفريج.
وشكل حسين المهنا وفيصل العلوان ثنائيا محببا أضفى الكثير من العفوية والمرح على الأحداث، في حين قدم عبدالعزيز السعدون ومشعل الفرحان حضورا كوميديا جميلا عبر شخصيتي «بلال» و«عنبر»، كما أثبتت الفنانة الشابة شهد خسروه امتلاكها موهبة واعدة من خلال أدائها لشخصية «موضي».
في المجمل، نجحت «الدكان» في تقديم جرعة من الحنين الجميل إلى زمن الكويت القديمة، عبر عمل بسيط في شكله، عميق في رسائله، ومفعم بالكوميديا والمشاعر الصادقة، ليؤكد محمد الحملي مرة أخرى قدرته على كسب الرهانات الصعبة وتقديم أعمال تلامس ذاكرة الجمهور ووجدانه.
يذكر أن «الدكان» من تأليف: هيا أحمد، وفكرة وإخراج: محمد الحملي، ويشارك في بطولتها: محمد الحملي، وعبدالله الخضر، وحصة النبهان، وناصر البلوشي، وعلي العلي، وعبدالمحسن العمر، وعبدالعزيز السعدون، وحسين المهنا، وفيصل العلوان، ومشعل الفرحان، وشهد خسروه، فيما يتولى عبدالله البصيري مهمة مساعد المخرج.