مؤمن المصري
دعت دراسة قانونية بتعديل القانون الخاص بالجنسية بحيث يجوز النظر بقضايا الجنسية أمام القضاء الكويتي، وطالبت الدراسة المشرّع الكويتي بتعديل قانون الجنسية ليكون سحب الجنسية وإسقاطها خاضعا لرقابة القضاء، وتضمنت الدراسة التي أعدها المحامي محمد العنزي أن مسائل الجنسية لا تخضع لأعمال السيادة وان القرارات الصادرة بشأنها إدارية تخضع لرقابة القضاء الإداري.
استهل الباحث المحامي محمد العنزي دراسته التي جاءت بعنوان «سحب الجنسية وأثره.. دراسة نقدية في قانون الجنسية الكويتي رقم 15/ 1959 وتعديلاته»، بتوضيح ان الجنسية في مفهومها المعاصر هي رابطة دم بين المواطن والدولة وتتحقق بواقعة الميلاد على أرض الوطن أو الولادة لأب كويتي، مشيرا الى أن المرسوم بقانون رقم 15/ 1959 بتنظيم الجنسية الكويتية بتاريخ 14/ 12/ 1959 صدر ضمن مجموعة من التشريعات الصادرة خلال عام 1959، 1960 استكمالا لشكل الدولة الحديثة، واستمر العمل بهذا القانون حتى يومنا هذا مع إدخال تعديلات على أحكامه وفق ما تقتضيه المرحلة ومواكبة لواقع المجتمع الكويتي.
وتناولت الدراسة تحديدا عقوبة سحب الجنسية عن المواطن الكويتي الذي قد يرتكب فعلا من الأفعال الموجبة لعقوبة السحب والمحددة في المادتين 13، 14 من قانون الجنسية، موضحا أن عقوبة سحب الجنسية عن المواطن لها نتائج وخيمة وأثار اجتماعية سلبية على الواقع الاجتماعي والسياسي للبلاد، فسحب الجنسية ما هو إلا إعدام مدني للمواطن وذويه كما يقول أحد الفقهاء، بل هناك من يرى أنه لا يجوز سحب الجنسية عن المواطن مهما ارتكب من أفعال لأن الجنسية، وخاصة الأصلية، تكتسب بشكل معنوي، فهي لا تمنح من أحد، وإنما هي وضع طبيعي ومنطقي لارتباط المواطن بالأرض التي عاش عليها وترعرع فيها، وأنه في الدول التي تطبق الديموقراطية الحقيقية وتقدس حقوق الإنسان كالاتحاد الأوروبي لا تسحب الجنسية من المواطن مهما اقترف من أفعال أو ارتكب من جرائم، لأن الجنسية لصيقة بالميلاد فهي مرتبطة بالأرض والوطن ولا تمنح من أحد، لكن التشريعات العربية عامة والتشريع الكويتي خاصة في قانون الجنسية رقم 15/ 1959 وتعديلاته لم يأخذ بهذا التوجه، فقد نظم القانون الكويتي أحكام سحب الجنسية بالنسبة للمواطن الذي يرتكب فعلا من الأفعال المنصوص عليها في المادتين 13، 14 من قانون الجنسية، على اعتبار أن هذه الأفعال تتعلق بسيادة الدولة وتمس بالتركيبة السكانية والحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية فيها، غير أن الواقع العملي قد أفرز احكاما غير منطقية وأمورا سلبية حينما تعمد الدولة للأسف إلي إصدار قرارات بسحب الجنسية عن بعض المواطنين، وإن هذه القرارات كما تصفها الحكومة قرارات سيادية لا تعرض على القضاء العادي أو الإداري بداعي أعمال الحكومة أو أعمال السيادة، وفي كثير من الأحيان يكون قرار سحب الجنسية بعيدا كل البعد عن مصلحة الدولة وسياستها العليا.
وبينت الدراسة مدى عدم مشروعية ما قامت به الحكومة حينما سحبت جنسية بعض المواطنين وذويهم، حيث سلطت الضوء على المرسوم الصادر بسحب الجنسية ومدى اتفاقه واختلافه مع القوانين الصادرة وأحكام الدستور.
أولا: التنظيم التشريعي لقانون الجنسية في الكويت:
يحكم الجنسية والتجنيس في الكويت قانون الجنسية رقم 15/1959 على الرغم من أنه قد صدر القانون رقم 2/1948 بتنظيم الجنسية الكويتية إلا أنه لم يوضع موضع التطبيق الفعلي حتى صدور القانون الحالي رقم 15/1959، وتبين المادة الأولى من هذا القانون مفهوم الكويتيين بالتأسيس.
حيث تنص على أن:
«الكويتيين بالتأسيس أساسا هم المتوطنون في الكويت قبل سنة 1920 وكانوا المحافظين على إقامتهم العادية فيها يوم نشر هذا القانون».
كما تنظم المادة الأولى والثانية مفهوم جنسية الدم حيث تنص على أن:
«يكون كويتيا كل من ولد في الكويت أو في الخارج لاب كويتي وينسحب ذلك على الكويتي بالتأسيس أو بالتجنيس».
وتنظم المواد الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة حالات التجنيس، فالمادة الثالثة تنظم حالات مجهولي الأبوين واللقيط، حيث تنص على أن:
«يكتسب الجنسية الكويتية كل من ولد في الكويت لأبوين مجهولين، ويعتبر اللقيط مولودا فيها ما لم يثبت العكس، ويجوز لمن ولد في الكويت أو في الخارج من أم كويتية وكان مجهول الأب، أو لم يثبت نسبه إلي أبيه قانونا، ويجوز معاملة القصر في هذه الحالة معاملة الكويتيين ببلوغهم سن الرشد»، وهذا النص معدل بالقانون رقم 4/1987.
أما التجنيس، فتنظمه المادتان الرابعة الخامسة والسادسة والسابعة وقد جرى تعديل هذه النصوص بأكثر من قانون، المرسوم الأميري رقم 2/1960، والقانون رقم 70/1966 والقانون رقم 70/1966، والمرسوم بقانون رقم 100/1980 والقانون رقم 1/1982.
أما المادة السادسة فتنظم حق الانتخاب أو التعيين للهيئات النيابية، وتنظم المادة السابعة موضوع زوجة وأولاد المتجنس أما المادة الثامنة فهي المنظمة لحالات التجنيس فتعالج موضوع زوجة الكويتي الأجنبية، وهذه إطلالة سريعة وموجزة على التنظيم التشريعي للجنسية في الكويت وكبداية منطقية وضرورية يقتضيها موضوع الدراسة.
ثانيا: حالات التنظيم التشريعي لسحب وإسقاط الجنسية في قانون الجنسية الكويتية:
ينبغي أن نفرق أولا بين مصطلحين مهمين حتى لا يلتبس الأمر على القارئ وهو الفرق بين سحب الجنسية وإسقاطها، حيث يوجد فرق بين المصطلحين، فسحب الجنسية لا يكون إلا للمتجنسين أما إسقاطها فلا يكون إلا عن الكويتي بالتأسيس وفقا لضوابط وشروط محددة في قانون الجنسية «المادة 14» لأن السحب لا يكون إلا من الإدارة التي منحت الجنسية وفقا لاعتبارات معينة وشروط خاصة وهذه تملكها الجهة الإدارية لأن الذي يستطيع المنح يستطيع المنع، أما إسقاط الجنسية فلا يكون إلا للمواطن بالتأسيس، وتنظم المواد 10، 11، 11 مكررا، 12، 13، 14، 15 مواضيع فقد الجنسية والتنازل عنها.
فالمادتان 13، 14 من قانون الجنسية هما محور الدراسة، وهما اللتياناستندت إليهما الحكومة في سحب جنسية عدد من المواطنين.
والمادة 13 من قانون الجنسية تجيز لمجلس الوزراء سحب الجنسية بمرسوم ممن كسبها بموجب المواد 3، 4، 5، 7، 8 في الحالات الآتية:
1- إذا كان قد منح الجنسية بطريق الغش أو بناء على أقوال كاذبة أو إذا حكم عليه خلال 15 سنة من حصوله على الجنسية في جريمة مخلة بالشرف والأمانة.. إلخ.
فالمادة 14 تتحدث عن إسقاط الجنسية وهي كما قلنا آنفا لا تكون إلا للكويتي بالتأسيس وقد حدد نص هذه المادة، فأجاز للحكومة إسقاط الجنسية:
1- إذا دخل الخدمة العسكرية لإحدى الدول الأجنبية وبقى فيها على الرغم من الأمر الذي يصدر له من حكومة الكويت يتركها.
2- إذا عمل لمصلحة دولة أجنبية وهي في حالة حرب مع الكويت أو كانت العلاقات السياسية قد قطعت معها.
3- إذا كانت إقامته العادية في الخارج وانضم إلى هيئة من أغراضها العمل على تقويض النظام الاجتماعي والاقتصادي للكويت أو صدر حكم بإدانته في جرائم تمس ولائه للبلاد.
وهاتان المادتان أثارتا جدلا كبيرا في المجتمع الكويتي بمناسبة المرسوم رقم 185/2014 وغيره من المراسيم الصادرة من مجلس الوزراء فيما تضمنته من سحب جناسي المواطنين وممن يكون قد كسبها معهم بطريق التبعية.
فهل كانت الحكومة موفقة في سحب هذه الجنسية وهل يتفق مسلكها في هذا الصدد مع النصوص الدستورية والمواثيق الدولية وحقوق الانسان وهل يعد هذا الأمر عملا سياديا تنحسر عنه رقابة القضاء ولائيا أم أن هذا المرسوم ما هو اقرار اداري يخضع للقضاء الاداري الغاء وتعويضا، هذا ما سنبينه في هذه الدراسة.
ثالثا: عقوبة سحب الجنسية ومدى اتفاقه واختلافه مع أحكام الدستور ومبادئ الشريعة الاسلامية:
الانسان باعتباره انسانا له الحق في الحياة مادام قدم اليها فمن حقه أن يكون له أرض ينسب اليها «حق الجنسية» وأن يكون آمنا فيها يمارس حريته وحقوقه دون خوف أو رهبة.
والدستور الكويتي حوى كثيرا من النصوص التي تؤكد هذا الحق.
فنصت المادة 27 من الدستور على أن:
«الجنسية الكويتية يحددها القانون، ولا يجوز اسقاط الجنسية أو سحبها الا في حدود القانون».
وقد جاء في نص المادة 13 من قانون الجنسية التي استندت اليها الحكومة في سحب جناسي عدد من المواطنين بأنه (يجوز بمرسوم بناء على عرض وزير الداخلية سحب الجنسية الكويتية من الكويتي الذي كسب الجنسية الكويتية بالتطبيق لأحكام المواد 4، 5، 7، 8 من هذا القانون اذا كان قد منح الجنسية بطريق الغش أو بناء على أقوال كاذبة، ثم أضاف النص أفعالا أخرى كما في حالة اذا حكم على الكويتي خلال خمس عشرة سنة من منحه الجنسية الكويتية في جريمة مخلة بالشرف والأمانة اذا عزل من وظيفته الحكومية تأديبيا، اذا استدعت مصلحة الدولة العليا، أو أمنها الخارجي.. الخ)
وجاءت المادة 14 لتقرر اسقاط الجنسية بناء على عرض من رئيس دوائر الشرطة والأمن العام عن كل من يتمتع بها في الحالات:
1- اذا دخل الخدمة العسكرية
2- اذا عمل لمصلحة دولة أجنبية
والملاحظ على هاتين المادتين أنها تقيم حكمها استنادا الي عرض رئيس دوائر الشرطة أي أن هذه الجهة هي التي تقرر أو تعرض على مجلس الوزراء أو الجهة المختصة سحب أو اسقاط الجنسية عن المواطن الكويتي، أي أن زمام الأمر كله بيد جهة الادارة، وذلك بناء على دلائل واتهامات توافرت لديها، أي أن المشرع اعطى صراحة لجهاز الشرطة حق توجيه اتهامات الي الكويتي دون أن يلزمها بأدلة قطعية تثبت صحة هذه الاتهامات ودون أن يباح للمواطن الدفاع عن نفسه لتفنيد هذه الاتهامات وليثبت براءته وكيدية الاتهام المسند اليه.
بل أن الخطورة تكمن في أن العقوبة تمتد لتشمل عائلة المتهم وهو ما يتعارض مع نص المادة 33 من الدستور «بأن العقوبة شخصية» أي أن العقوبة يجب أن تقع فقط على فاعلها أو من ساهم معه في ارتكابها أما من لم يثبت عليه فعل المساهمة فلا تطاله العقوبة، لأن العقوبة لا تطال الا صاحبها الذي أتى الفعل المجرم أو المحظور.
وهنا يقف المواطن وعائلته مكتوفي الأيدي في ظل تحصين القرارات الصادرة من الحكومة في مسائل الجنسية بذريعة أعمال السيادة، ، فتفويض المادتين 13، 14 من قانون الجنسية الشرطة النظر في قضايا جنائية واصدار أحكام فيها باطل لأنه يحتوي على شبهة اعتداء على صلاحيات القضاء، فالقضاء وحدة هو المنوط به اصدار الأحكام طبقا لمبدأ الفصل بين السلطات الذي تتضمنه المادة 50 من الدستور.
«يقوم نظام الحكم على أساس فصل السلطات مع تعاونها وفقا لأحكام الدستور ولا يجوز لأي سلطة منها النزول عن كل أو بعض اختصاصها المنصوص عليه في هذا الدستور».
وكذلك تتعارض الأحكام الواردة في المادتين 13، 14 من قانون الجنسية مع المادة 34 من الدستور التي نصت على أن:
«المتهم بريء حتى تثبت ادانته في محاكمة قانونية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية لممارسة حق الدفاع......».
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، أن عقوبة سحب جنسية عن عائلة المواطن مخالف للمادة الثانية من الدستور التي تقرر أن مبادئ الشريعة الاسلامية مصدر من مصادر التشريع.
فالتكييف الفقهي للجنسية في الشريعة الاسلامية أو حق المواطنة أنها عقد بين الحاكم والمحكوم يجوز فيه الاقالة والاقصاء بشرط عدم الاضرار بكل منهما للأخر فاذا وقع الاضرار، يجوز التقرير من جهة القضاء بهذا الأمر بحسب ما تقتضيه المصلحة العامة المقيدة بالشرع، فتقويض النظام الاجتماعي أو الأمني أو الاقتصادي يسمح لولي الأمر بانهاء عقد المواطنة كعقوبة تعزيرية بشرط ألا يتعدى ضررها الي من تحت ولاية المسحوب منه، ، لأن المقصود من العقوبة الزجر والتأديب وسحب الجنسية من عائلة الجاني لا يحقق مقاصد الشرع من العقوبة، لأن الضرر يزال ولا يثبت، وقد ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم «بأنه لا يؤخذ الأبن بجريرة أبيه ولا الأخ بجريرة أخيه».
وفي القرآن الكريم (لا تزر وازرة وزر أخرى) الآية 18 من سورة فاطر.
وبالتالي فان سحب الجنسية بالتبعية دون وقوع جريمة من هؤلاء لا عدالة فيه ومخالف لنص المادة 33 من للدستور.
خامسا: أعمال السيادة وقانون الجنسية الكويتي:
لم يحظ عمل بالبحث والتمحيص واختلاف الآراء بشأنه كأعمال السيادة وخاصة القرارات الصادرة في شأن الجنسية على اعتبار أن المحاكم توسعت في تفسيرها توسعا كبيرا، ، فالهدف من أعمال السيادة هو حماية هيبة الدولة من المساس، ولكن وجود قوانين تنتهك فيها حقوق الانسان تمس هيبة الدولة وتسيء الى سمعتها.
وأعمال السيادة في حقيقتها وجوهرها تمثل خروجا على مبدأ المشروعية الذي يعني خضوع الدولة للقانون في كل صور نشاطها وجميع التصرفات الصادرة عنها بحيث تكون جميع السلطات العامة في الدولة التشريعية – التنفيذية – القضائية، ، خاضعة للقانون وراضخة لأحكامه، ولكن لاعتبارات سياسية تمس أمن الدولة الداخلي والخارجي ولدت نظرية أعمال السيادة أو الحكومة، فهي نظرية منشأها في الأصل قضائي أنشأها مجلس الدولة الفرنسي، وأعمال السيادة هي طائفة من الأعمال التي تصدر عن السلطة التنفيذية ولا تخضع لرقابة القضاء، ولقد اعتنق المشرع الكويتي نظرية أعمال السيادة في المرسوم الأميري رقم 19/1959 في شأن تنظيم القضاء حيث نصت المادة الثانية منه على أنه (ليس للمحاكم أن تنظر في أعمال السيادة، ومن ثم تكرر النص بعد ذلك في قانون تنظيم القضاء الحالي بالمرسوم رقم 23/1990 في المادة الثانية، وقد جاء في المذكرة الايضاحية للمرسوم رقم 19/1959 وكذلك في المرسوم الحالي تعليقا على نص المادة الثانية أنه «تخرج من ولاية المحكمة جميع أعمال السيادة وهي الأعمال العليا للدولة، ولقد استقر القضاء الكويتي على تعريف أعمال السيادة بأنها الأعمال التي تصدرها الحكومة باعتبارها سلطة حكم لا سلطة إدارة، ، وهي الأعمال ذات الصبغة السياسية، وبالرغم أن أعمال السيادة غير قابلة للحصر أو التحديد وأن المشرع قد ترك أمر تحديدها للقضاء، الا أن المشرع الكويتي أخرج طائفة من الأعمال عن رقابة القضاء ولم يشر صراحة الى أنها أعمال سيادية، ، ولكن القضاء هو الذي فسر هذه الأعمال بأنها كذلك، بحيث لا يجوز له النظر فيها وينحسر اختصاصه عنها، ومن ضمن هذه الأعمال القرارات الصادرة في مسائل الجنسية حيث جاءت هذه الطائفة من الأعمال عند تنظيم المشرع لقانون انشاء الدائرة الإدارية بالمحكمة الكلية بالقانون رقم 2/1981 والمعدل بالقانون رقم 61/1982، فأخرج المشرع صراحة بنص الفقرة الخامسة من هذا القانون طائفة من الأعمال لا تختص بنظرها هذه الدائرة ومن هذه الأعمال مسائل الجنسية.
بقية الدراسة غداً