(قل يأيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين) يأمر الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم بمخاطبة الناس جميعا بأنه رسول الله حقا مبشرا للمؤمنين بثواب الله، منذرا للكافرين من عقابه، ثم جاء بالبشارة لهؤلاء (الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم) جاء بالمغفرة والرزق بصيغة نكرتين، وهي صيغة العموم، فإذا وعدك الكريم برزق كريم فلا تتخيل كيف يكون هذا الرزق مع إطلاق الوعد في الدنيا والآخرة. أما هؤلاء الكافرون الذين يعاندون الحق فأولئك أصحاب الجحيم ملازمون لها لا ينفكون عنها.
تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم
(وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم)، يقول الله مسليا قلب النبي صلى الله عليه وسلم إن الله ما أرسل قبل محمد من رسول ولا نبي إلا اذا تمنى، «أي: قرأ قراءته التي يذكر بها الناس ويأمرهم وينهاهم»، ألقى الشيطان في أمنيته، أي في قراءته من طرقه ومكايده، ما هو مناقض لتلك القراءة، مع أن الله قد عصم الرسل فيما يبلغونه عن الله، وحفظ وحيه أن يختلط بغيره، ولكن هذا إلقاء من الشيطان غير مستقر ولا مستمر، وإنما هو عارض يعرض ثم يزول فيزيل ويذهب ويبطل ما يلقي الشيطان.
المعركة بين الحق والباطل
(وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق.. الآية) هذه الشبهات والوساوس التي ألقاها الشيطان تزيد أهل الايمان رسوخا وثباتا (فيؤمنوا به) بالحق ايمانا كاملا وتقريرا وإقرارا وعملا (فتخبت له قلوبهم)، الإخبات هو لفظ لم يرد في القرآن الا في ثلاثة مواضع، منها اثنان في سورة الحج، والموضع الثالث في سورة هود (ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم..).
الإخبات ثوابه الجنة
والإخبات: أي الخشوع والخضوع والتسليم لله تعالى، وبسبب إيمانهم ثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وقال المفسرون: هو التواضع، وقيل هو مازال من الأرض السهل، وقال العلماء: مخبتون أي منقادون لله وحده.
بشارات
(إن الله يدافع عن الذين آمنوا) تؤكد الآيات نصر الله تعالى لعباده وعدله للدلالة على عظيم قدرة الله تعالى، وان بيده الأمر كله، واليه يرجع الامر كله، لكنه سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء، وهو الذي يفصل بين الناس ويحاسبهم، ينصر من يشاء من عباده المؤمنين ويدافع عنهم ويرزقهم ثم يبعثهم ويحاسبهم.
(أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير) بعد أن كان المسلمون في أول الاسلام ممنوعين من قتال الكفار ومأمورين بالصبر عليهم لحكمة إلهية، فلما هاجروا للمدينة وأوذوا أذن لهم بالقتال، لأنهم ظلموا وأخرجوا من ديارهم، وخرجوا مهاجرين ابتغاء مرضاة الله طالبين ما عند الله لا لشهرة أو لأمر ما، وإنما أخرجوا من ديارهم بغير حق وما كان ذنبهم (الا أن يقولوا ربنا الله).
اركن إلى ربك
الله يأخذ حقك، وان أردت أن تأخذ حقك أعطاك الله هذا الحق، ولكنه حذرك من أن تتجاوز هذا الحق، فالله عفو يعفو عن المذنبين ولا يعاجلهم بالعقوبة، فكن كذلك أيها المؤمن، اركن الى ربك (ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور)، «ذلك» اسم إشارة الى ما سبق ان قصصناه عليك، (ومن عاقب بمثل ما عوقب به)، أي من جازى الظالم بمثل ما ظلمه، ولا يجوز للمظلوم أن يعتدي بحجة ظلمه لأن البغي ليس من أخلاق المسلمين.