بقلم: يوسف عبد الرحمن
[email protected]
الجالية العربية وغيرها من الجاليات في المهجر تجمعها سمات وخصال مشتركة كثيرة ولكن وجودها ودورها في المجتمعات الأوروبية الآن تحكمه طبيعة النظام الحاكم والقوانين في هذا البلد أو ذاك.. كذلك مواقف الأحزاب السياسية الحاكمة او التي تحرك الشارع وطبيعة المجتمع ومدى تقبله للأجانب والآخر.
بحكم متابعتي لقضايا الجالية العربية في المهجر وزياراتي لهذه الدول الأوروبية التي تؤوي هؤلاء (المهاجرين أو اللاجئين) استطيع ان اكتب مجموعة من المعلومات والحقائق ولعلي هنا ارجع الى الجذور الأولى لهذه الهجرات التي استقبلتها اوروبا والولايات المتحدة وكندا واستراليا وبقية الدول.
ولم نسمع ولم نقرأ ان الهند مثلا او كثيرا من الدول الآسيوية القادرة على استقبال المهاجرين واللاجئين فعلتها كما رأينا في أوروبا وهذا يحتاج ايضا الى وقفة!
نظرة في خريطة العالم نجد ان الجالية العربية وصلت اليوم الى الجيل الرابع والخامس وكثير منها تأقلم وتوافق واندمج وهذا مؤشر طيب على التفاعل متعدد الثقافات.
أكيد هناك دوافع جعلت أمة العرب تهاجر الى الدول الأوروبية والأميركتين واستراليا وغيرها من الدول التي تفتح ابوابها للهجرة الشرعية والطارئة وكيفية تعامل الجهات الرسمية ولنأخذ مثلا (بريطانيا)، حيث يقبل ويشيد بها من هاجر إليها او يحاول ان يلحق بالركب عله يصل الى مبتغاه كموطن استقرار وقبوله في طلب الإقامة او اللجوء وسط تنوع ثقافي لم يألفه في بلده الاصلي مما يجعله يحاول الاندماج، والمشكلة ان (المواطن العربي وخاصة المسلم) عليه ان يوفق بين الإسلام والثقافات الاخرى اما المسيحي فالامر اسهل ولا يحتاج هذه الخصوصية.
لقد اثبتت أفواج الهجرات ان المواطن العربي المهاجر يستطيع ان يكون مواطنا غربيا ويعيش الثقافة وحالة السياسة الخاصة بعيدا عن (الاختلاف والتعارض) والتمسك بمبدأ التسامح والحوار مع الآخر وتفهم طبيعة المجتمع الجديد والبعد عن التطرف وتفهم الأنظمة السياسية الأوروبية او النظام الأميركي وغيره وخلق حالة من التوازن بين مختلف الجاليات.
دراسات مطلوبة
نحتاج في الدول العربية اليوم الى دراسة تحليل جذور الهجرة العربية الى هذه الدول باعتبار ان العرب المهاجرين اصبحوا جزءا من التركيبة السكانية في الدول التي هاجروا إليها.
ويجب رصد المشاركات والفعاليات المصاحبة لهؤلاء المهاجرين لمعرفة كيفية تغلغلهم والاندماج الاجتماعي الذي نجحوا فيه.
كما انني ارى ان تبادر هذه الجهات المسؤولة عن هذه الهجرات ان وجدت في الوطن العربي الى تتبع واقع التعددية الثقافية والتنوع السياسي بين المجموعات المهاجرة واستيعاب مفاهيم هذه الثقافات المنقولة وهل اثرت في هذه الشعوب التي استوعبت الهجرات العربية؟ وكيف استطاعوا الاحتفاظ بالهوية العربية والعمل على تقبل الرأي الآخر واستيعاب مفاهيم السلم الاجتماعي بين الثقافات.
كما انني ارى كباحث ان نهتم بالتعرف على سياسات هذه الدول التي تعزز التعددية ودور الاحزاب والجاليات في المشاركة لتطور المسار الثنائي.
هجرة العراقيين من البعث العراقي وهجرة السوريين من البعث السوري العلوي نماذج تحتاج الى تشكيل فرق لتتبعها ولمعرفة نتائجها المستقبلية.
فرضيات محتملة
الفرضية هي عرض لعلاقة متوقعة ما بين القائم على الدراسة من بحاث ومختصين ودارسين والواقع المرصود للدراسة مع وضع رصد التغيرات المحتملة والوسائل المطلوبة والنتائج المتوقعة.
هناك خيارات واحتمالات امام الجهة الباحثة والجهات المطلوبة، والفرضية دائما تبدأ بالمراقبة ثم البدء في جمع الحقائق والبيانات التي تثبت صحة هذا البحث او ذاك، وتعتبر ايضا الفرضية عرضا جازما يتحمل الصحة او الخطأ ويمكن اثباته او نفيه، وفي ضوء متابعتي لملفات «الهجرة والتهجير» واللجوء الاضطراري او القسري، استطيع ان اعرض بعض الفرضيات المحورية التي تشكل المحاور الرئيسية للمشي بالدراسة البحثية الاستقصائية والتحقق من صحتها فيما يلي:
٭ التعددية في اميركا وكندا والغرب واستراليا عندهم من اهم مقومات السلم الاجتماعي.
٭ من ملفات الهجرة التي انتجت الكثير من الاجيال يتضح ان بعض الثقافات تتعارض وقد ينتج عنها تطرف.
٭ تعارض الثقافات وتقاطع مسارات الثقافة الواحدة يهز السلم الاجتماعي.
٭ اتضح من تجارب الهجرات الاولى ان التنوع الثقافي يثري الثقافة الوطنية.
٭ يجب الرصد بدقة لقضية «التطرف الديني» الاسلامي وغيره على انها خطر على التعددية.
الوسائل المقترحة
في ضوء قراءتي لموضوع «اللجوء والهجرة»، ارى ان هناك وسائل ضرورية لجمع المعلومات الاولية والبيانات لتغطية ملف في غاية الاهمية مثل موضوع «المهاجرون العرب الى هذه المجتمعات المفتوحة»، واشير هنا الى اهمية الرجوع الى ما يلي:
٭ البحث الالكتروني خاصة في ظل توافر المعلومات من الجهات المعتمدة في المكتبات الاوروبية والاميركية الشهيرة، وكذلك الجامعات المعتمدة التي تملك الدراسات، خاصة ان هناك بعض الجهات التي تملك المصادر التاريخية والسياسية وتفتح ابوابها لمن يريد الحصول على المعلومة.
٭ المقابلات الشخصية مع الافراد والعوائل التي نزحت الى هذه الديار هربا او بحثا عن حياة كريمة لم تجدها في بلدانها الاصلية.
وهناك جهات متخصصة في هذه النوعية من المقابلات وتعرف الاتجاهات الفكرية والثقافية.
ايضا يجب استخدام الملاحظة لأن الملاحظات نقاط مهمة في مجال البحث الاجتماعي لجمع المعلومات ولا تقل اهمية عن المقابلة الرسمية او غير الرسمية، وهي اسلوب لتقصي المعلومات ومن خلال تفاعل المبحوثين والاطلاع على نمط واساليب المعيشة يمكن تسجيل هذه الملاحظات، كما ان الاستبيان احد ابرز الادوات المهمة لجمع البيانات من خلال استمارة محكمة واسئلة معبرة، وفي حال اجابة هذه الاسئلة تتكون عندك كل الامور التي كنت تسأل عنها قبل الدراسة الميدانية.
&cropxunits=450&cropyunits=300)
&cropxunits=450&cropyunits=299)
الأسئلة الواجبة في حال البحث
حتى نستوفي شروط البحث علينا ان ندقق كثيرا في الاسئلة التي تحتوي عليها الصحيفة التي تقدم للمهاجر حتى يجيب عنها في حال اختيارنا جالية معينة كما حدث في سورية مؤخرا وحتى تكون بياناتنا دقيقة أرى أن تتضمن البيانات المطلوبة العناصر الاساسية في البحث في حال طرحها على عينة أم أفراد وهي:
ـ الجنس
ـ العمر.
ـ العمل.
ـ المستوى التعليمي.
ـ الحالة المدنية (أعزب ـ متزوج ـ مطلق...).
ـ الديانة.
ـ الإقامة (وهذا الأمر يخضع إلى قوانين وضوابط كل بلد على حدة ـ الإقامة الدائمة ـ الإقامة المؤقتة ـ وكل هذا يخضع للوائح والنظم القانونية في كل بلد).
تعيش الجاليات العربية في المهجر وهم بالفعل بحاجة إلى رصد حقيقي من جهات نزيهة ترصد الاحداث والتطورات وتعطي رأيا محايدا قاطعا في إثبات أو نفي حقيقته هل يمكن ان يكون العربي او المسلم مواطنا غربيا؟
في ظل ما يلي:
1 ـ التنوع الثقافي والتعددية السياسية.
2 ـ الرغبة في الاندماج ومبدأ الاختلاف والتعارض.
3 ـ قيم المجتمعات العلمانية والحوار والرأي والرأي الآخر.
4 ـ التمييز هل هو موجود أم معدم؟ والإيمان بمبدأ التسامح؟
5 ـ أسباب ظهور التطرف حتى في الجيل الأخير الذي نهل الثقافة الغربية.
6 ـ هل هناك توافق بين الإسلام والثقافات الأخرى؟
&cropxunits=450&cropyunits=272)
&cropxunits=450&cropyunits=300)
التجربة البريطانية
من خلال سفراتنا ومتابعتنا لقضايا اللجوء والهجرة خاصة الى المجتمع البريطاني، بدأت تتشكل لدينا ثقافة التجربة البريطانية وهي الأولى في مجال قبول (العرب والمسلمين وغيرهم) لان بريطانيا عرفت بأنها الاختيار الأول لكل طالبي اللجوء والمهاجرين والكل يجمع على حقيقة (تسامحه وديموقراطيته البرلمانية).
العرب وغيرهم من الديانات (الإسلامية - المسيحية ـ اليهودية) وجدوا في بريطانيا ضالتهم لتجاوز سلبيات انظمتهم وقبولهم للواقع البريطاني كنموذج مميز في مجال تطبيقات التعددية الثقافية في عالمنا العربي والإسلامي المعاصر.
في بريطانيا ..النظام الليبرالي يتقاطع مع الطابع الديني وأصول الشريعة الإسلامية، ففي بريطانيا هناك الحرية مطلقة وهي تتعارض مع طبيعة المجتمعات العربية والإسلامية.
من خلال زيارتي لبريطانيا في السنوات الأخيرة وجدت فعلا ان هناك حالة من (الجفاء الانجليزي والبرود في العلاقات)، لكن هذه ليست قاعدة، فالكثير لهم من الجيران الإنجليز والاصدقاء والاندماج احيانا يكون سهلا ومرات يصعب لطبيعة أطرافه؟ من هم؟ وكيفية فهمهم للدين والتعامل؟
لكن مع الاحتكاك مع افراد المجتمع البريطاني تبقى القضية نسبية لأن الاندماج بحاجة إلى توجيه إعلامي وتعليمي تربوي لكسر التفاوت الثقافي وايضا تقديم الدين الاسلامي بالسلوك لا بالفرض والاسلوب المتخلف، فالتجار اليمنيون استطاعوا نقل الدين الإسلامي من أمة العرب إلى آسيا وكل آفاق الدنيا بالتعامل الحضاري وتبقى الحقيقة ان تعلم اللغة الإنجليزية يسهل عملية الاندماج الاجتماعي.
الخلاصة
اللاجئون والمهاجرون في المجتمعات الغربية من عرب ومسلمين يحتاجون إلى دراسات ميدانية متخصصة تدرس حالة كل جالية على حدة ثم تجمع هذه الدراسات في سلسلة من التوثيق لتكون مرجعا لكل طلاب العلم الدارسين والباحثين وحتما سيكون لهذه الدراسات أثرها في تقييم أحوال المهاجرين وثقافتهم ما يسهل عملية اندماجهم بأجيال الهجرة واللجوء وحتى تحدد طبيعة برامج الاندماج الاجتماعي التي مورست عليهم وعوامل الاندماج حتى حصولهم على الجنسية.
أتمنى في خلاصة هذا الطلب ان يخصص باب لمعرفة شعورهم الوطني بعد الحصول على الجنسية ونظرتهم للبلد الأم السابق ثم شعورهم بالاستقرار والمشاركة السياسية وهل يرغبون في العودة إلى أوطانهم، كما أنني أوصي بضرورة عدم إهمال النشاطات التي مارسوها طوال مرحلة تواجدهم لأن هذه النشاطات لها أثر كبير على نفسياتهم واتجاهاتهم السياسية والثقافية ثم رغبتهم في المشاركة وأنواع الدعوم التي تلقوها للمساهمة في إبراز انشطتهم وطبيعة نشاطاتهم المختلفة خاصة فيما يتعلق بالمدارس والتعليم بشكل خاص وأيضا الصحة.
أتمنى مخلصا أن أرى جهدا عربيا وإسلاميا وإنسانيا في هذا السياق كي تتلافى أمتنا ما حصل لكثير من الأجيال التي هاجرت ولجأت إلى الآخر.. وهل سيستمر هذا الحال في ظل هذه الحروب التي أراها في أفق المستقبل؟!