عاش الشعب المصري العظيم هانئا مستقرا منذ القدم في دولة الأمن والأمان والنعم، وعرف بين الشعوب والأمم بالطيبة والتسامح والكرم، وحب المرح والابتسامة والألفة.. ثم شيئا فشيئا انقلبت أوضاعه وتغيرت أحواله من النقيض إلى النقيض، بعدما تحولت سلوكيات بعض أبنائه من الطيبة والتسامح إلى العنف، وذهبت ثقافة العفو وانتشرت ثقافة العدوان والثأر والتهديد والوعيد، لذلك يعتبر انتشار العنف بين المصريين بهذه السرعة شيئا مريبا وسلوكا دخيلا على هذا المجتمع لم يكن معروفا بين أبنائه من قبل.
انتشر العنف خلال السنوات الست الماضية، وازدادت حدته حتى أصبح ظاهرة عامة. بعدما تراخت القبضة الأمنية عقب ثورة 25 يناير الشعبية.
فتغيرت نفوس المصريين وتبلدت مشاعرهم الإنسانية بعدما اعتادوا على مشاهد الدماء وأصبح العنف جزءا من حياتهم اليومية. وهي حالة غريبة عن تكويننا، ودخيلة على مجتمعنا، وشاذة عن تراثنا وعاداتنا وأعرافنا وتقاليدنا.
حالة استثنائية أفرزت عددا مهولا من الظواهر السلبية التي ستأخذ من الدولة وقتا طويلا لمعالجة أسبابها، والقضاء على عوامل انتشارها، وإزالة آثارها المدمرة، لذلك يتحتم على الدولة الآن دون تسويف أو انتظار أن تعطي أولوية في اهتماماتها لظاهرة العنف الذي انتشر في المجتمع كالسرطان من خلال فتح الحوار المجتمعي حول العنف ترعاه الدولة ولا تديره يشارك فيه أهل الرأي والفكر، وأساتذة الطب النفسي، ورجال الدين، وأساتذة القانون، وعلماء الاجتماع، والنخبة الوطنية للتعرف على الأسباب الحقيقية التي أدت إلى انتشار هذه الظاهرة غير الإنسانية، وتحديد الوسائل المناسبة للقضاء عليها إلى الأبد.
بشكل عام، يجب أن يستهدف هذا الحوار الوصول إلى الأسباب التي أدت إلى انفلاتنا الأخلاقي، والعوامل التي ترتب عليها انحدار مستوانا السلوكي، حتى نعرف لماذا تبدلت لغة التعامل؟ وكيف تغيرت أدوات الحوار؟ ولماذا اختلفت أساليب الصراع؟ وإلى متى نظل في هذا الجحيم الذي نعيش فيه من العنف والعنف المضاد الذي أوصلنا إلى هذه الحالة المأساوية التي لم تشهد مصرنا الحبيبة مثيلا لها على مدى تاريخها كله؟