مفرح الشمري
Mefrehs@
قدمت فرقة مسرح «الدن للثقافة والفن»، التي تمثل سلطنة عمان الشقيقة في مهرجان الكويت لمسرح الشباب العربي اول من امس، عرضها المسرحي «لقمة عيش» المأخوذ من نص الكاتب البحريني جمال الصقر «بلاليط» وذلك على خشبة مسرح الدسمة ضمن العروض المشاركة في المسابقة الرسمية للمهرجان.
عرض «لقمة عيش» يطرح العديد من القضايا التي تتعلق بحياة المواطن العماني والعربي عموما، فالهم مشترك وواحد، فهي رحلة مواطن للإبلاغ عن «عيش» منتهي الصلاحية تسبب في وفاة أسر وعائلات وأطفال في المدارس ويهدد المجتمع بأسره، وعلى الرغم من أن المواطن «رمضان» اتجه الى 14 وزارة لم يجد مسؤولا واحدا يهتم بقضيته، وعندما لجأ لشخص مرشح نفسه للانتخابات البرلمانية وعده خيرا وعندما نجح في تلك الانتخابات «عطاه طاف» بعد ان استغله خير استغلال في نجاحه ليصبح نائبا في البرلمان بحجة أن لديه قضايا أهم من قضية «العيش المنتهية صلاحيته».
لم تحمل المسرحية التي كانت بمنزلة «فرجة بصرية» جميلة للمتلقي قضية العيش فقط بل تطرقت الى قضايا كثيرة يعاني منها الشباب مثل الزواج ومصاريفه الكثيرة والتي «تهد حيل» بعض الاسر الذين يرغبون في زواج ابنائهم، فمن خلال رحلة «رمضان» تظهر هذه القضية جليا على خشبة المسرح، فيتضح مدى صعوبة وتأثير ذلك على فئات الشباب وخطورته على المجتمع وكذلك ضعف الرواتب في مقابل غلاء الأسعار مما يرهق كاهل الأسرة وعدم استطاعتها مواجهة أعباء الحياة فيصبح الاستقرار المجتمعي حلما بعيد المنال ويتفشى الفساد وتنتشر الرشوة لدى البشر وذلك من أجل «لقمة عيش» يسد رمقه مع اسرته فيها حتى وان كانت بطرق غير مشروعة!
رؤية ذكية
استطاع المخرج محمد سعيد الرواحي من خلال رؤيته الاخراجية الذكية أن يقدم هذه القضايا في قالب كوميدي ساخر بعيدا عن الإسفاف والابتذال، فهي تخاطب عقول الجماهير ووعيها لا جيوبها وغرائزها وابتعد عن الصراخ والبكائية معتمدا على التشكيل الحركي الجمالي والأداء الجماعي المنضبط في حالة من الرشاقة والخفة بإيقاع متدفق يتسم بالحيوية مما منح العرض شكلا فرجويا بصريا حتى لو غابت العناصر السينوغرافية بعد أن تحولت أجساد الممثلين إلى مقاعد وطاولات وسيارات، فكان التعبير الجسدي والتلوين الصوتي من أهم عناصر نجاح العرض مع خطة إضاءة ذكية شكلت فيها البقع الضوئية التي احتضنت المجاميع وتحركاتها ككتلة جسدية واحدة عنصرا إضافيا من عناصر الجمال أيضا كانت الاضاءة التي صممها محمود المخرومي متماشية مع تنقلات الممثلين هنا وهناك بالاضافة الى الموسيقى المنسجمة مع الغناء الجماعي حيث أضفت أجواء من البهجة والمرح في نفوس الحضور التي اكتظت بهم مقاعد مسرح الدسمة.
الاداء التمثيلي كان هو نجم هذا العرض فجميع الممثلين ادوا ادوارهم بشكل متزن ومتناسق وبلياقة بدنية عالية وهذا ان دل فإنه يدل على حرص فريق العمل على تقديم عرض مسرحي يليق بالمسرح الشبابي العماني الذي يسير نحو خطى ثابتة، والممثلون هم: سالم الرواحي وأحمد الرواحي وأحمد الصالحي وخميس البرام ووليد الدرعي وحيان اللمكي.
د.محمد زعيمة: العرض غني وممتع
خلود أبوالمجد
بعد نهاية العرض العماني «لقمة عيش» عقدت ندوة تطبيقية خاصة له في قاعة الندوات بمسرح الدسمة، أدارها ناصر الظافر، وعقب عليها د.محمد زعيمة، بحضور مؤلف العمل البحريني جمال الصقر ومخرجه محمد سعيد الرواحي.
وقال د.زعيمة إن العمل قائم على أشياء بسيطة تحولت إلى ثراء وغنى وشكل ممتع، فكرته باختصار عن تحولات هذا الإنسان الذي حصل على راتبه، ومشهد الراتب قد يراه البعض بلا ضرورة، لكنه مقدمة للأحداث اللاحقة، ثم يحدث الصراع البسيط في مظهره لكنه عميق في جوهره، وهو صراع بين الفاسدين والطامعين يضيع في رحاه الإنسان العادي ويفقد آدميته وحياته، لذلك فإن فكرة «لقمة العيش» هي المسيطرة على العرض، وهذه الفكرة توضح طبيعة العلاقات بين البسطاء والمتسلطين.
وأضاف زعيمة: المهم في الأمر كيف تعامل المخرج مع النص؟ القيمة التي طرحت ربما يأخذها مخرج ويقدمها بشكل مأساوي، لكن لحظتها سيسقط العرض، لكن محمد سعيد كانت لديه قدرة وخيال وقاد فريقا مميزا، ولجأ إلى العنصر الأساسي في المسرح وهو الممثلون، فتعامل مع أجسادهم وكون من خلالها مجموعة من القطع التي تبدو ديكورية أو لوحات لها دلالات ورمزية، وساعده فيما سعى إليه لياقة الممثلين وقدراتهم، وهذا العرض بطولة جماعية لفريق واعد يحمل لواء المسرح العماني.
ولفت زعيمة إلى أن المخرج استخدم السخرية التي أدت إلى الشكل الكوميدي المحبب لدى الجمهور فتفاعل مع العرض، وقال الأكاديمي المصري: عندما قرأت النص كنت مشفقا على الممثلين، لكن المخرج تعامل معه بحرفية، واستطاعوا كفريق أن يقرأوا عمق النص فشكلوا تكوينا مرئيا للشخصيات، مشيرا إلى أن البساطة والصدق ميزا العرض، وكذلك اختيار الموسيقى كان موفقا، والعمل في مجمله يشكل حالة من التناغم تدل على وعي قائده وأبطاله.
من جانبه أشاد المؤلف جمال الصقر بفرقة الدن لتقديمها هذا النص بقراءة مختلفة فاجأتني، وقد شاهدت معكم هذا العرض لأول مرة.
بينما قال المخرج الشاب محمد سعيد: راهنت على الجمهور وربحت الرهان، وقبوله لعرضنا هو أهم وأفضل جائزة، ثم شكر فريقه، كما وجه الشكر للفنيين والمنظمين الذين لم يدخروا جهدا مع الوفد العماني منذ وصوله وحتى نهاية العرض.