بعد أن عرض الله تعالى في هذه السورة المكية العظيمة الأدلة والبراهين الشاهدة على وحدانية الله تعالى، تذكر السورة حال المشركين وهم يتلقون الرسول صلى الله عليه وسلم بالاستهزاء والسخرية والتكذيب، وتعقب على ذلك بسنة الله الكونية في إهلاك الطغاة المجرمين.
ثم تتناول قصص بعض الرسل وتتحدث بالإسهاب عن قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه في أسلوب مشوق فيه قوة الحجة والبرهان وفي قصته عبر وعظات لمن كان له قلب وفكر سليم، وذكر تعالى سبعة عشر نبيا من بعض الأنبياء والرسل، ونجد دائما الله تعالى يقرن بين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وبين موسى عليه السلام وكلما جاء ذكر التوراة جاء ذكر القرآن خاتم الكتب والمهيمن على ما سبق من كتب، كما ذكر إدريس وذا الكفل وذا النون وزكريا وعيسى بإيجاز ولهذا سميت سورة الأنبياء مع بيان الأهوال والشدائد التي تعرضوا لها.
بركة القرآن
(وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون) الذكر: لغة الشرف والمكانة العالية وهذا القرآن شرف لك (مبارك) البركة هي حصول الخير فوق ما ترجو فلا يطلب الخير إلا في كتاب الله فإذا وجهنا جهودنا إلى كتاب الله نفعنا الله ببركة هذا القرآن، فما شيء أعظم منه وللحصول على بركته عن طريق تعلمه وحفظ ألفاظه ومعانيه، وأما الإعراض عنه فهو من أشد انواع الكفر والجهل (أفأنتم له منكرون) فالبركة تحصل بالحفظ والعمل به.
حجة واهية
(إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون) التفاتة جميلة هل قال ما هذا الذي تعبدون؟ بل قال ما هذه التماثيل وكأنه يذم الشيء ويلفت انتباههم إلى التماثيل حتى يقروا بانها تماثيل مصنوعة. وهم عاكفون مستمرون في ضلالهم وحجتهم انهم يفعلون ما كان يفعله آباؤهم (قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين) اجابوا بغير حجة وهذا جواب العاجز.
(قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين) هل تريد ان تستهزئ بنا، فقال لهم إبراهيم (لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين) واضح بين، وأي ضلال ابلغ من ضلالهم في الشرك وترك التوحيد.
(قال بل ربكم رب السماوات والأرض) عرفهم بالدليل العقلي فقال (ربكم) ذكرهم بربوبية الله تعالى هذا الرب الذي يجب ان يعبد وإن كان لا يرى، فإن آثاره تدل عليه وتشهد على عظمته وجلاله وقدرته وعلمه.
(وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين) سألحق الضرر بهذه الأصنام. قال بعض المفسرين لماذا لم يكسر أصنامهم في وجودهم؟ قالوا لأن إزالة المنكر باليد تكون بعد إزالته بالقول بقدر الإمكان، وهذا ما نبهنا عليه النبي صلى الله عليه وسلم «من رأى منكم منكرا...» (فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم) أي كسرها كلها إلا كبيرا لهم وهذا فيه فائدة الله لم يقل إلا الكبير وكلمة الكبير فيها تفخيم ولا تطلق إلا لله عزّ وجلّ وتعظيما له وهو احتراز من تعظيم ما حقره الله.
مواجهة
وجاءوا يتساءلون (من فعل هذا بآلهتنا) يقولونها ولا يسألون أنفسهم كيف يفعل هذا بآلهتهم، واتهموا إبراهيم بالظلم (إنه لمن الظالمين) لم يجدوا غير إبراهيم الذي أنكر عليهم عبادتهم وسخر من قبل بهم وبها، فأراد الله تعالى لنبيه ان تكون المواجهة امام الناس كما حدث مع موسى يوم الزينة (قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون) وجاءوا بإبراهيم يتهمونه ويسألونه على أعين الناس ووسط الجموع الحاشدة.
وبأسلوب ساخر أجاب إبراهيم على اتهام القوم له فقال لهم: بل الذي فعله هو كبيرهم هذا (فاسألوهم إن كانوا ينطقون) دعاهم إبراهيم ان يسألوا المجني عليهم إن كانت لهم قدرة على الكلام. (لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) شهدوا على أنفسهم ان الاصنام لا تنطق.
موقف العاجز
وعندما يفلس اهل الباطل يلجؤون إلى التعذيب (قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين) فقد اتهموا إبراهيم وأدانوه وأصدروا حكمهم عليه (حرقوه) زيادة في التعذيب (قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم) أبدل الله تعالى الإحراق بالنار بأن تكون بردا وسلاما حتى لا يتأذى من بردها.
جزاء الصالحين
(ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين) خلص الله سبحانه إبراهيم من النار وخلصه كذلك من يد هؤلاء الضالين ونجى الله معه لوطا عليه السلام وهو وحده الذي استجاب له وآمن به.
(ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة) بعد أن نجى الله سبحانه إبراهيم من قومه أكرمه الله تعالى فوهب له إسحاق ثم وهب له لإسحاق يعقوب وبارك نسله وكثره فكان أمة، (نافلة): أي زيادة على الولد الموهوب ولم يكن مجرد ولدين بل كانا صالحين وأئمة هدى يدعون الناس إلى الخير.
(وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) أيدهم الله بالوحي لما فيه خير الناس وذكر الله تعالى الصلاة أولا لأن الصلاة أفضل الأعمال التي فيها حق الله، والزكاة أفضل الأعمال التي بها الإحسان إلى خلق الله.
(عابدين) من صفته الاستمرارية في العبادة.
(ولوطا أتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين) بحكمة العقل والعلم نجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث وتأتي المنكر، وهكذا ينصر الله المتقين من عباده ويفيض عليهم من كرمه وإحسانه ويأخذ الظالمين المفسدين بالعذاب.
(وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين) وصف الله تعالى لوطا بالصلاة، وهذه دعوة كل الأنبياء ومراد كل الصالحين الصلاح وهو سبب دخول العبد في رحمة الله كما ان الفساد سبب لحرمانه من رحمته وهذه قاعدة وسنة إلهية. فأهل الصلاح لهم عناية خاصة من الله.