- 12 شركة عالمية ساهمت في إخماد حرائق الآبار النفطية
- جهود مستميتة لـ 300 خبير أجنبي لإيقاف تلوث البر والجو
- 600 بئر أشعلت فيها النيران وسحب الدخان السوداء طاولت عنان السماء
محمود عيسى
في كتابه الذي سيصدر قبل نهاية نوفمبر الجاري تحت عنوان «الكويت.. صحراء تشتعل» يوضح المصور البرازيلي سيباستياو سالغادو ما ألهمه لالتقاط صور حرائق النفط التي اضرمها الجنود العراقيون في آبار النفط الكويتية عام 1991، ويتحدث عن الاسباب التي ادت الى قراره نشر تلك الصور في وقت لاحق وبعد ربع قرن من حرب الخليج.
ونقل موقع فايس عن المصور والكاتب قوله إنه من قبيل المصادفة كان موجودا في فنزويلا لتصوير الصناعة النفطية الهائلة لهذا البلد الواقع في اميركا اللاتينية عندما علم أن حقول النفط الكويتية قد اضرمت فيها النيران.
وقد اثارت أخبار الكارثة قلق فنزويلا، التي لأسباب أمنية، أغلقت حقول النفط الخاصة بها امام جميع الأجانب، كما طردتهم على الفور من المنطقة المنتجة للنفط حول ماراكايبو.
وبحلول ذلك الوقت، عرف العالم كله أن التحالف العسكري الدولي الضخم، الذي تقوده الولايات المتحدة، يستعد لطرد الجيش العراقي من الكويت.
وأن نجاح التحالف في هذه المهمة سيمثل بداية لحقبة من عدم الاستقرار ستسود منطقة الشرق الأوسط، وما زالت مستمرة حتى يومنا هذا.
حرائق هائلةويقول الكاتب «إنه حالما دخلت قوات التحالف الكويت منتصف فبراير 1991 لينهار بذلك حلم صدام حسين التوسعي في غضون اسبوعين فقط، أدركت أن القصة «الحقيقية» ستنتقل الآن إلى حقول النفط في الكويت، حيث كانت أكثر من 600 بئر تضطرم فيها النيران وتنبعث منها سحب الدخان السوداء تطاول عنان السماء، بالإضافة إلى تضرر الكثير من المرافق بشدة.
وقمت على الفور بالاتصال بمحررة الصور في مجلة نيويورك تايمز كاثي ريان، واقترحت ان اتولى تغطية هذا الحدث، واستجابت بحماس للفكرة وبدأنا التخطيط.
البداية والنهايةيقول المصور إن النفط كان بمنزلة البداية والنهاية لقصة الغزو العراقي للكويت، حيث أصرت بغداد على ان مطالبتها بالأرض الكويتية كانت تاريخية، ولكن أكثر ما أثار غضب صدام حسين هو تصوره أن افراط الكويت في انتاج النفط أضعف اسعار الخام في الاسواق العالمية.
وعلاوة على ذلك، كان يعتقد أنه في حقل نفط الرميلة الكبير الواقع على جانبي الحدود المشتركة بين البلدين، كانت الكويت تستخدم ما يسمى «بالحفر المائل» لامتصاص النفط العراقي من باطن الارض.
وخيل اليه انه بضم الكويت اليه، فإن العراق لن يعظم احتياطياته النفطية فحسب، ولكنه أيضا سيعزز تأثيره على سوق النفط العالمي.
ويمضي سلغادو الى القول إن الرياح لم تجر بما اشتهت سفن صدام، حيث ان خططه سرعان ما تغيرت عندما أصبح واضحا أن جيشه واجه الهزيمة على يد تحالف دولي فيما سمي بعاصفة الصحراء.
وفي يناير عام 1991، اضرم العراقيون النار في آبار النفط الكويتية، وهي خطوة ظن صدام حسين انها قد تحقق هدفا واحدا على الأقل من اهدافه، وهو رفع أسعار النفط العالمية، كما اعتقد أيضا أن تخريب حقول النفط كانت له قيمة عسكرية.
صعوبات وعوائقومضى الكاتب الى القول ان سحب الدخان السوداء الناجمة عن حرق الآبار قد حدت من الرؤية امام الطائرات العسكرية لقوات التحالف، ووفرت بعض الحماية للقوات البرية العراقية.
وعلاوة على ذلك، أعطيت أوامر بحفر خنادق طويلة وملئها بالنفط المشتعل لإبطاء زحف دبابات وأسلحة التحالف الثقيلة.
ومع ذلك، فقد انتهى الاحتلال العراقي للكويت في 28 فبراير وكان اهم ما خلفه وراءه تركة هائلة من آبار النفط المشتعلة.
وقال سلغادو انه سرعان ما بدأ مهندسو النفط والفنيون من أميركا الشمالية وأوروبا يخاطرون بحياتهم لاخماد حرائق الآبار المستعرة ووقف التسرب النفطي.
جهود عالمية«وقبل التوجه إلى الكويت، قررت الانتظار لبضعة اسابيع ريثما يتسنى للشركات التي دعيت لاخماد الحرائق تجميع وتشكيل فرقها المتخصصة في عمليات الاطفاء وبدء العمل.
وقد تم التعاقد مع 12 شركة عالمية على الاقل للقيام بهذه المهمة، فيما تم تنفيذ الجزء الأكبر من العمل من قبل فريق السلامة في شركات بوس وريد أدير من كندا وشركة بوتس انترناشيونال المتخصصة باطفاء حرائق الابار النفطية، وشركة وايلد ويل كونترول، وهي من الولايات المتحدة».
وقد ساعدت هذه الشركات كثيرا من الأجانب الاخرين من دول عديدة من شرق أفريقيا وشبه القارة الهندية.
مهمة نبيلةواضاف انه لا يمكن بأي حال التقليل من أهمية هذا العمل، وكان من المتوقع ان يؤدي تضافر جهود نحو 300 من الخبراء الأجانب لوقف المزيد من التلوث في البر والجو، بالإضافة الى الجهود المستميتة للتوصل إلى وضع يسمح باستئناف إنتاج النفط في الكويت وإنقاذ اقتصادها الذي حل به الدمار، ناهيك عن المساعدة في اعادة تحقيق الاستقرار في سوق النفط العالمية.
ومع ذلك يقول الكاتب «كان هؤلاء الرجال يتحركون كالأشباح ويعملون لساعات طويلة في ظلمات السحب الدخانية السوداء وقد سربلهم النفط، والخطر يحدق بهم من كل صوب، ولكن تفكيرهم لم يكن منصبا على شيء سوى النجاح في مهمتهم ووضع حد لهذه الحرائق الهائلة.
وقد تطلب انجازها من قبل الجميع توافر الخبرة، والارتجال، والانضباط والتضامن، والقدرة على التحمل والصلابة الكبيرة في الجسم والعقل.
وبدون هذه المقومات، فإن التكلفة البيئية والبشرية لهذه الكارثة ربما كانت أكبر بشكل لا يمكن قياسه. وقد وصلت إلى الحدود السعودية الكويتية أوائل أبريل،، وبعد انتظار طويل حصلت على إذن بالدخول، واستأجرت سيارة دفع رباعي وتوجهت إلى الكويت نحو أكثر سحب الدخان الأسود كثافة».
كارثة مماثلة
يختتم المصور البرازيلي سباستياو سلغادو مقدمة كتابه الذي سيصدره في وقت لاحق بقوله «انني نشرت هذا الكتاب بعد 25 عاما من وقوع المأساة التي يصورها لأنني عندما تأملت محفظة الصور لأول مرة، أدركت أن العديد منها لم ينشر ابدا.
ولكن الاهم من ذلك، اني وجدت ان هذه الصور ذات جودة خالدة لا نهاية لها: فبرغم انها التقطت في عام 1991، لكنها يمكن أن تتكرر اليوم أو غدا إذا وقعت كارثة مماثلة.
وبالنسبة لي شخصيا، فقد كان تأليف الكتاب بما يحتويه من صور فريدة عبارة عن رحلة إلى الماضي.
لقد عايشت من جديد تلك اللحظات التي أخذت هذه الصور فيها، وكنت كلما انتقلت من مشهد الى اخر عدت الى الوراء ربع قرن من الزمان.
فلم يحدث من قبل أن شاهدت خلال حياتي المهنية كارثة غير طبيعية بهذا الحجم الهائل وعلى هذا النطاق الشاسع».